القاص الأردني نبيل عبد الكريم: السرد العربي لم يرق إلى العالمية… ونجيب محفوظ استثناء

حجم الخط
0

عمان ـ «القدس العربي» ـ من نضال القاسم: نبيل عبد الكريم صاحب تجربة أدبية خاصة، فهو يكتب القصة القصيرة ويعتمد الانتقاد والسخرية من خلال الرؤية الواقعية المرهفة. صدرت مجموعته القصصية الأولى عام 1996 بعنوان «الصور الجميلة» عن دار أزمنة، ثم ثانية بعنوان «مصعد مزدحم في بناية خالية»، عن الدار الأهلية للنشر والتوزيع في عمّان مطلع عام 2017، وعن رؤيته للكتابة وتجربته الإبداعية كان هذا الحوار..

■ كيف تسلل إليك ِهاجس الكتابة؟ وما المؤثرات التي أسهمت في تكوين تجربتك السردية؟
□ في مطلع الثمانينيات عثرت على كنز مخبأ في سدة البيت في صندوق يعلوه الغبار. كان يحتوي على عدد كبير من روايات إحسان عبدالقدوس وبعض روايات نجيب محفوظ. كانت أمي في شبابها المبكر مغرمة بروايات عبد القدوس الغرامية، التي تدور أحداثها على خلفية سياسية واجتماعية مصرية، وكانت الأكثر رواجاً في ستينيات القرن الماضي. هذه الروايات كانت بداية تعرفي على فن السرد في طفولتي ومراهقتي المبكرة، وقد أغرمت بنساء إحسان عبد القدوس المتمردات على التقاليد الاجتماعية، والحائرات في بحثهن عن الحب الصادق الذي لا يستطيع الرجل الشرقي المصاب بعقدة الفحولة وازدواجية الشخصية توفيره لهن. فكانت كتاباتي الأولى تقليداً ساذجاً لأجواء عبد القدوس الروائية. وقد حاولت أن أكتب شعراً ولكنني لم أنجح في ضبط الوزن العروضي، وأدركت أن السرد يناسب التعبير عن خيالي الجامح وأحلام يقظتي المجنحة. وفي مرحلة الجامعة ساعدتني المكتبة الكبيرة على قراءة الأدب العالمي، وكانت الروايات والقصص القصيرة متعتي الكبرى. وبدأت تتضح في كتابتي المعالم الفنية للشكل القصصي دون قصدية، وإنما وجدت في هذا الفن إمكانيات هائلة للسرد المكثف والرسم الدقيق للشخصيات وصنع المفارقات. وهكذا صارت القصة القصيرة لعبة محببة إلى نفسي أمارسها كل يوم باستمتاع شديد.

■ ما الهاجس المسيطر عليك ككاتب؟ بمعنى لماذا تكتب وماذا تنتظر؟
□ أخجل من الإجابة على هذا السؤال، حتى لا أبدو فيلسوفاً أو مفكراً يسعى لتغيير العالم أو التأثير فيه أو معالجته من أمراضه. أكتب لأسباب خاصة جداً تنحصر في الاستمتاع بجماليات اللغة العربية، واختبار قدرتي على تشكيل بنيات لانهائية منها. يفتنني السرد المحكم والمبهر الذي ينافس فتنة المرأة الجميلة وبراءة الطفل ولذة فعل الحب ومذاق القهوة في الصباح. أكتب لأن الكتابة أكثر الأفعال الاستثنائية طبيعية. وإنني لأتساءل لماذا لا يكتب كل الناس، وما معنى الحياة بدون كتابة؟

■ لماذا اخترت «مصعد مزدحم في بناية خالية» عنواناً لمجموعتك القصصية الأخيرة، وكيف ترى مجموعتك الأولى الآن بعد مرور عشرين عاما على صدورها.
□ المفارقة في العنوان أعجبتني، وكذلك الدلالة العبثية التي تلازم رؤيتي لفعل الكتابة بحد ذاته. أما مجموعتي الأولى فقد قُرأت على نطاق ضيق، هو نطاق المتذوقين لجمال الفن القصصي. وقد وضعتني في مصاف الكتاب المميزين للقصة القصيرة في التسعينيات.

■ كيف تبدو لك لحظة الكتابة؟
□ أنا من الكتاب الذين يفكرون كثيراً قبل الكتابة وأثناءها، ولا تكتمل القصة عندي إلا من خلال فعل الكتابة، فأنا أبدأ من نقطة غامضة، هي غالباً حدث بسيط جنيني، والكتابة هي سيرورة التخليق والاكتمال لذلك الحدث، لكنها ليست سيرورة بيولوجية تحاكي شكلاً نموذجياً، بل هي تسعى لخلق نموذجها الخاص، لذلك لا بدّ لي من الحذف والإضافة وإعادة التكوين.

■ لماذا يبدو دوماً حضور الصورة الكاريكاتيرية والمفارقة التهكمية في نصوصك؟
□ لأن القصة القصيرة لا تملك ترف الشرح والإسهاب الذي تملكه الرواية. القصة حبل رفيع مشدود يمشي عليه القاص، وإذا ارتخى أو ترهل سيقع القاص أرضاً. القصة القصيرة تفرض على القاص أن يقول الكثير بكلمات قليلة. ويقال إن القصة تشبه جبل الجليد العائم في البحر، والقاص يكتب قمته فقط، وعليه أن يوحي للقارئ بأن ما خفي منه أعظم.

■ أقمت منذ سنوات في كل من السعودية والإمارات، كيف ترى الحركة الأدبية هناك؟
□ في الخليج العربي حركة أدبية قوية، وهي حركة حداثية رغم أن المجتمع محافظ، ولذلك هي تعيش في نوع من العزلة المحلية، ولكنها في الوقت نفسه واسعة الانفتاح والاطلاع على النتاج الأدبي العربي.

■ وماذا عن المكان كفضاء تتحرك فيه قصصك؟
□ لا أستطيع أن أتخيل قصة بدون مكان وإنسان، القصة نشأت في حضن المكان وبطلها الإنسان، وكلما برز المكان في القصة اتضحت شخصيتها وهويتها، وإنّ كل شيء في القصة يحيل إلى المكان.. ملامح الشخصيات ولباسها وسلوكها ولغتها وعلاقاتها ببعضها وخلفياتها الثقافية، وحتى الأشياء المادية كالأدوات والنباتات والمناخ كلها تحيل إلى المكان. وأنا أميل إلى تسمية الأماكن في القصة بأسمائها الحقيقية لتقريبها من الواقع، فأسمي المدينة والحي والشارع، وأظن أن القصة القصيرة الأردنية عامة تجنبت الإشارة إلى المكان العام، وهذا دليل على أن المدينة الأردنية لم تبلغ مرحلة النضج بعد، في المستوى الاجتماعي خصوصاً.

■ هل حققنا كعرب قصة متميزة في العالم، تكون إضافة نوعية لمجمل التراث القصصي في العالم؟
□ للأسف، لست مطلعاً تمام الاطلاع على التجربة القصصية العربية، والسبب أن النتاج القصصي العربي يبقى حبيس المحلية. يضاف إلى ذلك غياب الدراسات النقدية الجامعة والموسعة، لكن السرد العربي الحديث عامة، وبكل أجناسه لم يرق إلى مصاف العالمية باستثناء نجيب محفوظ، وبعض الأعمال للطيب صالح وجمال الغيطاني وقلة من الكتاب العرب الآخرين.

■ هل تميل في أعمالك المقبلة إلى التجديد واجتراح أشكال تجريبية؟
□ لا أتبنى التجريب الفوضوي، ولا أسعى للتجريب لأجل التجريب. التجريب من وجهة نظري هو أن أشق طريقي الخاص في مدينة مزدحمة بالطرق. أسعى لامتلاك أسلوبي الخاص، وحين أنجح سيتبيّن القارئ ذلك.

■ تمكنت القصة الأردنية من الحصول على جوائز محلية وعربية وعالمية، وترجمت لعــــدة لغات. أي مستقبل تراه لها؟
□ أخالفك التقييم، فالقصة القصيرة الأردنية لم تلق الاهتمام الذي تستحقه نقدياً وإعلامياً وتكريماً وقراءة. ربما باستثناء الدراسات الأكاديمية التي ينجزها طلبة الدراسات العليا في أقسام الأدب العربي في الجامعات الأردنية، ونادراً ما تلقى طريقها للنشر. القصة القصيرة الأردنية راكمت منجزاً متميزاً منذ الستينيات، وبلغت ذروة النضج في التسعينيات من القرن الماضي، وعادت لتبلغ ذروة جديدة في الثلاث سنوات الماضية، ولكنها لم تلق الاهتمام المستحق لا الآن ولا في السابق، وأظن أن على القصة القصيرة الأردنية أن تحفر أعمق لتصل إلى الشيء الذي يدفع القراء إلى التجمع حولها.

القاص الأردني نبيل عبد الكريم: السرد العربي لم يرق إلى العالمية… ونجيب محفوظ استثناء

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية