القاهرة تستعيد مارسيل خليفة وتتذكر درويش والشيخ امام

حجم الخط
0

القاهرة تستعيد مارسيل خليفة وتتذكر درويش والشيخ امام

حفلتان علي مسرح دار الأوبرا:القاهرة تستعيد مارسيل خليفة وتتذكر درويش والشيخ امامالقاهرة ـ القدس العربي ـ من محمود قرني: لم استمع ابدا الي الفنان اللبناني مارسيل خليفة عبر قاعة مغلقة او مسرح او ما يشبه ذلك من اشكال اللقاء المباشر، وظلت علاقتي بخليفة علاقة مستمع يزعم انه يجيد الانصات لفنان نادر يعد ـ بكل المقاييس ـ امتدادا وتعميقا لمعني الالتزام ويؤكد علي احدي اهم تجليات وخلفية الفن، هذه التي ظلت ولا زالت مدعاة للالتباس بين عديد من التصورات والفلسفات.ولا استطيع ان اخفي شيئا من الشفقة والحزن البليغين اصاباني في السنوات القليلة الماضية حيال فن مارسيل خليفة وأقرانه في مواجهة شرسة وغير متكافئة مع الصورة الفظة الممولة بالملايين المشبوهة لمطربين ومطربات ينتهون ـ عادة ـ الي مدمنين وإلي ما هو أسوأ من ذلك. فمع التفكك الذي اصاب المجتمعات بهدف عولمة المعرفة والثقافة، طفت علي السطح نزعات غير محدودة للتقليد واعادة انتاج الصورة بمفهومها العربي، ووصلت درجات الابهار الي حد حلت فيه الصورة محل الاصل بل تقدمته وشيئا فشيئا تراجعت قيمة الكلمة المغناة وكذلك الجملة الموسيقية باعتبار انهما ليستا الاداة الوحيدة للفن الجديد او علي الاقل ليستا من بين عناصره الاساسية وتحت إلحاح الرغبة في تجاوز شرقية الجملة اللحنية واعتمادها علي الايقاع المنقسم انتقلت الايقاعية برمتها الي ايقاع الجاز والروك والي النوتة الموسيقية الغربية تقليدا وسرقة ومحاكاة دون النظر في اهمية الوعي بمراحل تطور ونضوج العمل الفني وباتت الملامح الاساسية للنشيد او الانشاد الشرقي المعتمد علي الغنائية شيئا ممجوجا، ولم يعد مستغربا ان تخرج من سباق المنافسات اصوات شرقية موهوبة مشكلتها انها اصوات جميلة بالمعيار الراسخ لمعني الجمال في الفن وفي المقابل صعدت الاصوات التي لا تعتمد علي المحسنات الطربية الشرقية سواء كان ذلك في القرار والجواب والغرب والانتقال بين المقامات، كذلك تخلت الكلمة المغناة عن دورها وعادت الي رومانسية متهتكة لا تمتلك وعيا تحديثيا يناسب الخطاب الموسيقي الذي يدعي الطليعية والتلاقح ووقعت الجملة اللحنية في الركاكة والاطناب والتكرار والسطو والتناسخ، وان كان كل ذلك يعكس الرغبة الجامحة في تجديد موسيقانا وفي حاجاتنا الحقيقية الي ذلك الا ان الاغلبية الكاسحة ضلت الطريق الي الكسب والشهرة، في مقابل الانعدام شبه المطلق للوعي بالعمل الفني ودوره ووظيفته وهي وظيفة يمكن القبول بتخليها عن ادوارها شبه القومية او الملتزمة علي نحو ادق لكن ثمة بدائل يمكن طرحها حتي لا يتحول الفن من مادة قابلة للتشكل والخلق الي مادة قابلة للسرقة والاستنساخ وفي احسن الاحوال مادة تعبر الان عن عوالم مزيفة ينتفي وجودها في الواقع.وليس ثمة تفسير واضح، في غياب أية شفافية عربية عن الاسباب الكامنة وراء تفاقم الاقبال علي هذا النوع من الغناء ورواج اسواقه حسبما تبث اجهزة الدعاية والاعلانات الباذخة التي عادة ما تتصدرها فتيات خارقات الجمال.في المقابل ليس لدينا تفسير للرواج المذهل لاصوات دخلت الي المدونة الكلاسيكية العربية وباتت ركنا من أركانها مثل عبدالحليم حافظ وأم كلثوم وعبدالوهاب وفيروز ووديع الصافي وصباح فخري وسعدون جابر وغير هؤلاء كثيرين وليس جديدا التذكير بأن الفنان محمد رشدي قبل رحيله بعام واحد أعاد توزيع وانتاج عدة اغنيات قديمة له فظلت لعامين متصلين هي الاكثر مبيعا في سوق الاستماع في مصر.هذه الاسئلة وغيرها تدور في اذهاننا عادة ونحن نعلن انحيازنا السافر لمن نحب، ولأنني احببت ولا زلت صوت مارسيل خليفة فقد تراوحت مشاعري عندما وصلتني دعوة مؤسسة المورد الثقافي لحفلتين سوف يحييهما خليفة بدار الاوبرا المصرية، تذكرت ريتا و أحمد العربي ، ابريق القهوة العربي، الأندلس، البساط السحري، وحلم ليلة صيف، والكثير من هذه القصائد الفاتنة التي وقع عليها اختيار مارسيل والتي تعكس وعيه بالقضية التي يتبناها واتذكر كم كنا في الجامعة نتعامل بقداسة مفرطة مع اعمال خليفة ومن جاوره من الفنانين العرب الذين اخترقوا المسافة بين نعومة وترفيه الغناء العربي الي مناطق اكثر خشونة واجتراحا لا تؤمن بأن الاغلبية مخدة للعشق ولا تسرية بديلة لحواديت الجدات، فعلها الشيخ امام عيسي مع اشعار المارق احمد فؤاد نجم وصنعا معا ثنائيا لا اظن ان التاريخ قادر علي تجاوزه، كذلك فعلها مارسيل خليفة الذي اصطحبت ريشته اكثر القصائد بذخا وحضورا لدي محمود درويش وغيره فكان لمعني الالتزام طعم اخر.ضرب لنا خليفة الكثير من الامثلة في اعتماده اولا علي نصوص شعرية طليعية وفي جرأته علي وضع الحان لأول مرة تتجاسر علي تفكيك الاسعار الشعرية الطويلة غير الخاضعة للنسق الخليلي الموزون المقفي في دقة لا تنقص ولا تزيد كذلك كشف لنا خليفة عن قدرة الموسيقي علي الاكتشاف فحلق في فضاءات اكثر شعبية، يأخذ من غناء البسطاء ومن مواويلهم ومن عديدهم ومسراتهم، ومن هنا اتسعت رقعة الوعي بهذا الدور النهضوي التنويري الذي جعل كثيرين يستعيدون الدور الذي لعبه الشاعر العبقري بديع خيري الي جوار قرينه الفذ الراحل سيد درويش، فلم يمنع الدور الوظيفي الملتزم لغناء سيد درويش ومقطعات بديع خيري ان يظل الشيخ سيد حتي الان بين اهم الطليعيين الذين جددوا شباب الموسيقي العربية بل لازال وهو في مرقده منذ اكثر من نصف قرن، اكثر تقدما من كثيرين أتوا بعده.ان من ينظرون الي اغنية مرسيل خليفة علي انها تجاوزت الدور المرسوم لها وأن ما يحدث في الواقع يشي بتجاوزها يقف امام وهم كبير، وأظن ان كثيرين ممن تؤلمهم وتوجع مؤخراتهم فكرة الخصوصية سيوجعهم دائما وأبدا غناء مارسيل خليفة، ليس لأنه احد ملامح المقاومة بمعناها الانساني الواسع فحسب ولكن لأنه رمز مؤرق لهؤلاء الذين يرون في فعل التبعية عملا حضاريا يبدو وكأنه الطريق الوحيد للقبول بالاخر، غير ان القضية في جوهرها ابعد عن هذا الوعي القاصر، الذي ينطلق من انسحاق مطلق وغير مشروط امام قوة وحضور هذا الاخر.فثمة اشكالية مركبة تواجه الفن علي نحو خاص، هذه الاشكالية تتعلق بفرضيتين تبدوان شديدتا التناقض الاولي ترتبط بالقوة التعبيرية للفن عن خصوصية جماعة بشرية بعينها ذات تقاليد لا تتماأاهي ـ في الاغلب ـ سوي مع ذاتها والثانية ترتبط بحتمية تطور هذه القوة التعبيرية عبر عناصر من داخلها وعبر العنصر الخارجي المرتبط بضرورة التلاقح مع العنصر الخارجي من خلال تجليات الوعي بالاخر، وأظن ان كل فن حقيقي يدرك مغزي دوره الانساني يقوم بفعل التلقيح الذاتي من تلقاء نفسه.ويبدو ان ما فعله مارسيل خليفة علي هذا الدرب يأتي متساوقا مع ادوار كبري لفنانين كبار من هذا الطراز لذلك سوف تعيش موسيقي مارسيل خليفة لانها نحت متصل في معبد كبير هو الموسيقي العربية.ان عودة مارسيل الي القاهرة فهي ـ بالنسبة لي ولجيلي ـ عودة روحية الي ماضي عشناه سخيا في بداية الثمانينيات داخل أسوار الجامعة وداخل انفاق العمل السياسي السري، وداخل الجماعات الشعرية التي التفت علي واقعها المر الطارد دائما لكل موهبة.استعادة مارسيل خليفة هي استعادة للفن الراقي، استعادة للانسان الذي منح نفسه الحق في الدفاع عما يملك بأرقي وأنبل الاسلحة انه عود مارسيل خليفة الباقي، وحنجرته المجرحة بالجوعي والمشردين والشهداء علي امتداد وطننا المهان.2

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية