القاهرة علي الجانب الآخر
صفاء عبد المنعمالقاهرة علي الجانب الآخرمن هناك ستخرج امرأته!تكون قد نسيت أنها ـ أنثي ـ مثل باقي النساء، ستخرج ذات صباح.تخرج قلبها، وتغسله، وتنشره في الشمس، كي يجف.ستخرج محملة بالغياب والطفولة والوحدة، وتؤسس لموتها.كانت المدينة مزدحمة تحتفل بمرور مئة عام علي ـ الثورة ـ.او كما كانوا يسمونها في كتب التاريخ ـ الثورة البيضاء ـ.هذه المرأة البالغة من العمر مثل ثورتهم، ومحملة بأعوام وأعوام، ضعفت ذاكرتها.لو عاشت يوما آخر سوف تؤسس لزمن آخر، وحياة اخري.هذه المرأة، كانت تسكن بيتا اسمته القلب، وعاشت عمرا اسمته الرحلة، وداعبت مشاعر مغامريها بفظاظة اسمتها الحب.كانت كسولة لأقصي درجات الكسل.وحالمة لأقصي درجات الحلم.شغوفة بالمعرفة عبر صمت وصبر ومثابرة.تحملت وحدتها بكبر وتماسك، أثارت بهما حفيظة الآخرين.أيام ضعفها، كانت تغلق الباب عليها، وحيدة تبكي مثل طفل يتيم، تتكور علي نفسها نازفة كل مدامعها.ثم تخرج ممشوقة مثل قط وديع.أحرزت انتصارات، كانت تراها جدا قليلة، مقابل ما تنزفه من آلام.تلك المرأة الجالسة الآن، بعد منتصف الليل، وعلي بعد خطوات من خروجها سوف تؤسس لموتها محتملة حماقات الكبر والعزوف والحيطة والعنت.ستعود اكثر انسانية.ليتني ما رأيتها.تلك البوابة القديمة والاطفال يدفعونني دفعا.والنبي حاجة لله ياست.بهت، وارتجفت كيف سرت كل هذه المسافة الطويلة علي قدمي المتعبتين؟وكيف وقفت طويلا اتطلع الي تلك الوجوه بهذا الشكل القبيح؟الألعاب النارية تملأ السماء احتفالا وبهجة.والاطفال الواقفون يمدون أيديهم، وينظرون تجاهي بعينين عاطفيتين.والنبي حاجة لله ياست.أسير بخطي متثاقلة، خارجة.عادت الأضواء تطاردني من جديد، عند خروجي من الشارع الجانبي، وعبوري الميدان الفسيح.الأضواء علي الجانبين تتألق.وتتلألأ الواجهات عارضة الألوان المبهجة.الميدان يفتح ذراعيه، ويستقبلني بهوائه المشبع برائحة العفن وعادم السيارات.وقفت مشدوهة للحظة.هنا كان يوجد مخبأ قديم، كنا نتواري داخله ونحن صغار أيام الغارات والحروب السابقة.ما زالت كلمات قديمة عالقة بذهني ـ هنحارب ـأقرأها ببطء وتراخٍ.لِمَ يأتي الماضي دفعة واحدة،ويدفعني دفعا مفاجئاً، تجاه كل ما هو قديم؟في الذاكرة..الحجرات الداخلية تفتح، الأضواء تتلألأ، الحرائق تشب داخلي.أي حرب أريد أن أخوضها؟وأي معارك ما زالت بداخلي؟عيناي تلتهمان الوجوه والشارع والمارة.أشعر بدوار مفاجئ.اتجه الي اقرب مقهي، أطلب شايا، ثم أقوم واقفة، أسرع في خطاي علي ألحق بآخر قطار.من أسلمني للشرطي الواقف في الميدان؟علي مبعدة من خطواتي المضطربة، كان يجرب أرضا يعرفها، ولم تطأها قدماه؟من قال:ان بداخلي هوساً للموت؟أنا الوحيدة هنا أعاني من ضعف الذاكرة، وأوجاع الرأس، وغبش الضوء، والألعاب النارية.الأضواء الشديدة ترعبني، انها ملء جفوني،وأنا متعبة للغاية.وبداخلي مآسٍ كثيرة.دائما هناك حلم بمدينة أولي.أحن اليها.وأظل أحلم.وأحلم.ولا أعود.وحب أشم رائحته في أنفي كلما شعرت بالألم.أحن للبراءة والطهر.لأول قبلة في المراهقة.أقف في الشرفة ليلا أنتظر عودته ولا يأتي.أعوام تجر أعواما.وأيام وراءها أيام.وينطفئ كل شيء.وأظل هكذا واقفة علي حافة الحلم، وحافة العمر، وأقترب شيئا فشيئا من الماضي.كله مجرد حنين وعبث.بدأ النهب للأم، عندما تركت حياتها هكذا تسقط علي دفعات.متناسية انها في يوم ما كانت ـ أنثي ـ امرأة، تنعم بدفء خاص، وتتواصل مع الاياميتركونها منفردة في حجرة بعيدة في آخر البيت.تشعل سجائرها، وتشرب قهوتها، وتشم عبق الماضي، وتستنشق هواء الحجرة البارد.وتظل ليالي طويلة نائمة مفتوحة العينين،في جحوظ مرعب، مهوشة الشعر.في يوم رأتها ابنتها هكذا.صرخت في رعب.ـ ماما عينيكي خارجين كدا ليه؟ـ لم تنتبه، ولم تندهش لكثرة ما بحلقت في السقف، والجدران والأثاث.ـ وتقف عند حافة النافذة، تتأمله في سكون.ـ فيتفاقم بداخلها شعور بالارتياح والسلام الذي تنشده النفس.ـ لقد تحقق الجمال الآن، بوضوح الرؤية.ـ فثمة أعشاب تنمو.ـ وثمة بقعة بيضاء امام عينيها.ـ وثمة صمت موحش.ـ خائفة!ـ أن تكون أذنت لنفسها بالتراخي.ـ والحلم الدائم بالغناء.ـ ولكن الصوت يختنق بداخلها.ـ فتجذف بمجذافيها العجوزين.ـ وتشع من عينيها ألفة غريبة.ـ فلم يعد من الضروري الآن أن يراها أحد.ـ هكذا، تقف علي الجانب الآخر.ـ وتبتسم.ـ تجذف بمجذافيها.ـ لا شيء يحدث.ـ كأن الحياة استقرت، وتحرر العبيد، وانتهي عصر الجواري، وخلصت الحروب، والملكة تربعت علي عرش امارتها.ـ الليل دائرة كبيرة من الفحم.ـ ولكن بغلاف من السليفان، تحاول ان تجعل الحياة اكثر بهجة وتجملها.ـ ربما يكون هناك لون آخر.ـ يثير الدهشة.ـ فتعود وتنتشي.ـ وتبحث عن ألفة تخصها، أو أغنية تغنيها.نيسان (أبريل) 2002قاصة من مصر0