بغداد ـ «القدس العربي» ـ من صفاء ذياب: كان لمساهمة القاص المغربي أنيس الرافعي في تأسيس كلٍّ من جماعتي «الغاضبون الجدد» و»الكوليزيوم القصصي» خلال تسعينيات القرن الماضي سبب رئيس في بروز اسمه كقاص له بصمته الخاصة، خصوصاً وأنه أعلن أكثر من مرَّة عن أن القصة عالمه الكبير الذي لن يفارقه، على الرغم من انقلاب عدد كبير من كتاب القصة إلى الرواية والأجناس الأدبية الأخرى. إلا أن اخلاص الرافعي، المولود في العام 1976 بمدينة الدار البيضاء، للقصة القصيرة جعل منه اسماً لامعاً في هذا الفن، ومدافعاً عنه في الوقت نفسه.
تخرج الرافعي في كلية الآداب والعلوم الإنسانية، وتخصص في اللسانيات والنقد أدبي حديث، وترجمت نماذج من أعماله إلى الفرنسية والإنكليزية واﻹسبانية والبرتغالية والفارسية والصينية، كما تم اختياره كواحد من سبعة كتاب متميزين للمشاركة في الدورة الثانية لإدارة الجائزة العالمية للرواية العربية «البوكر العربية». وﺃصدر حتى الآن عدداً من الأعمال القصصية والنصوص السردية غير المجنسة، منها: فضائح فوق كل الشبهات، أشياء تمر دون أن تحدث فعلاً، السيد ريباخا، البرشمان، علبة الباندورا، ثقل الفراشة فوق سطح الجرس، اعتقال الغابة في زجاجة، هذا الذي سيحدث فيما مضى، الشركة المغربية لنقل الأموات، أريج البستان في تصاريف العميان.
حصل الرافعي على عدد من الجوائز العربية والعالمية، كان آخرها جائزة «أكيودي» الصينية ، فضلاً عن جائزة «غوتنبيرغ» الدولية للكتاب، فرع اللغة العربية، في العام الماضي:
* حصلت مؤخراً على جائزة «أكيودي» لمكافحة الخوف في مجال الأدب، كيف كافحت الخوف في مجموعتك «يوم زائد بين الاثنين والثلاثاء»؟ وما المميزات التي جعلت هذه المجموعة تفوز بجائزة تعلن للمرة الأولى؟
* بداية، يهمني كثيراً أن أوضح بأنني لست صائد جوائز ولا أعيرها أدنى أهمية، بل إنني أكاد أشعر بالكثير من اللامبالاة والاستغناء تجاهها، لربما لكوني لا أحب على الإطلاق تجبر ونرجسية وغطرسة المنتصرين. الكاتب النمساوي توماس برنهارد عبر عن هذا الشعور أفضل مني، ناعتا إياه ﺒ»الزهو الخادع»، في أحد فصول روايته الماتعة «صداقة مع ابن أخي فيتغنشتاين».
حسب وجهة نظري الخاصة، أعتقد أن الكاتب لا يتوجب عليه انجاز كتاب ما بغاية الفوز بجائزة كيفما كان نوعها. فأمر من هذا القبيل غير مستساغ البتة، بل يغدو مبتسراً إذا ما خضع هذا الانجاز للاشتراطات التي تفرضها مقاسات موضوعة كتابية معينة. إن الصدفة وحدها من تحكمت في مشاركتي في هذه الجائزة، وبإيعاز نبيل من صديقي الناقد والشاعر عمر العسري الذي ألح عليّ لتجريب حظي، أنا الذي أعتبر نفسي سيئ الحظ على طول الخط. كما أني وبكل صدق نسيت الأمر لشهور طويلة بعد بعث مساهمتي، ولم أتوقع على الإطلاق أن يعلن عن اسمي فائزاً. كل ما في الأمر على الأرجح أن لجنة التحكيم رأت بأن مجموعتي القصصية تستجيب للأفق الحقوقي والفلسفي الذي يحكم الجائزة، ألا وهو «مكافحة الخوف».
وفي ما يتعلق بي، أظن بأنني ، الخوف من المجهول والغامض والملتبس، الخوف من اللامرئي والمحتجب والباطني، الخوف من الفصام والازدواج والقرين، الخوف من أشياء العالم التي تحاصرنا لما تحوز استقلاليتها الذاتية عنا، الخوف من الموت والحتف والنهاية، الخوف من انهيار القيم الإنسانية والأخلاقية والآيديولوجية التي مسخها الزمن المعولم.. إن مقاومة هذه الأنماط المختلفة من الخوف هو اللاوعي الكامن في ما أحاول بكل تواضع أن أبدعه من قصص قصيرة.
* فضلاً عن جائزة «أكيودي»، حصلت على جائزة «غوتنبرغ» في العام الماضي.. بماذا تفسر توجه الجوائز العالمية للقصة القصيرة، في ظل فوز أليس مونرو بنوبل، وغيرها من الجوائز؟ وهل يمكن أن تعيد هذه الجوائز مساحة القصة التي سرقتها الرواية اليوم؟
* جائزة «غوتنبرغ» لم أتقدم لنيلها، بل إن رئيس اتحاد كتاب المغرب الناقد عبد الرحيم العلام هو من رشح مشكوراً كتابي «أريج البستان في تصاريف العميان» للمنافسة عليها. هذا للتوضيح فقط، ولتأكيد ما قلته لك سابقاً عن موقفي من الجوائز.
إن التوجه المشار إليه في سؤالكم، ينبئ بأن ثمة انبعاثاً وعودة مظفرة للقصة القصيرة. فوز الكاتبة الكندية أليس مونرو بجائزة نوبل للآداب كان له بالتأكيد دور وازن في عودة الروح لهذا الفن الذي عاني طويلاً من التهميش وارتبط بالأقليات الأدبية. أيضا، لا بد من الإشارة ضمن سياق هذه الدينامية المتصاعدة إلى حصول القاص العراقي حسن بلاسم على جائزة «الأندبندنت» عن أضمومته الفذة «المسيح العراقي»، وكذا إلى العدد الممتاز الذي أفردته مجلة «بانيبال» الإنجليزية للقصة القصيرة بالعالم العربي من خلال نماذج مزجت بين الرواد والامتدادات. وهنالك أيضاً حركة مهمة لترجمة أنطولوجيات لقصاصات وقصاصين عرب جدد من لدن دور نشر فرنسية وإنكليزية وأمريكية وإسبانية. إنهم يهتمون كثيراً في هذه الآونة بالذات بالأسماء القصصية المحدثة على امتداد الرقعة الجغرافية للعالم العربي ويتابعون بدقة منجزها.
أحدس أن «غمة» القصة القصيرة سوف تنفرج قريباً وستتوسع دائرة تلقيها، في الوقت الذي سيعمد فيه الفرع العربي لجائزة «البوكر» إلى إنشاء جائزة خاصة بالقصة القصيرة منافسة لشقيقتها الكبرى الرواية، حينها سنشهد بلا ريب انتعاشة جهنمية وغير مسبوقة لهذا الجنس الأدبي الصعب والمراوغ. إن الظهور الوشيك لهذه الجائزة سوف يعيد الاعتبار لطفلة الأدب المشاغبة، وسيجعلها تتبوأ المكانة اللائقة بها.
* أكدت في أكثر من مرّة أن»القصة عقيدتك الأدبية»، وتعدها عالمك الأثير… لماذا القصة؟ وما الذي يجعل كاتباً يتمسك بجنس ما، في حين هناك كتاب آخرون يحاولون التجريب أكثر من جنس، في ظل انتقال الكثير من كتاب القصة للرواية؟
* فعلا، القصة القصيرة هي بمثابة «عقيدة أدبية» بالنسبة لي، وأمحضها ما استطعت من الإخلاص والوفاء. في الحقيقة، إننا لا نختار هكذا على مقاس أمزجتنا أن نكون قصاصين أو روائيين أو شعراء. أعتقد بأن ثمة اعتبارات سيكولوجية وفكرية عميقة ومركبة تتحكم في انخراطنا ضمن مصير أدبي معين. يصبح المرء قاصاً إذا ما عد نفسه على هامش الجماعة، وإذا لم يكن يوماً من المؤمنين بالمؤسسة، سليلاً للأماكن المعتمة الموصدة، وزاهداً في الكائن المنمط والوطن المعلب والتاريخ الرسمي والعشيرة السياسية الفاسدة والقضايا الكبرى التي تتحول إلى ذرائع لتبرير التجبر أو التسلط.
أما من الناحية الحرفية المحضة، فأنا أوتر القصة القصيرة، بوصفها فناً للحد الأدنى، على غيرها من الأجناس الأخرى، لأنها تتيح لي إمكانية الكتابة بمواد البقاء والديمومة والتوهج، بدلاً من مواد التلف والزوال والأفول. في القصة القصيرة يتحول الكدح السردي إلى فن دقيق وشديد الحساسية على صعيد اللغة والمعمار والمتخيل والرؤية، يجافي الثرثرة والاستطراد المجانيين. يتراءى لي بأنني لو حدت أو انحرفت عن انحياز القصة القصيرة سوف أشرع في رتق ندوبي الداخلية بمخرز كبير، سرعان ما سيترك غرز الخياطة ناتئة وبشعة على جلد ما سأقترفه من كلمات. إذ ما أفظع أن نكتب وكأننا نخيط جناح فراشة مفصول بخيط مستل من كيس خيش. في حين مع القصة القصيرة يمكنني أن أزعم خبرة رتق ذات الندوب بإبرة صغيرة ذات مقدرة عالية على دفن غرز الخياطة تحت جلد الكلمات. إذ ما أجمل أن نكتب وكأننا نخيط بفسائل الحرير بطنا مبقورة لفيل ضخم.
* كيف يستحضر الكاتب ما مرَّ بحياته لبناء الحدث السردي، وما التقنيات التي يشتغل بها لربط الواقع بالمتخيل للخروج بنص سردي مغاير؟
* شخصيا لا أنتمي إلى ذلك الطراز من الكتاب الذين يوظفون بعض المعطيات السيرية أو الواقعية لاجتراح نصوصهم. لنقل إنني أحفر البئر من الأسفل أو أخرج من قلب إهاب المرايا لأرتمي في العالم الخارجي، وهو ما معناه الانطلاق من المتخيل من أجل الوصول إلى الواقع. أحبذ أن أصنع كل شيء داخل مشغل الكتابة: الشخصيات، والحدث، والمصائر، والقوالب المعمارية. ولعل هذا الاختيار نابع من طبيعة المبادئ التي تمليها إستراتيجية «الكتاب القصصي». فبخلاف من يكتبون نصوصاً منجمة، أفضل أن أضع خطاطة وتصوراً قبليين وفق موضوعة وأسلوب معينين، تحت يافطة تجنيسية غير مألوفة، وعندما تنضج هذه الوصفة في ذائقتي وأتحصل على مرجعياتها المعرفية، أشرع عندئذ في عملية الصوغ. لقد حرصت قدر الإمكان على احترام هذا النسق في أغلبية كتبي القصصية، التي هي عبارة عن أمواه أرخبيلية، يختلط فيها الحلو بالمالح، أو بالأحرى يتخاصب فيها السرد بفنون أخرى موازية تشمل السينما والتشكيل والفوتوغرافيا، وأيضاً ما له علاقة بالتراثي والطقوسي والأنتربولوجي.
* منذ بدايتك، عرفت بالتجريب مع كل مجموعة جديدة.. كيف نفهم التطور لدى الكاتب عبر مراحل متعددة؟ وما مفاهيم التجريب التي تشتغل عليها في ظل التغيرات التي طرأت على الأدب عموماً؟
* لا أخفيك سرَّاً بأن المسار التجريبي الذي خضته، وخاضه أيضاً آخرون غيري منذ مستهل تسعينيات القرن الماضي، لم يكن سهلاً أو محفوفاً بالورود. ففي انطلاقته وارتباطه برعونة الشباب وبالبيانات والجماعات الأدبية لاقى انتقادات شديدة، والبعض منها موضوعي على كل حال. فرفض الإقامة في الصدى، وتفتيت الحكاية التي هي العمود الفقري للقصة القصيرة، وتحطيم سلطة الحرس القديم العاض بالنواجذ على عروض القصة القصيرة، والقطيعة مع النمط التقليدي بالاستناد إلى جماليات نوعية مستحدثة تقوم على المخالفة بدل المطابقة، كلها أمور كان من العسير تقبلها بسهولة، خاصة في ظل نوع من العماء النظري المتعجل، والتزاحم القصصي الذي يختلط فيه السمين بالغث.
غير أن هذا المسار عندما استقل بصوته وسمته الخاصين، استطاع نسبياً أن يفرض حظوته واحترامه في المشهد القصصي. إن التجريب الذي أمارسه الآن هو أقل غوغائية وحدة. أصبح له صوت خافت بعد أن تخلص من المطلق والشعارات والمعارك المجانية، وبعد أن تعلم كذلك احترام التجارب الأخرى. إذ تم استدراك المعنى الجوهري للكتابة والالتحاق به في الوقت المناسب، وذلك بتبديد التركة الزائفة، وإعلان الإفلاس الطوعي مما قد يعدّ منجزاً . فالكاتب التجريبي قد يخلق لنفسه معاييره الخاصة، لكن من الضروري لطريقة الكتابة في كل مرة أن تنتهي إلى تشكيل خطر على هذه المعايير وتحاول نسفها وإلا تحولت إلى نوع من «الأصولية التجريبية». إنني أحاول في كل مرة الشروع في التعلم من جديد، أن أتحاشى الكتابة في خضم الضوء الساطع المخادع، وأن أكتب فحسب تحت ضوء أباجورة خفيف وشاحب.
* اشتغلت على الحياة والموت وما بينهما من مخيال في أعمالك القصصية، كيف تمكنت من توظيف الواقع ومفارقته في نصوصك؟ وما الأساليب التي يختلقها الكاتب ليقترب أو يبتعد عن حياته وبيئته ومجتمعه؟
* ثمة حبل رهيف بين الحياة والموت، والكائن ما هو إلا بهلوان يمشي كل يوم فوق هذا الحبل، محاولا المحافظة على توازنه حتى لا يهوي عميقا في اتجاه الهاوية، في اتجاه العدم. في المسافة الفاصلة بين هذين الحدين، أموقع قصصي القصيرة، وأنوس بين الواقع والخيال. كتابي القصصي «الشركة المغربية لنقل الأموات» كان محاولة في هذا الاتجاه. وهو مؤلف قريب جداً إلى قلبي، إذ انتابتني في فترة عصيبة من حياتي هواجس الموت وبأن نهايتي وشيكة، فقررت أن أكتب سيناريوهات مفترضة للموت الذي أطمح لأن تكون عليه نهايتي. ومع كل سيناريو كنت أتخطى محطة من محطات «الليلة الكناوية». كأني أتملص من جسدي الميت، وأنسخ نفسي في جسد بديل. وبهذه الطريقة الكاتارسيسية (التطهيرية) أحسب أني تخلصت من هذه الهواجس التي لازمتني طويلاً.
* كتبت ذات يوم شهادة طريفة بعنوان «فاتني أن أكون أرجنتينيا»، هل صحيح أن أنيس الرافعي لا يعدّ نفسه مغربياً؟
* الأمر يا عزيزي يتعلق بحلم مجازي أو ربما باحتمالات أن تكون لك حيوات ماضية أو قادمة. إذ أعتقد في قرارة نفسي في ما يشبه الإيمان العميق بأنني ولدت من والدين مجهولين في بوينس أيرس سنة 1976. وتربيت كطفل متبنى في كنف عائلة أرجنتينية طيبة، لم ترزق بأولاد. تعلمت اللغة الإسبانية منذ نعومة أظافري، وقرأت لكتاب كبار أعجبت بهم من أمثال كورتزار وبورخيس وروبرتو آرلت وأدولفو بيوي كاساريس وسلفينا أوكامبو… لكني تعرضت ذات يوم لحادثة سير، وعندما أفقت وجدتني في مستشفى فاقدا للذاكرة. المستشفى كان مغربياً. لم أعرف كيف غدوت نزيلا للدار البيضاء، هذه المدينة المجهولة التي تقع في قارة أخرى. المهم، أني ومنذ ذلك الوقت بذلت مجهوداً خرافيا كي أتعلم الدارجة المغربية، وفي ما بعد اللغة العربية، إذ إني نسيت كل شيء عن لغتي الأصلية. ولك أن تتصور ما لزمني من جهد حتى أشرع في كتابة قصص بلغة الضاد. ليغفر لي رفاقي في درب الكتابة هذا التطفل، إذ ما أنا سوى أرجنتيني ضائع مجهول النسب يحاول أن يكتب مثلهم، وأعدهم بأنني سأبذل كل ما في وسعي لتكون نصوصي القادمة في مستوى ما يكتبون هم من قصص قصيرة.