في فيلمه الروائي الطويل الأول «عائشة لم تعد قادرة على الطيران» (2025)، يغامر المخرج المصري مراد مصطفى بخوض منطقة مسكوت عنها في السينما المصرية: عالم المهاجرين السودانيين غير الشرعيين في القاهرة. لا يكتفي الفيلم برصد قصة شخصية، بل يفتح كوة على مجتمع موازي يعيش في الظل، تحكمه قوانين الخوف والابتزاز، وتسيّره شبكات الإجرام المنظم التي تخلط بين الإتجار بالبشر والمخدرات والجنس.
الفيلم، في جوهره، شهادة بصرية على حياة المهاجر حين يُسلب منه حقه في الوجود القانوني، فيتحول جسده نفسه إلى مادة للاستغلال، ومسرح للعنف والانتقام. فعائشة ليست مجرد شخصية سينمائية؛ هي صورة مركبة للمرأة السودانية المهاجرة بلا أوراق رسمية. غياب الشرعية القانونية جعلها –ومعها مجتمعها ـ عرضة لكل أشكال العنف: من العمل القسري في المنازل إلى الاستغلال الجنسي الصريح.
الفيلم يذهب بعيدًا في تصوير الجسد كموضوع للعذاب: التهابات جلدية، تقرّحات، قذارة لاصقة بالجلد والملابس. وفي مشهد صادم، تقوم عائشة بعضّ جروح الرجل العجوز الذي استغلها جنسيًا، وكأنها تحاول بالافتراس أن تستعيد سلطة مفقودة على جسدها. هذه المبالغة ليست عبثية، بل مقصودة، لإبراز كيف يتحول الجسد في المنفى غير الشرعي إلى ساحة عنف مستمر، وإلى استعارة للاغتراب نفسه.
عالم المهاجرين: الدستوبيا القاهرية
صوّر الفيلم القاهرة كمدينة غارقة في ليل لا ينقضي، خانقة بظلالها الثقيلة ومثقلة بعصابات المخدرات والدعارة والسرقة، حيث يخوض المهاجرون السودانيون صراعًا مريرًا مع عصابات مصرية وأفريقية على فتات النفوذ. ليست هذه المدينة نسخة واقعية من القاهرة اليومية، بل أقرب إلى دستوبيا بصرية تتشكل من أزقة مظلمة ضيقة وألوان ترابية باهتة تخنق العين، ومن وجوه منهكة لا يسطع فيها سوى بريق العرق والدموع. كل ملامح الحياة تبدو مطموسة، فلا أثر للفرح أو الأمل إلا في لحظات نادرة وعابرة. هكذا يغدو الفيلم كابوسًا ممتدًا، واقعًا مشوّهًا لا يعرف سوى القبح قاعدةً دائمة لا استثناءً مؤقتًا.
وسط هذا الطوفان من السواد، يترك المخرج نافذة صغيرة للأمل: مشهد تجمّع الفتيات السودانيات في منزل ضيق، يغنين ويرقصن وينسين للحظات قسوة حياتهنّ. هنا يظهر البعد الجمعي للهجرة، كملاذ وحيد لمداواة جراح الحرب الأهلية في السودان، والتي أجبرت آلاف الأسر على النزوح بعد الصراع الدموي بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع. المشهد أشبه باستراحة إنسانية قصيرة، قبل أن يعيد الفيلم جرّ الشخصيات –والمشاهد– إلى كابوس القمع اليومي.
كما يستدعي مصطفى مراد ذاكرة الحرب الأهلية السودانية عبر مشهد ذروة: معركة بين عصابة المخدرات المصرية المسيطرة على الحي وعصابة من الشباب الأفارقة المهاجرين. هذا التوازي بين صراع العصابات في القاهرة والحرب الطاحنة في الخرطوم ليس مصادفة، بل هو تذكير بأن المهاجر يحمل معه دائمًا أشباح وطنه: الحرب لا تتركه خلفها، بل تلاحقه إلى المنفى.
العرض والنقد
يمثل فيلم «عائشة لم تعد قادرة على الطيران» تجربة جريئة في مسار السينما المصرية والعربية المعاصرة، سواء من حيث الموضوع الذي يتناوله أو من حيث جمالياته البصرية والسردية. تكمن قوته في صدقه البصري الذي يحوّل القبح اليومي إلى لغة فنية قادرة على النفاذ إلى أعماق المشاهد، وفي أجوائه الكابوسية التي تُغرق المتلقي في عالم مغلق بلا مخرج، فضلًا عن الرمزية الجسدية التي تجعل من جسد عائشة نفسه نصًا مكتوبًا بالندوب والجراح. غير أن هذا التميز لا يحجب بعض الثغرات؛ إذ إن الإفراط في مشاهد القذارة قد يربك المتفرج ويحوّل التلقي إلى حالة من النفور بدلًا من التماهي، كما أن غياب التوازن بين السوداوية المطلقة وأي منفذ ضوء يثقل إيقاع السرد أحيانًا، بينما يفضي التركيز المستمر على القبح وحده إلى إفقاد الشخصيات بعضًا من أبعادها الإنسانية الأعمق. ومع ذلك، يبقى الفيلم شهادة سينمائية نادرة عن مأساة المهاجرين السودانيين في القاهرة، ليس مجرد حكاية عائشة الفردية، بل مرثية لجيل كامل من البشر الذين لم يعودوا قادرين على الطيران، لا في أوطانهم ولا في منافيهم.
وتتعمق لغة الفيلم الرمزية عبر حضور النعامة التي ترافق عائشة في أكثر من مشهد. هذا الكائن ليس مجرد تفصيل غرائبي، بل استعارة ثقيلة الدلالة؛ فالنعامة في المخيال الشعبي معروفة بدفن رأسها في الرمل اتقاءً لرؤية الخطر، وهو فعل يحاكي تمامًا حياة عائشة ومجتمعها من المهاجرين، الذين يغمضون أبصارهم عن واقع الاستغلال خوفًا من مواجهة نهايته المدمرة. وتبلغ هذه الرمزية ذروتها في المشهد المفصلي حين يقوم الطباخ ـ الرجل الوحيد الذي أحبته عائشة وسط حياتها الكابوسية في القاهرة ـ بذبح النعامة وتقطيعها. عندها تتداخل المحبة بالخيانة والعنف، ويُذبح رمز الصمت والانكسار على يد من كان يمثل الأمل. لحظة الذبح هذه تفتح كوة في مسار عائشة؛ إذ يأتي رد فعلها العنيف ـ التقيؤ والانتفاض ـ ليكسر دائرة الخضوع ويدفعها نحو الانتقام من العجوز الذي يستغلها جنسيًا، عبر تسليط رجال العصابة عليه. وهكذا تتحول النعامة من رمز للهروب إلى محرّك للتحوّل الدرامي، ومن استعارة للصمت إلى شرارة تعلن ولادة عائشة الجديدة: من الضحية إلى المتمرّدة.
تم تصوير الفيلم في قلب أحياء القاهرة الشعبية، حيث تحولت الكاميرا إلى عينٍ كاشفة لواقع العشوائيات الهامشية التي يقطنها المهاجرون السودانيون. الأزقة الضيقة الموحلة، والبيوت المتداعية التي بالكاد تصمد أمام الزمن، والفضاءات الخانقة التي تُحاصر الشخصيات من كل جانب؛ جميعها صاغت بيئة بصرية مشبعة بالاختناق، جعلت القاهرة نفسها ترتقي إلى مستوى شخصية إضافية في السرد. لم تكن المدينة مجرد خلفية محايدة، بل فضاءً عدائيًا يطحن المهاجرين ويضاعف عزلتهم.
أما على صعيد الصناعة، فقد جاء الفيلم بتوقيع المخرج والكاتب مراد مصطفى، الذي شاركه في الكتابة محمد عبد القادر وسوسن يوسف. تولّى مصطفى الكاشف إدارة التصوير السينمائي، معتمدًا ألوانًا ترابية وإضاءة منخفضة أسهمت في تكريس الجو الكابوسي الذي يسيطر على العمل. بينما قدّم محمد ممدوح في المونتاج إيقاعًا بطيئًا محسوبًا، جعل البطء نفسه أداة سردية تعكس ثقل الواقع الذي تعيشه الشخصيات.
في الأداء التمثيلي، برزت بوليانا سيمون في دور عائشة، في أول ظهور لها على الشاشة، حيث مزجت بين هشاشة الصمت وقوة الانفجار الداخلي. إلى جانبها، قدّم كل من زياد زا زا وممدوح صالح وعماد غنيم شخصيات متوترة تجسد صراع العصابات، فيما أضافت مايا محمد ومحمد عبد الهادي أدوارًا ثانوية منحت اللوحة الجماعية مزيدًا من الاكتمال.
الفيلم من الفكرة إلى النضوج
منذ لحظة ولادته الأولى، مرّ مشروع «عائشة لم تعد قادرة على الطيران» بمسار طويل من التطوير والتنضيج، ليصبح واحداً من المشاريع العربية الطموحة في السنوات الأخيرة. تعود الفكرة إلى لقاء عابر جمع المخرج مراد مصطفى بعامل مهاجر أفريقي في القاهرة، لتتحول تلك اللحظة إلى بذرة حكاية عن الاغتراب والاستغلال والبحث عن كرامة ضائعة. سرعان ما لفت المشروع الأنظار، فحصل في تشرين الأول/أكتوبر 2021 على منحة إنتاجية أولية بقيمة ثمانية آلاف دولار خلال فعالية سينيجونا في مهرجان الجونة السينمائي. ومنذ ذلك الحين، أخذ المشروع في التدرج من منحة إلى أخرى، ومن حاضنة إلى أخرى، مكتسبًا طبقات جديدة من الدعم الفني والمالي؛ ففي كانون الأول/ديسمبر 2022 فاز بجائزة Lodge Award وحصل على مئة الف دولار في سوق البحر الأحمر، ثم جاءت منح مؤسسة الدوحة للأفلام في ايار/مايو 2023، تلتها مشاركة مصطفى في برنامج Next Step بمهرجان كان في كانون الأول/ديسمبر من العام نفسه.
هذا التراكم من المنح والبرامج الدولية لم يكن مجرد مسار تمويلي، بل شكل عملية تدريجية من صقل الفكرة وتعميق الرؤية البصرية والدرامية. صحيح أن بعض النقاد، مثل ألان هنتر في سكرين إنترناشيونال، رأوا أن الفيلم لم ينجح تمامًا في التقاط القصة الكاملة لعائشة، لكنه مع ذلك أُشيد به كدراما إنسانية مؤثرة تضع معاناة الأفراد المهمشين في مواجهة عالم لا يعرف سوى الاستغلال. بهذه الرحلة الطويلة من التطوير، تجسد عائشة لم تعد قادرة على الطيران ليس فقط كحكاية عن مأساة المهاجرين، بل كمسار إبداعي شاركت في صياغته مهرجانات ومؤسسات عربية وعالمية، مانحًا الفيلم قوة مضاعفة على مستوى التجربة والدلالة.
بهذه الطبقات، الجسد، الدستوبيا، الحرب، استغلال المهاجرين غير الشرعيين، يصبح فيلم «عائشة لم تعد قادرة على الطيران» أكثر من دراما اجتماعية؛ إنه كابوس رمزي عن مهاجرين عالقين بين حرب أهليّة في وطنهم واستغلال مافيوي في منفاهم. الفيلم ليس مجرد رواية عن القبح، بل عن الإنسان حين يُسلب حتى حقه في أن يحلم.