القاعدة العسكرية الروسية في سورية ومستقبل المنطقة

حجم الخط
0

محمد خليفة

اعلنت مصادر في هيئة اركان القوات البحرية الروسية عن خطة لانشاء قاعدة عسكرية دائمة في ميناء طرطوس السوري، بما يوفر البديل والمراسي للسفن الحربية المقرر سحبها من قاعدة سيفاستوبول في شبه جزيرة القرم المتنازع عليها مع اوكرانيا. وسوف تكون القاعدة العسكرية الروسية في طرطوس محمية بنظام دفاعي روسي مضاد للطائرات علي المدي البعيد وهو (اس ـ 300 بي.

مو ـ 2 فافوريت) الذي يمكن ايضاً ان يحمي قسماً كبيراً من الاراضي السورية. والواقع ان الاعلان عن انشاء هذه القاعدة كان مفاجئاً للغاية، لانه يعني عودة روسيا لتكون قطباً عالمياً من جديد وذلك خلافاً لما يروّجه الغرب من انها باتت ضعيفة وعاجزة عن مواجهة الولايات المتحدة. فاقامة هذه القاعدة في سورية اثبتت ان روسيا دولة عظمي، وانها مستعدة للنزال مع الولايات المتحدة في جميع الجبهات والميادين. وتعود العلاقات بين سورية وروسيا الي الحقبة السوفييتية، فقد ارتبطت سورية بعلاقات قوية مع الاتحاد السوفييتي السابق الذي كان قد ظهر بعد الحرب العالمية الثانية كنصير للشعوب المغلوبة في الارض. ولقي خطابه التحرري آنذاك، اصداء واسعة في العالم الثالث، ومنه العالم العربي الذي عاني الويلات من الاستعمار الغربي. وكان اغتصاب فلسطين من قِبل اليهود وقيام دولة اسرائيل عام 1948 بدعم كامل ومفضوح من القوي الغربية الرئيسية (الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا)، قد شكّل صدمة كبيرة للشعوب العربية ولا سيما القريبة من فلسطين التي شاهدت بام عينها حجم الماساة التي حلّت بالشعب الفلسطيني المظلوم. وكانت سورية قد تاثرت الي درجة كبيرة بنكبة فلسطين، فتولّد فيها شعور عام يكره الغرب ويرفضه ويميل الي التعاون مع قوي اليسار العالمي التي يمثلها الاتحاد السوفييتي السابق. وابتداء من عام 1954 بدات سورية تشتري السلاح من الاتحاد السوفييتي حتي اصبح سلاحها كله سوفييتي المنشأ. لكن العلاقات بين سورية والاتحاد السوفييتي لم تصل الي مرحلة التحالف الاستراتيجي، لان سورية كانت ترفض ان تكون جزءاً من صراع الحرب الباردة. وكانت تميل، بقدر قليل، الي عدم الانحياز في الصراع بين القطبين. ومع ذلك، فان سورية كانت مضطرة الي التأثر بهذا الصراع، خاصة ان كلاً من الاتحاد السوفييتي السابق والولايات المتحدة قد نقلا جزءاً من صراعهما العالمي الي المنطقة العربية من خلال الصراع العربي مع اسرائيل. فاصبح القطبان حاضرين في كل الحروب العربية مع اسرائيل وكانا يعملان علي تحقيق التوازن في هذه الحروب لكي لا تطغي مصلحة قطب منهما علي مصلحة القطب الآخر. ولئن كانت حرب عام 1967 امريكية صرفا حققت فيها اسرائيل انتصارات كبيرة علي العرب؛ فان حرب عام 1973 كانت سوفييتية، حيث حقق العرب فيها نصراً محدوداً علي اسرائيل اعاد شيئاً من الكرامة المهدورة عام 1967. فقد اثبتت الاسلحة السوفييتية التي كانت بحوزة مصر وسورية آنذاك ان الاتحاد السوفييتي جاد في دعم الدولتين في مواجهة اسرائيل وحليفتها الولايات المتحدة. لكن مصر اختارت طريق السلام مع اسرائيل، وفكّت ارتباطها بالاتحاد السوفييتي وارتبطت بالولايات المتحدة. اما سورية فلم تتوصّل الي اتفاقية سلام مع اسرائيل. ولذلك استمرت العلاقات قائمة بينها وبين الاتحاد السوفييتي. ونظير المساعدات التي قدّمها لسورية عام 1973، فقد وافقت القيادة السورية علي السماح للاتحاد السوفييتي باستخدام ميناء طرطوس ابتداء من عام 1974 كنقطة استناد تقنية لخدمة قطع اسطوله المرابط في البحر المتوسط. لكن سورية رفضت طلب الاتحاد السوفييتي اقامة قاعدة عسكرية دائمة له فيها، خوفاً من ان يستغل السوفييت هذه القاعدة، فيعمدوا الي ايصال الحزب الشيوعي السوري الي السلطة في سورية ومن ثم ضمّ سورية بشكل كامل الي المعسكر الشرقي. وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي عام 1991، فترت العلاقة بين سورية وروسيا التي اصبحت الوريث الشرعي للاتحاد السوفييتي بسبب الديون الكثيرة التي كانت للاتحاد السوفييتي علي سورية والتي بلغت نحو 20 مليار دولار كلها ثمن اسلحة ومعدّات عسكرية وحربية. وتوقّف توريد الاسلحة الروسية الي سورية، لكن هذا الفتور في العلاقة بين الدولتين كان بمثابة سحابة صيف لادراك روسيا ان سورية حليف اساسي لها في المنطقة العربية، وانه من الخطأ التفريط بهذا الحليف. وعلي خلفية هذا الادراك، قامت روسيا منذ نحو سنتين بجدولة ديونها علي سورية، فالغت القسم الاكبر من هذه الديون، وابقت علي نحو 3 مليارات دولار منها، تعهّدت سورية بدفعها لها. ومنذ ذلك الوقت، عادت الحياة الي العلاقات السورية ـ الروسية. ومع اتجاه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الي تعزيز مكانة روسيا العالمية، فقد عاد الاهتمام الروسي بسورية في الوقت الذي كانت الضغوط الامريكية تتصاعد ضدها، ولا سيما بعد احتلال العراق عام 2003. وادركت سورية ان الولايات المتحدة تريد تدمير النظام فيها واشاعة الفوضي كما فعلت مع العراق. ووجدت في روسيا خير معين لها في هذا الزمن الصعب، فتلاقت مصالحها بالكامل مع مصالح روسيا، فقررت التخلي عن سيادتها علي جزء من ارضها، وسمحت لروسيا ببناء قاعدة عسكرية دائمة لها في ميناء طرطوس. ولا شك ان سورية بهذه الخطوة، تكون قد وجّهت طعنة مؤلمة للولايات المتحدة التي لن يكون بمقدورها بعد الآن التطاول عليها ولا التهديد باحتلالها، وستكون هذه الخطوة، مدخلاً لتحقيق استقرار حقيقي في الشرق الاوسط.

ہ كاتب من الامارات [email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية