علي حسين باكير
يعتبر الشريط الجديد لزعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن والذي تم بثه علي قناة الجزيرة يوم الخميس في 19/1/2006، مؤشرا علي بداية مرحلة جديدة من الصراع مع أمريكا ودليلا علي وجود استراتيجية أيضا يتم المضي قدما عبرها، وملامحها ستظهر أكثر وضوحا مع تقدم الوقت.
الشريط يعتبر الاول لأسامة بن لادن منذ حوالي السنة أو أكثر، وكما قيل، فمن الواضح أن الشريط قد تم اعداده في أوائل شهر كانون الأول (ديسمبر) من العام 2005. وقد جاء في توقيت مهم جدا بعد الغارة الأمريكية علي مناطق القبائل الباكستانية والتي سقط ضحيتها العديد من المدنيين الأبرياء والتي تسببت بسخط شعبي كبير في باكستان.
يقول بيب اسكوبار في تعليقه علي شريط بن لادن الاخير، علي الادارة الأمريكية والرأي العام الأمريكي أن لا يشوهوا رسائل بن لادن بالتركيز علي امور ثانوية، وعليهم الا يلوموا الا أنفسهم اذا ما التزم بن لادن بتهديده، وهو عادة ما يفعل ذلك.
لقد عرض بن لادن الهدنة للمرة الثانية مع الغرب ولا مانع لدينا من إجابتكم إلي هدنة طويلة الأمد بشروط عادلة نفي بها فنحن أمة حرم الله علينا الغدر والكذب، لينعم في هذه الهدنة الطرفان بالأمن والاستقرار ولنبني العراق وأفغانستان اللتين دمرتهما الحرب ولا عيب في الحل لولا أنه يحول دون انسياب مئات المليارات إلي أصحاب النفوذ وتجار الحروب في أمريكا، الذين دعموا حملة بوش الانتخابية بمليارات الدولارات. بماذا أجابت الادارة الأمريكية؟ لانتفاوض مع ارهابيين، وضعناهم خارج الخدمة!!. وبحسب اسكوبار، فالأمريكين لا يسمعون ما يقال في الأشرطة الصادرة عن تنظيم القاعدة وخاصة بن لادن، ويشير الي ان هؤلاء لا يكذبون وقد انذروا سابقا وينذرون الآن بضرب الولايات المتحدة، وبأن هذا الكلام ليس خرافة فهم يلتزمون بقولهم ومن ثم يتبعون المثل العربي القائل وقد اعذر من أنذر. يكررون نفس الرسالة ولكن لا نسمعهم، فقد قال بن لادن في تشرين الاول (اكتوبر) 2004، قبيل الانتخابات الرئاسية الامريكية، لن يكون هناك 11 أيلول (سبتمبر) اخري اذا توقفت الولايات المتحدة عن مهاجمة الاراضي الاسلامية.
المسألة بكل بساطة تكررت علي الأقل 35 مرة في رسائل بن لادن والظواهري الصوتية والمرئية منذ 11 أيلول (سبتمبر) 2001 وحتي اليوم. المغزي هو نفسه علي الولايات المتحدة ان تغادر الشرق الاوسط، وأن توقف دعمها لاسرائيل علي حساب الفلسطينين، وان توقف دعمها للديكتاتوريات العربية والأنظمة الفاسدة في العالم الاسلامي.
القاعدة تصبح أكثر نضوجا مع مرور الوقت فيما يخص محددات الصراع وضرورة اشتراك جميع الفئات في المقاومة وجمع السياسي مع الديني، فالأشرطة الاخيرة لبن لادن والظواهري خففت كثيرا من الخطاب الديني وطرحت محاجات سياسية وعقلانية يستطيع أي احد في الغرب والشرق أن يفهمها بكل بساطة ودون ضرورة ان يكون لديه المام ديني او عقدي.
و فيما يتعلق بالتهديد الجديد، فقد كنت طرحت في مقال سابق لي السنة الفائتة، ان القول بان تنظيم القاعدة بات ضعيفا ومفككا وتأكيد هذا الكلام بالقول انه لم تحدث أي عملية كبيرة بحجم 11 أيلول (سبتمبر) وان هذا مؤشر علي الضعف، كلام غير صحيح وتشخيص غير دقيق. ذلك ان عملية ضخمة كعملية 11 أيلول (سبتمبر) 2001 اخذت من التحضير والاعداد ما مدته خمس سنوات. واذا ما ربطنا تهديد بن لادن للولايات المتحدة بعملية كبري في شريطه الأخير، فقد يكون للتهديد معني خاصة انه يأتي بعد خمس سنوات من 11 أيلول (سبتمبر) 2001. علي العموم ووفقا لبعض المصادر، فالقاعدة لا تحتاج خبرة عسكرية بقدر ما تحتاج خبرة سياسية وهو ما تعمل عليه. فهي تحتاج الي ان تكون اكثر سياسة واقل دينا بهدف جمع قطاعات عالمية واسعة وادخالها الي دائرتها في محاربة الولايات المتحدة كالجماعات المعارضة للعولمة، المثقفين الاسلاميين، المعتدلين، المصرفيين…. الخ ولذلك فهي تعمل لأن تكون أقل راديكالية واكثر انفتاحا.
وعلي اية حال، فالشريط يطرح من جديد وضع القاعدة ومصير الحرب الدائرة بينها وبين أمريكا.
ففي تحليل لوضع القاعدة الآن، نستطيع أن نقول انه من الصحيح أن القاعدة تلقت ضربات عديدة منذ غزو افغانستان وتم اعتقال العديد من قيادييها وعناصرها وفقدان الكثير من أفرادها ومناصريها، الا ان الحرب علي العراق قد أعادت جمع المؤيدين والمناصرين لها من كافة انحاء العالم العربي والاسلامي. وفي حقيقة الأمر، فان نجاح المقاومة العراقية تنظيم القاعدة من ضمنها في التصدي للاحتلال الأمريكي قد أثر في تفكير قياديي القاعدة نحو اعادة اطلاق تنظيمهم علي شكل منظمة مفتوحة لكل العناصر التي ترغب في تدويل المواجهة مع أمريكا وضرب مصالحها.
وقد بدا هذا التوجه واضحا في تصريحات وأشرطة أسامة بن لادن السابقة والتي كانت تقترن بعرض هدنة مع الغرب علي اساس الاحترام المتبادل وعلي اساس المساواة وليس الاستعباد مع التأكيد أن عرض الهدنة لا يأتي من موقع الضعف. وقد ترافق هذا التوجه في عام 2004 مع بروز قضيتين مهمتين:
الاولي: تتعلق بطبيعة تركيب تنظيم القاعدة، وهل علي القاعدة ان تسقط طبيعتها الغامضة والملتبسة وتدعو الي الجهاد مباشرة في العراء وبين الناس ضد أمريكا.
الثانية: وهي قضية قديمة ويتم تداولها بشكل دائم وتتلخص في أنه هل يجب أن تكون الحرب ضد أمريكا بشكل حصري؟ ام يجب أن تشمل الحرب أيضا الأنظمة الاسلامية الخاضعة للولايات المتحدة والمتعاونة معها؟
الاجابة علي هاتين القضيتين ارتبطت بدورها بتوفر شرطين أساسيين:
الأول: الحصول علي قواعد انطلاق للتنظيم لشن حرب مفتوحة ضد امريكا والدعوة للجهاد بشكل مباشر من علي الأرض مع الناس والعامة.
الثاني: اعادة تنظيم الملتحقين بصفوف التنظيم والمناصرين والموالين والمتعاطفين معه واطلاق الجهاد العالمي ضد امريكا.
واستنادا الي واقع الأمور نلاحظ أن وتيرة العمليات في البلدان العربية والتابعة لتنظيم القاعدة قد تدنت كثيرا، وهو ما يشير الي ان القاعدة قد قررت ارجاء المواجهة مع الأنظمة من أجل استغلال امثل لقوتها في ضرب الولايات المتحدة. فكان الوجود الأمريكي في العراق الهدف الأسهل والانجع والأقرب لكل عناصر التنظيم والتي بدأت تتوافد من جميع الأقطار الي العراق للتركيز علي ضرب الوجود الأمريكي فيه واحراز نصر واضح وصريح يكون مقدمة لاعادة احياء التنظيم بشكل قوي جدا واثبات صحة نظرياته تجاه امريكا والوضع العام في المنطقة.
واستنادا الي بعض التقارير والمصادر الباكستانية، فالقاعدة قد اعادت في العام 2005 هيكلة نفسها وكوادرها التي تتبع تنظيما هيكيليا علي اساس الاعداد لضربات كبري. ووفقا لهذه التقارير ذات الصلة بشؤون تنظيم القاعدة، فان التنظيم قد اعاد تشكيل بعض حلقاته القيادية السابقة من جديد، وذلك يتضمن اعادة انشاء لجنة دينية، ومجلس خاص بالقاعدة أو ما يطلق عليه مجلس شوري، ولجنة تنسيق خاصة.
أولأ: فيما يتعلق بالمجلس، يناقش هذا المجلس كافة القضايا والأمور ذات الاهتمام والعلاقة بتنظيم القاعدة ثم يقوم بتبني قرار وتمريره الي اللجنة الدينية.
ثانيا: فيما يتعلق باللجنة الدينية، تقوم هذه اللجنة في المرحلة اللاحقة باستلام القرار السابق ويعود لها الحق في المصادقة علي القرار المتخذ من قبل المجلس أو رفضه ورده.
ثالثا: فيما يتعلق باللجنة الخاصة، فتكون مهمتها التنسيق مع جميع الجماعات والمنظمات بما فيها جماعات في العراق وفلسطين كأنصار السنة وحماس والجهاد (بحسب المصدر الباكستاني). وقد أنجزت القاعدة العديد من الخطوات في هذه الاستراتيجية ومنها: الحصول علي العديد من القواعد والجيوب الآمنة، وتأمين ملاجئ آمنة للقيادات العليا في مناطق علي طول الحدود الباكستانية بما فيها خوست ـ شمال وزيرستان، جنوب وزيرستان، وفي منطقة كونار.
وتعد هذه المناطق من اهم المناطق القبلية في باكستان، كما انه لا سلطة للحكومة المركزية في اسلام اباد عليها. وقدرة المخابرات الباكستانية او الغربية علي التحرك فيها تعد ضيقة للغاية. والحصول علي معلومات من داخل هذه المناطق غير ممكن علي الاطلاق ولا يرشح منها الا القليل، فحتي الصحفيون المحليون لا يستطيعون نشر أي تحقيق او خبر دون موافقة السلطات القبلية الموالية لطالبان هناك، واما الصحفيون الاجانب فلا يخول لهم الدخول علي الاطلاق.
وقد اصبحت هذه الاماكن، قواعد مناسبة لتدريب الشبان عسكريا وايديولوجيا. لا ينقص تنظيم القاعدة شيء سوي تلقي اشارة البدء بهجوم كبير علي الولايات المتحدة أو دولة غيرها قد تكون اسرائيل.
والواقع ان اسامة بن لادن أصبح يمتلك تأثيرا كبيرا لا يحلم أي سياسي بالحصول عليه. فمجرد تسجيل عادي علي جهاز تسجيل قد يعود الي الاربعينيات من القرن الماضي وصوت رديء علي كاسيت مهترئ وليس تسجيل فيديو او تسجيلا رقميا، من شانه أن يشغل جميع اجهزة المخابرات العالمية فقط للتأكد من صحته ام لا؟ ومن شأنه ان يؤدي الي هزات في اسواق المال وارتفاع في اسعار النفط.
المهم في الشريط الاخير لبن لادن والأشرطة الاخيرة ايضا، هو ان المتابع لها يكشف زيف بوش وادارته بأن القاعدة تريد تدمير امريكا او طريقة عيش الامريكيين، فهم يعرضون الصلح ويطالبون بالمعاملة بالمثل. وفي المقابل نلاحظ أن بوش يعطي مصداقية لبن لادن واستراتيجية القاعدة عبر تأكيده الالتزام بدعم اسرائيل والبقاء في قلب الشرق الأوسط واستمرار السيطرة المطلقة علي آبار النفط.
علي أي حال، فانه يتوجب علي الجميع اعادة تقييم صورة القاعدة وأخذ تهديداتها علي محمل الجد والتعامل مع طروحاتها السياسية بشفافية عالية اذا ما أريد التوصل الي نهاية ووضع حد لما يسمي الارهاب و الحرب عليه، والا فاننا سندخل في دوامة ليس لها نهاية، وسيخسر الامريكيون كل شيء في النهاية، فكما قال الشريط السابح في البحر لا يخشي المطر.9