صدر للشاعر والناقد المغربي عبد اللطيف الوراري كتابٌ رحليٌّ تحت عنوان «القاهرة من أبواب متفرقة» عن دار التوحيدي في الرباط؛ وهو يقع في مئة وأربع وثلاثين صفحة، بما فيه ملحق الصور التي تعكس بعض مشاهد الرحلة القاهرية واللقاءات التي تمّت عبرها.
إننا بصدد رحلة إلى حاضرة تاريخية مثل القاهرة، لنعرف التحدي الذي ينبغي على صاحب الرحلة أن يرفعه ليعيش أجواء الحاضرة وينخرط في مزاجها العام. لقد استطاع الكاتب عبر كتابة مقطعية تمزج بين الوصفي والشعري، أن يرصد لنا أهم الأحداث والمشاهد والآثار التي عايشها خلال رحلته إلى القاهرة، في سبتمبر/أيلول 2016، وأن يحكيها لنا بتأثر وبلاغة خاصين.
يقول عبد اللطيف الوراري: «بالنسبة إلى واحدٍ مثلي مسكونٍ بروح الشّرْق، رحلة العهد الذي طال حتى أورق». وزاد في الاستهلال الذي صدّر به كتاب الرحلة: «هذه انطباعات عن القاهرة وروح أبنائها العظيمة، جمعتُها من أبواب متفرّقة: من ممشى، ومفترق طرق، وحلم، وشبح، وصدى ذكريات، ولمعة كلام وانهيارات ظلّ».
ذهب الوراري إلى القاهرة، تسكنه روح الشرق وتشغله أسئلة الشعر والمثقفين وحكايات الناس «الغلابة»، كما تسكنه روائح القاهرة القديمة بكل طبقات تاريخها: هذا فاطمي، وهذا مملوكي، وهذا عثماني، أو خديوي، حتى نصل معه إلى الأهرامات الموغلة في التاريخ حيث الزمن ـ كما جاء في وصف الرحلة – يكفّ عن سيلان الزمن. ولكن ذهب كذلك مشدوهاً بأصوات ثورة يناير/كانون الثاني التي لم تكتمل، ووجدناه في ميدان التحرير كيف يستعيد الذكريات بصمت وحيرة وخشوع. إنها رحلة مثقف مغربي لا يصف أمكنة القاهرة وحسب، بل يؤرخ ذاكرتها المعاصرة ويتحسس جرحها الذي نكأته تواريخ الإخفاق منذ عصر النهضة.
يكتب أسامة جاد، وهو شاعر وكاتب مصري، على غلاف الكتاب: «في أداء يحمل من البساطة ما يحمله من العمق، وعلى خطى ابن بطوطة، أعادني الكاتب إلى لحظات من الدهشة والجمال في قلب القاهرة. هنا يتوالد السرد في انسيابية مرهفة، بينما تنتقل المشاهد في تكنيك تصويري أقرب إلى القطع المشهدي في السينما، مع اهتمام مرهف بزاوية الكادر وحجمه». ويتابع أسامة الذي عاش بعض أطوار هذه الرحلة، بقوله: «هنا تقرأ القاهرة بعيون عبد اللطيف، وأنت تقطع أحقابا زمنية متجاورة، وهنا ترى المكان الذي طالما ارتدته طازجا، كأنما ولد للتو: زهرة البستان، والأتيليه، ومقهى ريش، وشوارع وسط البلد. هنا تتحاور رؤية الشاعر، وعين السائح، واهتمام المثقف بالتوثيق والتاريخانية، لتضاف رحلة الوراري إلى القاهرة (في سبعة أيام) إلى تراث أجداده المغاربة العظام، أصحاب الرحلات المشرقية الكبرى».
وتبقى لرحلة الوراري إلى القاهرة خصوصية لا تخلو من زخم ثقافي وسياسي، لأنها جاءت بعد ثورة ميدان التحرير المشهودة في مصر عام 2011، ولهذا فهو يهديها: «إلى شهداء 25 يناير وشهودها الباقين».