القدرية في حياتنا اليومية

حجم الخط
0

جواد البشيتي

كم دَهَشَت الناس وحيَّرتهم ظاهرة “تعارض النتائج مع التوقعات”، فسعيهم، أكانوا أفرادا أم جماعات، من أجل تحقيق شيء ما، أو هدف ما، كان ينتهي في معظم الأحيان بنتائج فعلية تذهب بالتوقعات، أو بنتائج لم يتوقعونها قط، وكأن ثمة يد خفية تعمل دائما في اتجاه معاكس أو مضاد لمساعيهم وخططهم وأهدافهم. لقد وجد الناس، وحتي رجال الفكر منهم، مشقة ذهنية كبري في تفسير هذه الظاهرة المحيرة والمثيرة للقلق والاضطراب في النفوس، فاعتقدوا بـ “القضاء والقدر” وبما يشبه هذا المفهوم في معناه كمثل “الحظ” و”البخت”. وكان ممكنا أن يُنْظَر إلي الأمر نظرة مختلفة ومغايرة، فالإنسان لا يمكنه في أثناء قيامه بعمل ما توصلا إلي هدف ما إلا أن يتفاعل ويتبادل التأثير مع غيره من البشر، فلا يحدث، بالتالي، إلا نادرا، أن يتمخض عمله عن النتيجة التي يريد. إن تفاعل وتضارب مساعي البشر، أكانوا أفرادا أم جماعات، يؤديان، حتما، إلي نتائج فعلية مخالفة ومضادة للتوقعات والخطط.

وفي هذه الطريقة فحسب يُصنع “التاريخ”، الذي طالما جرت رياحه بما لا تشتهي سفن البشر والدول والأحزاب، والذي بسبب خاصيته الجوهرية تلك استغلق علي البشر فهم الطريقة التي فيها يَصْنَع أحداثه، فمالت الغالبية العظمي من علماء الاجتماع والتاريخ ومن الفلاسفة إلي إخراج “التاريخ” من عائلة “العلوم المضبوطة” كمثل علم الفيزياء.

يد القدر في صنع الأحداث في حياتنا اليومية تحولت مع مرور الوقت وتراكم التجارب الإنسانية من تفسير افتراضي لظاهرة “تعارض النتائج مع المساعي” إلي عقيدة تعتقد بها غالبية الناس، وخصوصا أولئك الذين لا يملكون إلا قدرا ضئيلا من السيطرة علي أحوالهم الحياتية كمثل المزارعين والبحارة والصناع الذين ينتجون البضائع من أجل بيعها في سوق يجهلون ما تتعرض له من قوي تأثير. ومع ترسخ هذا الاعتقاد في عقول ونفوس البشر تضاءلت حتي تلاشت تقريبا ثقتهم بقوة وقدرة الإرادة الإنسانية، وأخذوا يتساءلون عما إذا كان الإنسان يملك فعلا “حرية الإرادة”، فنشأ، بالتالي، وتتطور مذهب “التسيير والتخيير”. وكان الفيلسوف الألماني نيتشه أول من اكتشف أن الشرقيين، بإيمانهم بالقضاء والقدر، قد نسوا أمرا بسيطا ولكن في منتهي الأهمية وهو أن إرادتهم “ذاتها” يجب أن تكون مشمولة بـ “نظام القضاء والقدر”، أي أن الإنسان المؤمن بالقضاء والقدر ينبغي له أن يؤمن، في الوقت نفسه، بأنه لا يريد إلا ما قُدِّر له أن يريد، فأنا لم أختر الذهاب إلي بيتي عبر هذه الطريق، بحسب ما “أتوهم”، وإنما كان مقدَّرا لي أن أذهب في هذه الطريق وأن ألعب “لعبة الاختيار” بما يتفق وهذا القدر.

إن الحاضر في حياة الإنسان هو لحظة الفعل الذي من دونه لا يُصنَع المستقبل. والإنسان، في مشاعره، يرتبط بماضيه ارتباطا مختلفا عن ارتباطه بمستقبله، فهو قد يندم علي الماضي، ولكنه لا يخاف منه، وقد يخاف من المستقبل، ولكنه لا يندم عليه. وكثيرا ما قال الإنسان إنه، إذا ما رجع به الزمن شهرا أو سنة أو سنين، لن يفعل هذا الذي فعل، وسيفعل ما لم يفعل، وكأن هذه “الحكمة” التي تلبَّسته الآن يمكن أن تنشأ لو أن الأحداث التي يندم علي حدوثها لم تحدث!

ہ كاتب ومحلل سياسي فلسطيني ـ الاردن8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية