«القدس العربي» تجول في «الحجر الأسود»: جبال الأنقاض تسدّ الشوارع

جانبلات شكاي
حجم الخط
0

دمشق ـ «القدس العربي»: تمثل مدينة الحجر الأسود القريبة من العاصمة السورية دمشق، مثالاً صارخاً على حجم الدمار الذي خلّفه نظام بشار الأسد في البنية التحتية للتجمعات البشرية على امتداد المناطق التي احتضنت بيئة المعارضة وعائلات مقاتليها.

قصف ودمار

المدينة التي تقع على مسافة أقل من سبعة كيلومترات عن مركز العاصمة، وتتبع إداريا لريف دمشق، كان يقطنها قبل اندلاع الثورة عام 2011 نحو 700 ألف، معظمهم من النازحين من محافظة القنيطرة بعد احتلالها من العدو الإسرائيلي عام 1967. وتعرضت لقصف وحشي أدى إلى تدمير وصل في بعض أحيائها إلى 80 ٪، مخلفاً من الردم ما يقدر حجمه بنحو 700 ألف متر مكعب تم ترحيل أقل من ربعها من قبل محافظتي ريف دمشق والقنيطرة، وسط توقعات بأن تستفيد المدينة من مشروع جديد لترحيل الأنقاض ممول من قبل المملكة العربية السعودية.
أهالي الحجر الأسود بدأوا بالعودة إلى مدينتهم منذ كانون الأول/ ديسمبر نهاية عام 2021، بعد تهجير قسري منها، إما بسبب المعارك الطاحنة والقصف بمختلف الأسلحة أو بعد سيطرة النظام السابق عليها.
ونزوح الأهالي من المدينة بدأ منذ السنوات الأولى للثورة، حيث تحولت شوارعها إلى ساحات للمواجهة، واستطاعت المعارضة السيطرة على الحجر الأسود وعلى مخيم اليرموك القريب في كانون الأول/ ديسمبر 2012، واستمر الوضع على حاله إلى نيسان/ ابريل 2015 حين اقتحم تنظيم «الدولة الإسلامية» المدينة وسيطر عليها إلى أن استعادت قوات جيش النظام المدينة في أيار/مايو 2018 مع كامل الريف الدمشقي.
ومع فتح باب العودة للأهالي قبل 3 سنوات و9 أشهر، تكشف الدمار الكبير وحجم الردم الهائل الواجب ترحيله من شوارعها.
وقال مصدر من محافظة القنيطرة، التي تتقاسم تخديم المدينة مع محافظة ريف دمشق، لـ«القدس العربي» إن آليات الخدمات الفنية في القنيطرة عمدت إلى ترحيل الأنقاض من الشوارع الرئيسية لثلاثة أشهر متواصلة عام 2021، كما قامت محافظة القنيطرة بإرسال آلياتها لإزالة الأنقاض لمرات عدة لاحقاً، وذلك كلما كان الأهالي يراكمون الردم من داخل بيوتهم إلى الشوارع، إضافة إلى آليات كانت ترسلها من جهتها محافظة ريف دمشق لإزالة الركام والردم.
وقال المصدر إن عدد العائلات العائدة خلال ثلاث سنوات وصل إلى نحو ألفي عائلة، وتضاعف الرقم خلال الأشهر التسعة الماضية بعد سقوط النظام إلى نحو خمسة آلاف، بعد إزالة العوائق الأمنية المشددة التي كان يفرضها النظام على العائدين.

في حين كشف مصدر من محافظة دمشق لـ«القدس العربي» أنه من المتوقع أن تستفيد مدينة الحجر الأسود من مشروع لإزالة الأنقاض تم توقيعه بين الجانبين السوري والسعودي منذ أيام، ويشمل إزالة 75 ألف متر مكعب من الأنقاض.
وبين المصدر أن الدمار كبير ونحو 60 في المئة من المنازل خطرة وغير قابلة للسكن باعتبار أن معظمها آيلة للسقوط، وما تم ترحيله إلى اليوم يقدر بنحو 175 ألف متر مكعب، وهناك شوارع بكاملها مسدودة لأن إزالة الأنقاض إلى اليوم طاولت الشوارع الرئيسة فقط.

إعادة الإعمار متعثرة

مصدرمن محافظة القنيطرة بين أن ضعف الإمكانات المالية مقارنة بحجم الدمار، هو أبرز معوقات عملية إعادة إعمار الحجر الأسود.
وقال: تم بجهود مشتركة بين القنيطرة وريف دمشق، ترميم ثلاث مدارس لمرحلة التعليم الأساسي، وفتح مركزين طبيين، وصيانة شبكات الصرف الصحي في شارعي الثورة وتشرين الرئيسيين، وخط الصرف الآتي من دمشق في اتجاه محطة معالجة اليرموك، إلى جانب تركيب 25 وحدة إنارة للطرق عبر الطاقة الشمسية، وإيصال الكهرباء للمنازل من خلال ثلاثة مراكز تحويل رئيسة، هي غير كافية بالتأكيد.

مدينة قريبة من دمشق… و5 آلاف عائلة عادت… والكهرباء تتحسن

وبين المصدر أن المشكلة الأبرز هي في تضرر شبكات المياه المغذية للمنازل وهذه لم يتم إصلاحها بعد، والأهالي يؤمنون حاجاتهم من مياه الشرب أو مياه الاستخدام المنزلي بشرائها من باعة جوالين.
ومن على شرفة منزلها، تحدثت أم خالد لـ«القدس العربي» وهي ربة عائلة كانت من أوائل العائدين إلى شارع «الثورة» الشارع الرئيس في المدينة حيث بدأ الكثير من المحال فيه تفتح أبوابها، وقالت وهي تتمنى أن يتم استكمال ترحيل الأنقاض: لقد كان الردم يغطي الطابق الأول، واليوم الوضع أفضل في شارعنا لكن الطرق الفرعية كلها شبه مغلقة، والمشكلة الأهم عدم توفر المياه ونقوم بشراء المخصص للشرب بسعر يصل إلى 4 آلاف ليرة مقابل 20 لترا، والمخصص للاستخدام المنزلي بسعر يصل إلى 35 ألف ليرة للمتر المكعب الواحد، أي ما يعادل أكثر من نصف مليون ليرة شهريا، وهو رقم كبير مقارنة بمعدلات الرواتب عندنا.
وبينت أم خالد أن المعاناة تمتد إلى ترحيل القمامة لأن آليات البلدية قليلة جدا وهي معطلة معظم الوقت، وهذا الطريق المحفر يجب العمل على ترقيعه قبل فصل الشتاء لأننا سنغرق بالوحل حينها إذا بقي الوضع على حاله.
ورغم سوء الخدمات، إلا أن أم خالد بدت راضية عن وضع الكهرباء وقالت في الشهر الأخير تحسن الوضع كثيرا حيث تأتينا الكهرباء 4 ساعات وتقطع ساعتين، وهي ميزة غيرة متوفرة في كامل سوريا اليوم، وربما تشجيعا لعودة الناس وتعويضا عن فترات القطع الطويلة السابقة.

حارة الشركس

تعود أصول أهالي الحجر الأسود في أغلبيتهم الى الهوادجة والبحاترة من سكان منطقة الزوية في الجولان المحتل وأيضا من بلدات الدلوة وراوية، إلى جانب عشرات العائلات من قرى الجولان الشركسية، وشكل النازحون نحو 80 ٪ من سكان الحجر الأسود إضافة إلى نسب مختلفة من اللاجئين الفلسطينيين وعائلات من محافظات أخرى.
وأوضح مصدر من محافظة القنيطرة لـ«القدس العربي» أن عدد سكان الحجر الأسود وصل عام 2011 إلى 700 ألف نسمة، والعائدون إليها حاليا يقدر عددهم ما بين 30 إلى 40 ألفا موزعين على نحو خمسة آلاف عائلة، وجل هؤلاء عادوا لمنازلهم المدمرة هربا من الإيجارات المرتفعة حيث كانوا يقيمون، إذ بات سعر إيجار المنزل الواحد في الأحياء الفقيرة المحيطة في دمشق يصل إلى ما بين 150 إلى 200 دولار، وهو رقم كبير دفع الأهالي للعودة وترميم غرفة أو اثنتين والإقامة فيها، ومن بين العائدين طبعاً عائلات هجّرت إلى إدلب وريفها، لكن العائدين من مخيمات الشمال قليلة باعتبار أن أماكن إقامتهم حاليا أفضل بمراحل كثيرة من الإقامة في الحجر الأسود. وقال بيبرس، أحد الشبان الشركس من أهالي المدينة، إنه لم تعد من العائلات الشركسية التي كانت تقيم في محيط جامع بلال الحبشي أي عائلة الى اليوم، وعائلة أو اثنتان فقط بدأت ترمم منزلها، باعتبار أن معظم حينا قد تدمر بما فيه منزلي.
وبين بيبرس أن نسبة كبيرة من شركس سوريا غادرت البلاد حتى لا يخدم أبناؤهم في جيش النظام، وشركس الحجر الأسود منهم، ومن بقي من هؤلاء داخل البلاد يقيم في منزل لأحد أقاربه المهاجرين، إما مجانبا أو بأجر رمزي.

وتابع: أصر علي والد زوجتي أن اصطحبه لزيارة منزله، وهو رجل معمر، وعندما وصلنا إلى حارتنا، وأنزلته من السيارة، وكانت مجاري الصرف الصحي حينها تغطي معظم المكان، سألني: لماذا توقفنا هنا ولماذا تنزلني؟ فقلت له هذا هو حيك وهنا كنت تقف مع أصدقائك من كبار رجالاتنا بعد صلاة ظهر كل يوم جمعة، وحينها توقف يتأمل المكان مصدوماً صامتاً لعدة دقائق وقلبه يعتصر ولا يصدق ما يراه وكيف تحولت المنازل إلى خرائب متراكمة.

معاناة مستمرة

لم تتدخل أي من المنظمات الدولية لمساعدة الأهالي في ترميم منازلهم، وكل ما حصلوا عليه إلى اليوم هو ترحيل الأنقاض التي غطت الشوارع بآليات محافظتي ريف دمشق والقنيطرة.
وأكد خالد أنه حاول منذ 3 سنوات العودة إلى منزله شبه المدمر لكن حال دون ذلك سببان، الأول الموافقات الأمنية التي كان النظام المخلوع يفرضها، والثاني كثرة الأنقاض في الشارع أمام منزله، وقال: كنت أسكن في منزل عائلة زوجتي في المعضمية منذ عام 2016، وأحاول اليوم العودة إلى الحجر الأسود بعد سقوط النظام، لترميم جزء من منزلي لكن نقل كميات الأنقاض الكبيرة ليس من ضمن إمكانياتي وأنا على أمل أن تتم إزالتها.
أما أبو إبراهيم فيصر على الإقامة في منزله رغم افتقاده لأبسط مقومات الحياة، ويقول: يسكن في هذا الحي عدد من العائلات معظمها عاد بعد سقوط النظام ورغم مطالبنا المتكررة بإزالة الأنقاض لكن لا حياة لمن تنادي ولا نسمع منذ أشهر إلا وعودا لا ينفذ منها شيء.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية