القاص التونسي رضا بن صالح .. القصة اختبار أبيض للحياة العادية

حاوره: عبدالله المتقي
حجم الخط
1

رضا بن صالح قاص وباحث تونسي، يكتب قصصا قصيرة متميزة، حكي جاء به من ذاكرة طفولته الخصبة، أصدر أربع مجاميع قصصية، ولا يتذكر سوى نصه القصصي الأول المتعلق بهجرة ابن خلدون سرا من تونس. في جعبته جائزتان، جائزة نادي القصة 2015 ومؤخرا جائزة معرض الكتاب عن «تقارير تونسية مهرّبة». يعتبر بن صالح أن الجوائز تأتي لاحقة بالكتابة لا سابقة إياها، وتأتي بعد أن تترسخ تجربة الكاتب وهو ما يعني أن الجوائز تؤكد الكتابة وتثمنها، وعلى هامش هذا التتويج القصصي، كان لنا معه هذا الحوار ..

■ من أين أتيت القص؟
□ «لو حكينا نبتدي منين الحكاية؟» حكايتي مع القصة هي بدورها حكاية. لست أدري هل جئت إلى القصة أم هي التي وردت عليّ؟ كل ما أعرفه هو أنني نشأت في بيئة عائلية مفتونة بالحكي والتخريف. بدأ ذلك منذ الطفولة كان المحيطون بي يروون دوما قصصا وحكايات وخرافات. أتذكر في ليالي الشتاء، وقتئذ لم يكن لدينا جهاز تلفزيون أو إنترنت، كنا نتحلق حول والدي ليقص علينا بعض الحكايات القليلة التي يعرفها شأن «علي ولد السلطان» و«عزوزة الستوت» و«عكارك» كانت قصصه قليلة وكان يكررها ومع ذلك كنا نستمتع بها. وأتذكر حين تزورنا جدتي، تجلب معها الحلوى التقليدية وتظل تلاعبنا طوال النهار. ولكننا نظل ننتظر حكاياتها الليلية تلك الوجبة الضرورية قبل النوم. وأكثر ما شغفتني قصص أمي عن كرامات الأولياء، وذاك الطابع السحري العجائبي، منها عرفت عبد القادر الجيلاني ومحرز بن خلف، عبد العزيز المهداوي، سيدي البشير، سيدي الذوادي.. وكانت كلما قصت الحكاية غيرت بعض عناصرها، وعدلت بعض التفاصيل. كنت ألتهم الحكايات من مصادر أخرى كذلك، من الإذاعة عرفت حكايات عبد العزيز العروي وتمثيليات يوم الثلاثاء والسبت مساء. ومع التقدم المدرسي اطلعت على قصص الدوعاجي وعزالدين المدني حسونة المصباحي، محمود طرشونة، بيرم التونسي وتيمور ونعيمة وجبرا إبراهيم جبرا وألف ليلة وليلة ونوادر الجاحظ وكتب الرحلات. وأتذكر أننا زمن المراهقة كنا نتابع بنهم القصص المصورة باللغة الفرنسية من مغامرات «زومبلا» و«كيوي» و«بليك».. ثم ظهر التلفزيون ومعه مغامرات «داكتري في الطبيعة» و«طرزان «الأفريقي» و«زورو» وأفلام الثنائي «بيد سبانسر وتيرنس هيل».. بدأت علاقتي بالقص والحكايات منذ الطفولة وماتزال.
أما ما تعنيه القصة بالنسبة إليّ فكثير. هي علامة من علامات حضور الذات في هذا الكون، وهي الدليل على الفعل والرغبة في تجسيد بعض الرؤى والأفكار. العلاقة بالقصة هي العلاقة ذاتها مع إرادة جوانية هدفها تحقيق بعض التغيير في المحيط، أو على الأقل وصفه كما يتجلى من منظار المؤلف. القصة تسمح لنا باختبار البعض من أفكارنا واختبار بعض علاقاتنا بالناس.
■ وماذا يمثل لك المُتلقي؟
□ إنّ توصيف نصوصي القصصية والحكم عليها يظلان من مسؤولية القارئ كما أنّ الانطباعات والأحكام الناجمة عن التفاعل الحاصل بين النص والمتلقي، لا أتحكم فيه، ولكن يسعدني عندما يكون الانطباع إيجابيا، ربما بعض خصائص ذات المؤلف، طريقته في الحياة، سلوكه اليومي. تتسرب في نصوصه، فللنص وشائج متينة بصاحبه وعالم صاحبه. الحديث عن توهج في نصوصي يشير إلى نجاح هذه التجربة في ملامسة وجدان القارئ وآفاقه الروحية، وهو أمر يسعد كل الكتّاب، لأن هذا التوهج يرغّب القارئ في مواصلة التفاعل مع المكتوب أو معاودة القراءة، توهج يفتح دائرة القراءة أمام النصوص. وهذا ما يقودنا إلى حضور القارئ، المتمثل في صيغ مختلفة أولها، ذات المؤلف الذي يعتبر أول قارئ لنصوصه، ولهذا يظل المؤلف يحوّر ويغيّر المكتوب قبل نشره. القارئ حاضر في أعمالي لأنه مقصدي وهدفي ولأنني أحرص على استدعاء البعض من عوالمه الوجدانية والمعرفية والتاريخية، حتى نؤسس ميثاقا للقراءة، والعرب تقول قديما «أشعَرُ الناس منْ وجدتَ نفْسَك في شعره». والقارئ حاضر من خلال ــ حسب وجهتي نظري ــ مفهوم الالتزام الذي يمثل معيارا من معايير الكتـــابة عنـــدي. يجب أن نكتب نصا جميلا يدفع القارئ إلى البحث عن الجمال في حياته وتجسيده وإلا فلا قيمة لما نكتبُهُ.

عدت إلى هذه الصحراء التي ولد عبر تاريخها الأنبياء والشعراء والرحالة والأطباء فوجدتها مسخا رخيصا وأكذوبة من أكاذيب التاريخ. ومع ذلك عدت إلى البدايات لأننا منها نستطيع أن نقف ثانية ونختار وجهة جديدة.

■ وكيف تكتب مدوناتك القصصية؟
□ لكل كاتب طقوس يتوسل بها للكتابة، ولكل مؤلف شعائر تسهل عليه فعل الكتابة بعضنا يلتجئ إلى الطبيعة أو الأماكن الخالية، والبعض الآخر يستهلك المنبهات أو المشروبات الروحية، وبعضنا يميل إلى الساعات المتأخرة ليلا ليبدع. في ما يخصني لن أدعي أنّ لي شروطا مضبوطة وطقوسا معلومة، أنا أساير رغبتي في الكتابة، رغبة تحدد الزمان والمكان، ولكنني عموما أكتب في الفضاءات العامة ذات الضجيج المرتفع، كالمقاهي والحانات ومحطات القطارات، أكتب بين الناس وأنا أعايشهم وأسترق السمع إلى ما يقولونه، وأحيانا كثيرة أعدل الكتابة ومساراتها تحت تأثير ما اختبره من سلوك الناس حولي.
■ في جبتك جائزتان، جائزة نادي القصة 2015 ومؤخرا جائزة معرض الكتاب عن «تقارير تونسية مهرّبة». فهل تخلق الجوائز كاتبا متداولا؟
□ الجوائز تأتي لاحقة بالكتابة لا سابقة إياها، والجوائز تُنال بعد أن تترسخ تجربة الكاتب وهو ما يعني أن الجوائز تؤكد الكتابة وتثمنها، وتسلط الضوء على حيازة النص جملة من المعايير الجمالية والهيكلية والحرفية، وفق منظور لجان التحكيم. لكن لا تصنع الكاتب ولا تخلقه. ومع ذلك فلن ننفي ما للجائزة من أدوار إيجابية تؤديها في المكتوب والكاتب. فالتتويج يسمح بانتشار النصوص في ثقافتها والثقافات الأخرى. أما في مستوى الكاتب فتمنح التتويجات المؤلف طاقة وحماسا لمزيد الإبداع وتلقي عليه مسؤولية كبرى، إذ يصبح الكاتب ملزما بعدم التراجع جماليا وفنيا عن المستوى المتحقق لحظة التتويج، وتصبح سلطة النقاد مسلطة عليه، تتابع كل التفاصيل وتقيم أعماله اللاحقة، من خلال مقارنتها بالأعمال المتوجة، الأمر الذي يضغط على الكتّاب لكنه يلهمهم ويدفعهم نحو أمداء إبداعية جديدة.
■ ماذا منحتك القصة القصيرة؟ وما الذي أعطيتها؟ ما الذي بقي في ذاكرتك القصصية من مجموعتك الأولى «العابرون»؟
□ سؤال لا أملك له جوابا مقنعا، ولكنني بشيء من التسرع أقول إنها منحتني صداقات كثيرة في تونس وخارجها، وهذا مكسب لا يقدر بثمن. القصة القصيرة جعلت كثيرين يعرفونني من خلال نصوصي. تعلمت من القصة القصيرة كيف أعيش مع الناس، فعالم التخييل إنما هو صورة أخرى ممكنة عن عالمنا. فيمكن لك أن تعثر على أبطال القصة في مدننا وقرانا بالسمات الجسدية والباطنية نفسها. تصبح القصة اختبارا أبيض للحياة العادية. أما ما منحته أنا للأقصوصة فليس بالكثير عدا ما أخصصه من أوقات للكتابة والمراجعة والنقاش. وفي خصوص مجموعة «العابرون» فأنا ما أزال أذكر الاحتفاء بها وتقديمها للجمهور. ولا أتذكر من نصوصه إلا النص الأول المتعلق بهجرة ابن خلدون سرا من تونس (مارس الحرقة إلى الضفة الشمالية للمتوسط) وأقصوصة «صوفيا أباد».
■ يكتب مراد ساسي أن قصص «بيان العودة إلى أورشليم» طقس روحي قبل أن تكون مظهرا وفكرا إشراقيا قبل أن تكون حادثة، ما تعليقك؟
□ تحية تقدير للمبدع والناقد التونسي مراد ساسي للمجهود الجبار الذي يبذله في متابعة المشهد الثقافي التونسي، يبقى من حق مراد أن يقيم مجموعتي بالطريقة التي يراها، ومن حقه أن يصفها وفق تفاعله معها. والأكيد أن الناقد بحكم الخلفية الفلسفية التي تحركه، قد انتبه إلى الأسس الروحية التي تنهض عليها مجموعة «العابرون». وهذا يدفعنا إلى التذكير بكون النص القصصي ليس منتجا لغويا وحسب، بل يولد محملا بسمات وراثية من المؤلف سمات روحية فكرية مزاجية… وهذا ما يجعل النصوص حية شبيهة بالإنسان إذا لم نكتب النصوص بذواتنا، فلا قيمة للمكتوب الذي لن يكون غير تمرين في الاستعراض اللغوي والجماليات المحنطة.
■ أين أخذك متخيلك القصصي وأنت تعبر مسالك تيهانك الصحراوي؟
□ في «مسالك التيه في الصحراء»عاد بي المتخيل القصصي إلى الأصول والمنابت والبدايات أخذني صوب مهد الأجداد والأسلاف مدينة قلعة سنان الجبلية بالكاف على الحدود التونسية الجزائرية، أخذني التخييل إلى الواقع التونسي بعد الثورة وكثرة المتحايلين واللئام. عدت إلى صحراء العرب التي تعيش عواصف متواصلة منذ قرر العم سام أن يحرر العراق! ومنذ قررت وزيرة خارجيته بناء شرق أوسط جديد.
عدت إلى هذه الصحراء التي ولد عبر تاريخها الأنبياء والشعراء والرحالة والأطباء فوجدتها مسخا رخيصا وأكذوبة من أكاذيب التاريخ. ومع ذلك عدت إلى البدايات لأننا منها نستطيع أن نقف ثانية ونختار وجهة جديدة.
■ هلا أفشيت لنا ولو بتقرير واحد من تقاريرك التونسية ووجهة تهريبها؟
□ المجموعة تقارير بعضها منشور وبعضها مستور، ومن هذا المستور ما أصاب العنوان من تحوير وتغيير. وذلك أنّ العنوان الأول كان «رودان يحطم تمثاله» الذي لم يلق رضى الأصدقاءعلى خلاف العنوان النهائي. والتقرير الثاني متصل بأقصوصة المتنبي، في البداية كانت سردا عاديا قبل أن تتحول إلى شكل سيناريو سينمائي، والتقرير الثالث الذي أفشيه للقراء يتعلق باعتماد تقنية التوقيت في أفصوصة «سقوط دولة عزازيل» من شريط «لعبة الجواسيس Spy Game» الصادر سنة 2001 بطولة «روبرت ريد فورد وبراد بيت.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية