القاص العُماني ناصر صالح في “دروب”: تناقضات النفس البشرية والأحلام المهدورة

سعيد سلطان الهاشمي
حجم الخط
0

هل بمقدور الأدب إحياء ما طمره الزمن وأفنته الخيبات؟

قصص الكاتب العماني ناصر صالح قد تروي عطش السالكين لدروب هذا الأحجية الكبيرة. وتحديداً مجموعته القصصية “دروب” والتي لم تنل حقها من النظر والقراءة.

يفتتح الكاتب عوالم قصصه بنص “المواجهة” مؤسساً لمعماره السردي باستفهام: “عليك أن تكتب حكايتك من البداية. كيف حدث هذا التغير والتبدل، ولماذا؟ لنفرض أن ما تقوله صحيحاً. أنت تكلمت كثيراً، ولكن الكتابة شيء مختلف”. في ذمّ الثرثرة وفي مديح الخيال إذن، ومنه ينثال السرد المحكم، واللغة الشفيفة، التي تحاذر كل تعقيد، لكنها لا تتردد في كشف تناقضات النفس البشرية وتثوير سواكن وجودها. يتفنن الكاتب في استخدام مبضع السؤال في مجمل قصصه، وكأن السؤال دليل العذابات الأبدية إلى الشفاء. “هل أنا إنسان حقيقي؟”، “ألا تدل هذه المناظر التي أراها الآن من نافذة غرفتي على أنني موجود؟”، “أليست هذه الكلمات… دليلاً على أن هنالك عقلاً يفكر؟” ثم يواصل لعبته الأثيرة؛ هِجاء الزيف والكذب والخديعة، بأسئلة تتناسل أسئلة أعمق، دونما فقدان لخيط السرد ولذة الحكاية، وهي مُكنة لا يُجيدها إلا ماهر حاذق، تزوّد باكراً بحصيلة نفيسة من الأداب والفنون والفلسفة، وسقى كل برعم منها بمياه التأملات العذبة.

يتساءل، من جديد، “لماذا يوُدعُ الذين يريدون أن يكونوا على حقيقتهم في مستشفى الأمراض النفسية، بينما الزائفون يتجولون بحُرية؟”. وحيث ينتظر القارئ عزاءً على شكل تبرير أو تجربة سابقة، يفاجئه الكاتب بمتاهة أكبر، تضعه عارياً أمام رياح التفكر العاتية: أزمة الأب، استعصاء العلاقة مع الأم، سموم الثقافة الاجتماعية الموجهة لاغتيال الإنسان، الفرق بين قناعاتك الحقيقية وأفكار الآخرين، ومتى تعرف الفرق بينهما في داخلك، وبأي طريقة، وماذا أنت فاعل حيال كل ذلك إذا ما أدركته؟ وغيرها من الصناديق المغلقة في عمق كل إنسان طوال رحلته في هذا الوجود. يحاول الكاتب أن يكثّفها ليعتصر منها خلاصات، أو ربما إشارات تقود إلى فهم ما يلزم وترك ما سواه. “أليست الخسارة الأكبر في الحياة هي أن يتظاهر الإنسان بغير حقيقته؟” تاركاً الباب موارباً للخيال لينقذ المخيلة؛ “أليس الأعمق تأثيراً في نفوسنا هو ذلك الذي لا نستطيع أن نُعبّر عنه؟”.

يعلم الكاتب أن الحدث يأتي ويذهب، لكن الحكاية باقية. كما يدرك أن الواقع لا يستحق جهد التوثيق إلا بقدر قراءة ظلاله على الروح. لذا، نجده في نص “العربة” يتسامى على الحدث، يتركه يتلبّط في التذكارات القصيرة، أما الذاكرة الخالدة فيليق بها فلسفة ما حدث: جدال الحرية والانتماء، “حتى لو كان الوطن هو السجن”. صراع الروح المشرقة بالأحلام مع أصحاب الأرواح المنطفئة. مكابدات من يرى “أن المكان الوحيد اللائق بالإنسان الشريف هو السجن” في مواجهة من يستمرئ لعبة اغتيال الأحلام وخنق أي محاولة من محاولات المعرفة والتفكير الحُر والوعي بالحقوق. وهنا: “لا يهم أن تكون مؤمناً أو ملحداً، إسلاميا أو ليبراليا أو علمانيا. الأجهزة الأمنية تخترع التهم التي تريدها، وتُفَصِّل الملابس كما تشتهي، وتُلبِسُها لمن تريد، وفي النهاية لا يجرؤ أحد على الاحتجاج”.

أما نص “أبو العرفان” فهو بمثابة حفر صبور في مسائل عويصة: “أن تحيا الحقيقة هو أن تجاور العدم. إن كل سؤال وجودي جديد هو طرق لبوابات العدم، والعدم مرعب. العدم هو الموت. والجميع يهرب من الموت. لا يمكن الوصول إلى الحقيقة إلا بعبور العدم، وتخطي فكرة الموت”. حفرٌ تمارسه شخصيات منسية، مهزومة، منزوية على هامش الضجيج الذي يُعمي البصائر والمُهج.

“صحوة متأخرة” هو الآخر صرخة في وجه النبذ، ومرافعة أليمة أمام محاكم الآمال النبيلة. “حياتنا كانت خطوات حذرة على حبل رفيع بين هاويتين: السجن أو القبر. وها نحن نورث الموت والقبر لأبنائنا”.

عنوان لجيل كامل أمتصّه الألم وابتزّته الخيبات. جيل توهم أنه بالإمكان شراء الأمان بالحرية، وأن الصمت قادر على كتم أنين الضمير. وإذ به ينتهي إلى خلاصة تعيشها الأغلبية المتواطئة: “تم تنفيذ حكم الإعدام عليّ منذ أكثر من 40 عاماً، وبقيت في الحياة جسداً بلا روح، شبحاً هائماً بذهول في متاهات الحياة التافهة”.

ثم تأتي قصة “الحوريات” لتنُضّ أثواب النفاق عن المجتمع، حيث اللذائذ المكبوتة، وكيف هي تقود البشري المتوهم عن ذاته لانتهاك الشر في الموضع الذي ينصب له عقله فخاخ الأعمال الصالحة! يرسم الكاتب لوحة فنية بديعة، ريشتها الاستيهامات التي تتغذى على الخطاب الديني الخصب بالصور الموعودة والجوائز المؤجلة. موظِفاً، في رسمه لهذه اللوحة البالغة التعقيد؛ ذات الذخيرة اللغوية والدلالية التي تنضح بها كتب التراث وألسنة الدعاة. وعن الحبّ يقول: “الحبّ يأتي لمن يُحسن انتظاره. لا تبحثي عن الحب بعقلك لأنك لن تجديه. الحب بنفسه سيبحث عنك، وحين يجدك مستعدة له سيزهر في روحك، وحينها سترفرفين كطائر حر في ملكوت الحب اللانهائي، وستتدفق في داخلك مياه العشق، والوله، والشغف، والولع، والغرام، والهيام، وستبدعين أروع القصائد والأشعار”.

قال تولستوي مرة: “إن الخطر الأعظم، يكمن في انفصال الفن عن مشاكل الحياة الكبرى”. هنا تتجلى قدرة الفنان على استخلاص الرحيق من الاشتباكات الوجودية المُمضّة، وهذا ما نجده في كتابات ناصر صالح: الرهان دائماً على الفن لينقذنا في فهم دوامة الحياة. في قصتي “الكورنيش” و”الفراغ” حيث المعاناة التي تتربص بنا عند أول منعطفات الشيخوخة، تطُلّ شخصيتان، في الهزيع الأخير من العمر، تجتران الاغتراب عن المكان وساكنيه، ترثيان ربيع الشباب وشتاء الكهولة، لائذتان بما تبقى من عسل الذكرى عن الغرام والسلام والبهجة.

لكن الكاتب كسر توقع قارئه في مسار قصصه بقصة “الشاعرة” والتي جاءت بعد نصين أشبه بتلويحة أخيرة لأبطاله المهزومين؛ جاء النص كصعقة إنعاش كهربائي، تلقتها الأرواح المتعبة فتدفقت مياه العشق والوله الهيام. مؤكدا على أن “الروح المسكونة بالشعر والحلم،… لا تحيا إلا بالشعر، وبدون الحب ستذبل مثل زهرة قُطفت من غصنها، ورميت في التراب”.

ثم يعود في خاتمة القصص بنص “حديث عيسى بن مسعود” وكأنه إصرار، أو لعله تذكير دائم، حيث الأمور بخواتيمها تعرفُ. لم يشأ الكاتب أن يتركنا في بحيرة الحب الوادعة. أعادنا من جديد إلى العتبة الأولى: الإنسان المهزوم، مواجهة الحقيقة، حقيقة الظلم، ثمن الحلم بوطن تسوده الحرية والعدالة والمساواة.

سُئل الروائي عبد الرحمن منيف يوماً عن سبب رهانه على الأدب فأجاب: “في وسع الأدب أن يساهم في قراءة التاريخ والتوصل إلى واقع يختلف عن التاريخ الرسمي الذي يفرضه الحُكّام والمنتصرون”. يُخيل إليّ أن ناصر صالح في دروبه استطاع أن يوصلنا بواقع يكتبه، ويخلّده المهزومون دون سواهم.

 

ناصر صالح: “دروب

دار سؤال، بيروت 2016

 159 صفحة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية