ظاهر الحال يشير الى ان تنظيم ‘القاعدة’ باشر نشاطا عسكريا في فلسطين المحتلة ومصر. صحيح ان لا بيان صدر عن مرجع ‘ قاعدي’ موثوق يؤكد وقوع عمليات مؤثرة ضد الكيان الصهيوني، لكن سلطات ‘اسرائيل’ الامنية كشفت مؤخرا عن اعتقال فلسطينيين بتهمة الانتماء الى ‘القاعدة’ والتخطيط لعمليات ‘ارهابية’، وبأن بعض التنظيمات المعادية لها يخفي ارتباطه بالتنظيم المذكور باسماء مموّهة.
السلطات المصرية لم تتهم ‘القاعدة’، بعد، بالتفجيرات المدوّية التي استهدفت مديرية أمن القاهرة ومراكز للشرطة في بعض احيائها، كما في مدن بني سويف والفيوم ودمياط والسويس، لكنها كرّست جماعة الاخوان المسلمين تنظيما ارهابيا بعدما حلّته رسميا. وكان مسؤولون امنيون في القاهرة وسيناء ابدوا شكوكا في احتمال ان تكون ‘جماعة انصار بيت المقدس’، الناشطة في مختلف مناطق البلاد، تنظيما مرتبطا بـِ’القاعدة’.
محدودية العمليات الارهابية وضآلة المعلومات والأدلة بشأنها تحولان دون الاحاطة بابعاد الانشطة الارهابية التي ينسبها بعض المسؤولين في ‘اسرائيل’ ومصر الى ‘القاعدة’، وعمّا اذا كانت ترمي الى مباشرة الجهاد ضد الكيان الصهيوني أم لتوريط ‘اسرائيل’ في حربٍ ضد حكومة لبنان وحزب الله، ولتوريط حكومة مصر في نزاع مع حركة ‘حماس’ المسيطرة في قطاع غزة.
صحيفة ‘يسرائيل هيوم’ (23/1/2014 ) كشفت ان الرقابة العسكرية الاسرائيلية سمحت يوم الاربعاء الماضي بنشر نبأ قيام جهاز الأمن العام (الشاباك) قبل عدة اسابيع باعتقال ثلاثة شبان فلسطينيين من القدس وجنين بشبهة الانتماء الى تنظيم ‘القاعدة’ والتخطيط لعمليات ‘ارهابية’ ولاختطاف جنود اسرائيليين. وجاء في لائحة الاتهام ان الشبان الثلاثة كانوا على صلة وثيقة بأحد المسؤولين عن ‘القاعدة’ في قطاع غزة، وكانوا يتلقون أوامر منه عن طريق شبكات الانترنت والتواصل الاجتماعي.
جهاز ‘الشاباك’ زعم ايضا ان احد الشبان الثلاثة، اياد ابو سارة، ‘اعترف’ بأنه خطط لاحضار خمسة من الرعايا الاجانب الى’ اسرائيل’ بهويات روسية مزورة للقيام بعمل ‘ارهابي’ مزدوج في ‘مباني الامة’ بالقدس والسفارة الامريكية في تل أبيب، وذلك بزرع عبوات ناسفة وسيارة مفخخة وانتحاريين؛ وان الثاني، روبين ابو نجمة، ‘اعترف’ بأنه خطط لاختطاف جندي اسرائيلي من محطة حافلات الباص المركزية في القدس وزرع عبوة ناسفة امام بيت لسكانٍ يهود في منطقة سكنه؛ وان الثالث، علاء غانم، من منطقة جنين ‘اعترف’ بأنه خطط لإقامة خلية ‘ارهابية’ بغية تنفيذ عمليات مسلحة ضد اهداف اسرائيلية. ولم يتأخر مصدر أمني اسرائيلي رفيع في الادعاء بأن قطاع غزة اصبح مرتعا لتنظيم ‘القاعدة’ وسائر جماعات الجهاد العالمي.
بذريعة هذا التشخيص الامني المقلق، قامت طائرة لسلاح الجو الاسرائيلي صباح الاربعاء الماضي بشن هجوم على سيارة في شمال قطاع غزة كان يستقلها احد الناشطين في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ما ادى الى استشهاده على الفور. الناطق بلسان الجيش الاسرائيلي زعم ان الشهيد كان ضالعا في عملية اطلاق صواريخ على ‘اسرائيل’ فور الانتهاء من مراسم تشييع رئيس الحكومة السابق ارييل شارون، وان الدافع الى تصفيته هو الحؤول دون الاستمرار في اطلاق صواريخ ضد اهداف اسرائيلية.
الى ذلك، شنّت طائرة اسرائيلية مطلعََ الاسبوع الماضي هجوما اخر على ناشط من حركة الجهاد الاسلامي ادى الى اصابته بجروح بالغة. الناطق بلسان الجيش زعم ان الهجوم جاء على خلفية ضلوع الشهيد في عملية اطلاق صواريخ على مدينة عسقلان.
المحلل العسكري لصحيفة ‘يديعوت احرونوت’ (23/1/2014 ) اكد ان هذين الهجومين ‘يعكسان عودة الجيش الاسرائيلي الى سياسة التصفيات الموضعية بحق ناشطين فلسطينيين ضالعين في عمليات ضد اهداف اسرائيلية، الامر الذي يشكّل تغييرا في رد فعل الجيش على اطلاق الصواريخ من القطاع الذي اتسم، حتى الان، بمهاجمة مواقع او بنى عسكرية تحتية تابعة للمنظمات الفلسطينية’.
ليس قطاع غزة وحده تحوّل، في نظر ‘اسرائيل’، مرتعا لتنظيم ‘القاعدة’، بل ان لبنان ايضا اصبح مثله بعدما وصلت اليه منظمات الجهاد العالمي التي تحمل ايديولوجيا ‘القاعدة’، وكان اخرها تنظيم ‘داعش’ الذي توّعد أميره ابو سيّاف الانصاري حزب الله والنصيريين والجيش اللبناني بعمليات مدمّرة. في هذا السياق، يزعم مسؤولون امنيون اسرائيليون ان النشاط المكثف للتنظيمات ‘الارهابية’ ادى الى اثارة التوتر من جديد بين لبنان و’اسرائيل’، ولاسيما جرّاء وقوع حادثتي اطلاق صواريخ كاتيوشا في آب /اغسطس، وايلول/سبتمبر العامَ الماضي، ومقتل جندي اسرائيلي في موقع راس الناقورة الحدودي منتصفَ الشهر الماضي على يد جندي لبناني. وفي تقدير المسؤولين الاسرائيليين ان هذا الجندي متأثر بايديولوجيا التنظيمات السلفية المتشددة، وان اتصالات مكثفة بين ‘اسرائيل’ والسلطات اللبنانية عبر القوات الدولية ‘يونيفيل’ ساعدت في تفادي تصعيد كبير على الحدود.
مع ذلك، يعتقد قادة المؤسسة العسكرية الاسرائيلية ان جهات في الجهاد العالمي مرتبطة بـِ’القاعدة’ تواصل محاولاتها، بواسطة تنظيمات ‘قاعدية’ في لبنان، لجرّ ‘اسرائيل’ الى حمأة الصراع في الداخل اللبناني.
في بيروت، يرى اعلاميون مقربون من حزب الله ان عمليات اطلاق الصواريخ من لبنان ضد ‘اسرائيل’ التي تقوم بها تنظيمات تكفيرية مرتبطـة بـ ‘القاعدة’ لا تهدف اساسا الى الاضرار بـِ’اسرائيل’ ولا معنية بمواجهتها بقدر ما هي معنية بجرّ الجانب الاسرائيلي للانخراط في حربها ضد حزب الله، عبر ردٍ يخدم هذه الجماعات في حربها ضده في الساحتين اللبنانية والسورية.
في مصر، اعلنت ‘جماعة انصار بيت المقدس’ مسؤوليتها عن تفجير مديرية أمن القاهرة ما ادى الى استشهاد نحو ستة اشخاص واصابة العشرات والحاق تخريب مريع بمتحف الفن الاسلامي. كما جرى استهداف مراكز للشرطة في بعض احياء العاصمة. غير ان ردود الفعل في صفوف ابناء الشعب الساخطين تجاوزت تبني ‘انصار بيت المقدس’ للعملية الارهابية، وثابرت على اتهام الاخوان المسلمين بارتكابها، كما بارتكاب تفجيرات مماثلة في مناطق اخرى.
الواقع ان السلطات العسكرية في مصر، كما في ‘اسرائيل’، تعرف ان ‘جماعة انصار بيت المقدس’ لم تبدأ نشاطها بتفجير مديرية أمن القاهرة، ذلك انها اطلقت صاروخين يوم الاثنين الماضي على مدينة ايلات الاسرائيلية من دون وقوع اصابات بشرية. وكانت ايلات تعرّضت خلال 2013 الى ثلاث عمليات اطلاق صواريخ من سيناء كان اخرها في اغسطس الماضي، وقد نُسبت في حينه الى جماعات اسلامية متطرفة.
لم يصدر عن القيادة العسكرية الاسرائيلية حتى الان ما يفيد بان العمليات التي تقوم بها ‘جماعة انصار بيت المقدس’ لها علاقة بالوضع المتوتر بين سلطات الاحتلال الاسرائيلي ومنظمات المقاومة في قطاع غزة، لكن محللين سياسيين مصريين لا يستبعدون ان تكون الغاية منها توريط مصر في نزاع مع حركة ‘حماس’ وتحميلها المسؤولية كونها السلطة الحاكمة في قطاع غزة.
يتحصّل من كل هذه التطورات ان صفحة جديدة من الصراع قد فتحها تنظيم ‘القاعدة’ في مصـر ولبـنان وفلسطين المحتلة، بالاضافة الى العراق وسوريا واليمن وليبيا، وان نشاط ‘الاسلام القاعدي’ بات يعمّ المنطقة كلها.
‘ كاتب لبناني