انتهي حلم المواطنين الصوماليين البسطاء بالاستقرار والامان بسرعة قياسية، بعد دخول القوات الاثيوبية وحلفائها الي العاصمة مقديشو، وهزيمة قوات المحاكم الاسلامية التي نجحت، وبعد عشرين عاماً من الفوضي، في اعادة بعض الأمل في الحياة الكريمة للشعب الصومالي المنكوب.
الصومال اصبح يقف حالياً علي ابواب عراق آخر، لان ما يجري حاليا علي ارضه، يتطابق في معظم فصوله مع ما جري للعراق مع اختلاف اللاعبين. فالولايات المتحدة لم ترسل قواتها الي الصومال مثلما حدث عام 1995، وأوكلت المهمة الي حلفائها في اديس ابابا تجنبا للخسائر، لقلب نظام الحكم، وتشتيت قوي المحاكم الاسلامية، وتثبيت الحكومة المؤقتة في مقديشو.
القوات الامريكية التي زاد تعدادها عن 150 الف جندي عجزت عن تحقيق الأمن في بغداد، ومن المشكوك فيه ان تنجح القوات الاثيوبية الاقل تسليحا وعتادا وخبرة، فيما فشلت فيه القوات الامريكية، اي تأمين العاصمة السودانية، وحفظ السلام فيها.
الشعب الصومالي، او القطاع الاكبر منه، سينظر الي الحكومة وقواتها نظرة تنطوي علي الكثير من الشكوك، لانها حكومة نصبها الغزاة الاثيوبيون، ووصلت الي العاصمة علي ظهور دباباتهم، ولذلك علينا ان نتوقع انطلاق حركة مقاومة شرسة طلائعها قوات المحاكم الاسلامية، تماما مثلما تفعل طالبان في افغانستان، والمقاومة الاسلامية والقومية في العراق.
بعد هذا التدخل الامريكي السافر والدموي، اصبح القرن الافريقي كله علي ابواب حروب اقليمية، وربما اهلية، قد تستنزف مواطنيه وتورط دول الجوار لعقود قادمة. وسيدفع الجميع ثمنا مكلفا لها، من دمائهم وثرواتهم البسيطة.
اثيوبيا التي قبلت ان تكون مخلب قط امريكا في المنطقة قد تكون الخاسر الاكبر علي المدي الطويل، فقد فتحت علي نفسها عش دبابير بغزوها للصومال بالطريقة التي شاهدناها في الايام الماضية. فهي اكثر دول المنطقة هشاشة، وبالتالي عرضة للتفتيت بسبب خريطتها العرقية التي تبدو اكثر تعقيدا من نظيرتها العراقية.
المحاكم الاسلامية التي ابتعدت عن تنظيم القاعدة رغبة من قيادتها في انقاذ البلاد من الحرب الاهلية وتجاوزات لوردات الحرب وقطاع الطرق، والانخراط بصورة طبيعية في النظامين الاقليمي والدولي، ستجد نفسها مضطرة، بعد الهزيمة التي حظيت بها قواتها، الي التعاون مع هذا التنظيم، وكل التنظيمات الاسلامية المتطرفة للتصدي للغزو الاثيوبي والمتعاونين معه. وستجد دعما من الشعب الصومالي، او نسبة كبيرة منه، اذا ما سارت في هذا الطريق. ومثلما أوجدت امريكا تربة خصبة لتنظيم القاعدة في العراق بغزوها له، ها هي القوات الاثيوبية تفعل الشيء نفسه بغزوها للصومال. فالقاعدة خرجت من الصومال في منتصف التسعينات بعد خروج القوات الامريكية مهرولة ومهزومة، وها هي تعود اليه من اوسع ابوابه لقتال القوات الاثيوبية، ولن تجد اي صعوبة في تجنيد الكثيرين.
الشيخ اسامة بن لادن ونائبه الدكتور ايمن الظواهري اللذان يعرفان الصومال جيدا سيكونان حزينين لهزيمة المحاكم الاسلامية وقواتها قطعا، ولكنهما سيكونان سعيدين جدا للعودة الي الصومال واستكمال ما بدآه، اي قتال الامريكيين وحلفائهم، تماما مثلما يفعلان في العراق وافغانستان.