القدرات الإعلامية ودورها الإيجابي اثناء الحروب

حجم الخط
0

محمود محمد الناكوع

لا شك ان حروب اليوم غير حروب الأمس من عدة وجوه، فحروب القرن الواحد والعشرين تختلف اختلافا جوهريا عن حروب القرن التاسع عشر، كما عن حروب القرن العشرين. حروب اليوم هي حروب سريعة وخاطفة في اغلب الأحيان، اي انها تستغرق بضعة ايام، او بضعة اسابيع، وان تجاوزت ذلك فانها تعتبر من الحروب الخاسرة حتي وان انتهت بالنصر لاحدي القوي المشاركة فيها. حروب هذا القرن (الواحد والعشرون) الميلادي تعتمد علي تطور الاختراعات الحربية، وهي تطورات مذهـــــلة ومنها: الصواريخ، القنابل الذكية، والأجدر ان تــــسمي القنابل المدمرة والوحشية، الطيران الحـــربي، طيران التجسس الذي يصور كل شيء علي الأرض، البوارج الحربية، الذخائر الفتاكة، الدبابات بانواعها المختلفة، ثم الاسلحة الجرثومية والنووية. هذه الأسلحة الحديثة والمتطورة الرهيبة عندما تنزل الي ميدان المعارك تقتل وتحرق وتدمر كل هدف خلال اوقات قصيرة… وفي اثناء عمليات الدمار والخراب تنزل الي الميـــــدان ايضا القدرات الإعــــلامية بشرا وتقنية، فتنـــــقل الي كل العـــالم بالصورة والصوت والكلمات المكتوبة، آثار وأعمال الآلة العسكرية ومن يستخدمها، وتكشف تلك الوسائل الاعلامية الحديثة جرائم الحرب وجرائم صناع قرار تلك الحرب.

وبعد ساعات فقط من تناقل صور الأطفال والنساء والرجال والحيوانات والأشجار والمباني التي طالتها النيران ومزقتها اربا اربا تتفاعل الشعوب، وخاصة في البلدان الديمقراطية، وتبدأ حركة الاحتجاجات: مسيرات، مقالات، برقيات، رسائل، جمع توقيعات، وجميعها تضغط من اجل وقف الحرب، وكلما طالت الحرب، وزادت الخسائر، كلما زادت الاحتجاجات علي حكومات منتخبة من الشعب.

هنا تبرز اهمية رسالة الإعلام وخاصة الفضائيات. ان تطور التقنية الاعلامية قد ساهم وما يزال في تقصير زمن الحروب، وهو انجاز عظيم، وكلما صاحب تلك التقنية العنصر الأخلاقي الانساني كلما ارتفعت قيمتها وايجابيتها. في الحروب الكبيرة خلال القرن العشرين قتل عشرات الملايين دون ان يري الناس ماذا حدث، وكيف حدث لتلك الملايين، لأن القدرات الاعلامية كانت محدودة التأثير بسسب ضعفها الفني، وبسسب قلة انتشارها. في مجلة التاريخ الشهرية التي تصدر عن (بي بي سي) عدد شهر حزيران (يونيو) لهذا العام 2006، نقرأ بحثا طويلا بعنوان (قرن العنف، القرن العشرون) وفيه ارقام رهيبة عن ضحايا العنف وخاصة الحروب، ففي الحرب العالمية الثانية قتل تسعون مليون انسان في ثمانية وخمسين بلدا، وفي الحرب العالمية الاولي قتل نحو عشرة ملايين انسان. كما قتل ملايين آخرون بسبب الحروب الأهلية والأقليمية في مناطق كثيرة من العالم…. لكن كل تلك الخسائر والمآسي لم يكن بالامكان رصدها ومتابعتها ونقلها الي الشعوب كما هو الحال اليوم.

اذن بالأمس كان يمكن تغطية كوارث تلك الحرب لأن العيون لا تراها، اما الآن في القرن الواحد والعشرين فانه من المستحيل ان تحجب كل المعلومات وان حجبت بعض المعلومات، ومهما حاولت اطراف الصراع ان تخفي الحقيقة، او ان تنقص منها، فانها ستظل عاجزة عن اخفاء كل الحقيقة. فالتنافس في سوق الاعلام اصبح من مميزات هذا العصر، وصارت المخاطرة والمغامرة الاعلامية من البطولات التي يفاخر بها رجال ونساء المهن الاعلامية من مصورين ومذيعين ومراسلين وصحافيين، وهم جميعا يستحقون كل التقدير والاعجاب لأنهم يساهمون في تعرية وفضح جرائم الحرب، وجرائم صناع قرار الحرب، وفضح جرائم كل من يصمت عن تلك الحرب ويرضي باستمرارها، ومنهم الحكام العرب. وهنا اريد ان اشيد بصورة خاصة بالصحافي البريطاني روبرت فسك الذي تنشر تقاريره المليئة بالمعلومات والتعليقات الرصينة علي صفحات الاندبندنت البريطانية. ان هذا الصحافي ظل دائما مهتما ومتعاطفا مع القضايا العادلة ومنها قضية فلسطين، وظل دائما يكتب من الميدان، وليس من المكاتب كما يفعل جل الصحافيين العرب العاملين في الصحافة المكتوبة بالذات، معتمدين علي وكالات الأنباء وشبكة الانترنت. ان الآلة الاعلامية الحديثة، والخبرة والمهنية في التعامل مع الحدث بالصورة والصوت اصبحت تؤثر تأثيرا كبيرا في توجيه الرأي العام، واصبحت القدرات الاعلامية والسياسات الاعلامية قادرة علي اسقــــاط حكومات، وتغــــيير استراتيجيات حكومات اخري بكشفها عن اخطــــاء تلك الحكومات وتلك الاستراتيجيات. هذا التطور الاعلامي صار تأثيره واضحا، ومع انتشار أداة الانتــــرنت والهاتف المتنقل (الموبايل) ومعه جهازه التصويري والبرقي، دخلت القدرات الاعلامية طورا جديدا اكثر تقدما وسرعة في التواصل بين الناس في كل انحاء العالم. مع كل ذلك يبدو ان حكام العرب ـ وبعضهم جهلة واميون حرفيا وثقافيا ـ لا يدركون ماذا يجري حولهم، وغياب الادراك يجعلهم دائما عاجزين عن تقدير الموقف الصحيح، وقد ظهر ذلك واضحا عندما استعجلوا واطلقوا تصريحات مثبطة للهمم عندما بدأ الاحتكاك بين المقاومة الفلسطينية ثم اللبنانية مع جيش اسرائيل. جيل الحكام العرب ينتمي الي عصر ما قبل هذه التطورات العلمية في مجالاتها المختلفة، وهم سبب شد الشعوب الي الخلف، وهم من يتحمل مسؤولية كل الهزائم والفشل ليس في ميادين الحروب بل جميع ميادين الحياة. بالتأكيد ان ثورة الاتصالات والمعلومات التي اصبحت تخترق جدران قصور الاستبداد، وتصل آثارها الي ملايين المواطنين وخاصة الأجيال الجديدة، ستحدث تغييرات هائلة في خلق وعي جديد، ويظل الصراع الحقيقي هو صراع الأفكار والقيم الانسانية العادلة، والفائز فيه ـ عبر الوسائل الحديثة ومنها الاعلام ـ هو الفائز في عدة ميادين اخري، فنوع الوعي ونوع الفكر الذي يسود في امة من الامم بابعاد ايجابية وشاملة هو الذي يصنع التحول الأساس نحو النهضة. والحروب عادة تحدث تغييرات كبيرة في المجتمعات التي تمـــــر بها، وبقدر ما فيها من آلام، بقدر ما تكون حافزا للأحياء للاستعداد لدورة جديدة من التحدي والعمل والبناء. وتبقي الحروب حالة استثنـــائية مكروهة، وتبقي القدرات الاعلامية من اهم القوي المؤهلة لتقصير مدة الحرب، والتقليل من آثارها المدمرة، وتبقي كذلك قادرة علي ملاحقة المسؤولين عن قرارات الحرب وما ادت اليه تلك القرارات من كوارث انسانية. كاتب من ليبيا8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية