القدس العربي تدخل عامها الثامن عشر هذا الشهر: المطبوعة التي جعلت العمل الصحافي عملا فدائيا حقيقيا!
محمد عبدالحكم دياب القدس العربي تدخل عامها الثامن عشر هذا الشهر: المطبوعة التي جعلت العمل الصحافي عملا فدائيا حقيقيا!تبدأ القدس العربي عامها الثامن عشر هذا الشهر، فقد بدأت الصدور في نيسان (ابريل) 1989، وارتبط صدورها بالانتفاضة الأولي في فلسطين، ومن يذكر هذه الانتفاضة سيجد أنها اندلعت في أعقاب مؤتمر للقمة نفض يده من القضية الفلسطينية.. لم تظهر في مقرراته إشارة حقيقية عن فلسطين. وكان أكثر المتفائلين يري أن مشروع صحيفة جديدة يبقي أسير مناخ صحافة النفط، بمجموعة القيم الإنعزالية التي حملتها وبشرت بها، وجعلت من تل أبيب الصهيونية أقرب سياسيا وأخلاقيا من القدس العربية الإسلامية، وأحلت الصهينة مكان العروبة، وحملت البداية ذات الطبيعة التجارية بعضا من هذه الملامح. لأنها كانت امتدادا لصحافة داخلية فلسطينية مدجنة، ولم تمر شهور قلائل حتي انتفضت هذه الصحيفة علي نفسها، وتألقت كمشروع إحياء لا كمشروع إماتة، وسبحت عكس تيار الإفرازات العربية الرسمية، بما فيها الإفراز الفلسطيني الرسمي، وما حفلت من تنازلات مجانية، وما بلغت من سعي للاندماج في مشروع الصهينة المعد للمنطقة، وتصفية الوجود السياسي العربي.. ماديا وبشريا وحضاريا وثقافيا، وإلحاق النظام العربي الرسمي بالمشروع الغربي الصهيوني. أخذت القدس العربي من الانتفاضة الأولي عنفوانها وبساطة وسائلها وأدواتها، ورفضت معها الواقعية ، بإغراءاتها، المزينة للغواية والتفريط والتنازل. وكما فشلت تصفية الفلسطينيين بالإبادة والتهجير، كان لـ القدس العربي دورها في إفشال التصفية بـ السلام ، وصولا إلي ما نحن فيه اليوم بالتصفية عن طريق الحصار والتجويع والمقاطعة، وهو ما سيفشل كسابقه.مثل هذا الوعي المبكر بهذا الدور وضع الصحيفة في خندق المقاومة، ليس علي المستوي الفلسطيني فحسب إنما علي المستوي العربي كله، وهذا حولها إلي لسان حال كل المستضعفين العرب. وصدورها من بلد أوروبي، لضيق الوطن الممتد من الماء إلي الماء، ومن عاصمة ذات تاريخ استعماري، وإن لم يكن في هذا التاريخ غير رعاية وتنفيذ المشروع الصهيوني علي حساب الوجود الفلسطيني، لكفاه ذلك عارا لا يمحي. وكان موقع الإنطلاق ومكان الإقامة كفيلا بوقوعها في أسر أيديولوجية البداوة وثقافة التصحر، المدعومة من الغرب في ذلك الوقت، بما فيها من تخلف وشعوبية وطائفية ومذهبية وعنصرية، وكان عليها، سدا للذرائع، الأخذ بأسباب الضعف وتبرير التبعية خوفا من القوة والتكتل والوحدة، مثلها مثل غيرها. ورفض التدثر بهذه العباءة جعل صفحاتها ساحة للحوار الخلاق بين الأفكار، وميدانا للرماية صوب بؤر الحرية، ومواقع التلاقح، ومراكز التفاعل، فكانت جسرا للتواصل بعد أن تقطعت بالعرب السبل، ومصدرا للتفاهم في ظروف نهش اللحم الحي للأمة، وطريقا للتعارف في زمن الخصومات والعداوات العربية والإسلامية.كل هذا شيء وما أحدثته علي المستوي المصري، داخليا وخارجيا، كان وما زال شيئا آخر، فهي عندما تجتاز الخطوط الحمراء، الموضوعة من قبل النظام الرسمي العربي، كانت تتجاوز نفس الخطوط بمعدلات أعلي في التعامل مع الإنعزالية المصرية، بجهلها وأنانيتها وتبعيتها.. قبلت بالثمن المترتب علي ذلك. واكتشفت أن مصر، وهي تعيش في ظل نظام شديد الضآلة، أدني من حجمها بكثير، وخبرت ذلك بنفسها عندما لم يجد هذا النظام غير سلاح المصادرة ليشهره في وجهها.. بدأت المصادرة لأيام معدودة في الشهر، خاصة أيام السبت، والسبب معروف، إلي أن منعت الصحيفة من التوزيع في مصر كلية، ومع هذا لم يشعر أصحاب قرار المصادرة بالراحة أبدا، واستمر شبح الصحيفة يلاحقهم، وأضحي عبد الباري عطوان الخطر الأكبر والعدو الأول لمصر، بمنطق أنها بلد مملوك لحسني مبارك وعائلته، وجزء من متاعهم الخاص، وفاق خطر عطوان خطر السابقين واللاحقين من الأعداء والغزاة!!. فتعرض لحملة ظالمة.. عرضت عليه في ذروتها أن أتوقف عن الكتابة لتخفيف الضغط عليه وعلي الصحيفة، لكنه أبي. وبدأت أسمع منه أن أحد أسباب إقبال القارئ علي القدس العربي ، هو التقرير اليومي الذي يحرره حسنين كروم من القاهرة، وما يخطه كاتب هذه السطور من لندن، وكلاهما عروبي من مصر، ساهما في تصحيح صورة نمطية طبعت الصحافيين والكتاب المصريين، وهذا بدوره تحول إلي رصيد للصحيفة، وتقديرا لهذا الخط الذي كان مغيبا في الصحف المصرية، حتي سنوات قليلة، وهي مجاملة طيبة تستوجب الشكر والتقدير. ونحن ممن يزعمون أن القدس العربي الصحيفة العربية، غير المصرية الأولي، التي اخترقت الحصار الإعلامي الرسمي، فاستقطبت عددا كبيرا من القراء المصريين. ونعتقد أن القارئ المصري، قدر لها قدرتها علي كسر حاجز الخوف فيه، وهو حاجز اعتمده حسني مبارك للسيطرة عليه. وبالمصادرة بدت القدس العربي الغائب الحاضر، المقلق لمضاجع النخبة الحاكمة، وتجاوز تأثيرها البالغ، ليس في الرأي العام المصري في الخارج، بل وصل التأثير إلي مستوي الداخل بمعدل فاق صحفا مصرية عديدة. والأمر الذي كان واضحا هو ما يمكن أن نطلق عليه فرق التوقيت السياسي والصحافي بين لندن والقاهرة، وكان ذلك ملحوظا في فرق قدره أربع سنوات بين معالجة قضية التوريث علي صفحات القدس العربي ، وبين بداية ذلك في صحف الداخل المصري. ولن أحكي عن التلميح الذي أبديناه صوب هذا التوجه، وهو سابق لهذا الفرق بكثير، وسابق علي نظيره في سورية، الذي ظهر فور رحيل الرئيس حافظ الأسد واختفائه، سنة 2000، قبل حسني مبارك، ولو حدث العكس لكانت مصر أسبق من سورية في هذا المضمار. وعلي أن أقدم الدليل. وهنا أود أن أشير إلي أن المرة الأولي لتناول موضوع التوريث كانت في الربع الأخير من عام 1996، ويومها، توقعا مني بأن ما يكتب لن يكون قابلا للتصديق، بادرت بعرض الموضوع، علي غير العادة، مدونا علي الأخ والصديق الأستاذ عبد الباري عطوان، بصفته رئيسا للتحرير. وما توقعته كان صحيحا.. لم يصدق بأن ذلك ممكن في مصر.. لأنها، حسب رأيه، غيرها غير أي بلد آخر، ولا يمكن أن تورث، وأذكر يومها أنني قلت ما معناه أن الجسم المريض معرض للعدوي، ومصر أمرضها حسني مبارك وأضعف جهاز المناعة فيها، وستبقي لمدة ليست بالقصيرة هكذا، حتي تسترد عافيتها. المهم أنه طلب كتابة مقال آخر، وهذا ما كان.وبعد أكثر من سنتين، وتحديدا في العدد 3008 بتاريخ التاسع من يناير/ كانون الثاني 1999 وتحت عنوان مقدمة في إمكانية وراثة الحكم تطرقنا إلي التوريث ، ضمن سياق التعرض لدور عقليات رسخت في ذهن حسني مبارك عدم حاجته لتعيين نائب للرئيس، وتعاملهم غير المسؤول مع هذا الأمر، بروح البلادة المعهودة بـ أنه مش لاقي حد . في هذا المقام وُصِف موقف حسني مبارك بأنه مقصود، والهدف هو تمهيد الأرض للأخذ بقاعدة الوراثة ، وأردفنا وإذا كان ما ينشر حول ترشيح ابن الرئيس ليتولي مركزا رفيعا في الدولة سيترجم إلي قرار في الفترة القليلة القادمة فإن هذا يؤكد هذا التوجه .. وهكذا أرخنا في القدس العربي لقضية التوريث بهذا الفارق الكبير في التوقيت، وبعد ما يقرب من أربع سنوات، وتحديدا في تشرين الاول (اكتوبر) 2002 فجر الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل، من جانبه، قنبلة التوريث ، في محاضرته بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، وأرجو ألا يفهم كلامي أنه تقليل من قيمة ما طرح.. كل ما هنالك أنه اختار التوقيت الذي رآه مناسبا للداخل، وتوالت توابع زلزال التوريث ، إلي أن تشكلت لمقاومته حركة سياسية حقيقية وصادقة، هي حركة كفاية .. قالت لا للتمديد ولا للتوريث وتصدت هي و أخواتها للتعديل المزيف للمادة 67 من الدستور، وعرت عمليات التزوير وانتهاك الأعراض والبلطجة، أثناء الانتخابات الرئاسية والتشريعية، واعتبرت أن التمديد لمبارك باطل، وأصبح شعارها لا للتمديد.. لا للتوريث.. باطل .وهذا الفارق في التوقيت، جعل القدس العربي طرفا في معادلة صياغة الرأي العام المصري، لأول مرة، في تاريخ مصر. وقد لعب نظام الحكم، بجهله وجهالته، وغبائه المعهود، دورا في تزكية هذا. فكلما زاد من حملته وتحامله علي الصحيفة ورئيس تحريرها كلما زاد مستوي الفضول وتعاظمت الرغبة في الاطلاع علي ما ينشر فيها، ولم يكن فارق التوقيت وحده مميزا، بل إن فتحها صفحاتها للكتاب والمثقفين، من شتي المشارب الوطنية والقومية والإسلامية واليسارية، علي اتساع الوطن العربي الكبير، جعل منها صحيفة عربية جامعة، فأعادت فلسطين إلي مكانتها، كقضية مركزية للعرب، الشعب وليس النظام الرسمي. بجانب أنها كشفت الوجه المتواري للأمة، خلف نظام رسمي مهترئ.. وجدته وجها مقاوما، وبه تتسع رقعة المقاومة ولا تضيق، وكم ساءلت نفسي كثيرا.. كيف يكون الحال لو لم تكن هناك صحيفة بتأثير القدس العربي ، أو فضائية بوزن الجزيرة ودورها؟، هل كان في الوسع تحريك مياه المستنقع الإعلامي والسياسي العربي الآسنة والعفنة.. بروائحه الزاكمة للأنوف وأمراضه الهادة للأبدان؟!!. وإذا كنت قد ركزت علي ما فعلت القدس العربي بالمصريين، لم يكن ذلك تقليلا من شأن تأثيرها علي ساحات أخري. جاء ذلك لنبين للآخرين أنه إذا كان كل هذا التأثير علي مصر، فبالقطع فإنه لن يقل علي غيرها. والقيمة الكبري لهذه الصحيفة، وكما ذكرت في مناسبة سابقة، أنها صاحبة فضل إدخال العمل الفدائي إلي عالم الصحافة العربية، وتحليها بالجرأة في مواجهة المخاطر، التي تتهدد محرريها وأقلامها.. ولا تقل بأي حال عن تلك التي تتهدد حملة سلاح المقاومة وتحرير الأراضي المحتلة، بصدورهم العارية، وتحملت في سبيل ذلك، ونالت ما نال من يتصدون للإذعان وثالوث الاستبداد والفساد والتبعية من حملات وتشويه، بشجاعة واقتدار. وعلي أن اعترف بحصيلة ما تعلمته من هذه الصحيفة الفدائية.. تعلمت أن الرهان الصحيح هو علي القارئ المواطن وحده، فهو الذي أعطاها هذا الوزن وهذا الثقل، بتشجيعه وثقته. وتعلمت أن سلامة العلاقات الداخلية فيها، وروح المساواة والتواضع في نظام إدارتها هو الذي جعل من فريقها أسرة متحابة، وهذا يأخذ أروع صوره في رمضان الكريم من كل عام.. فيه يلتقي العاملون جميعا علي مائدة إفطار واحدة عامرة.. تزيد روح الألفة والتراحم بينهم، مع اختلاف المشارب والمعتقدات السياسية والدينية والمذهبية وتعدد الجنسيات.وصمود سبعة عشر عاما، في مرحلة هي الأكثر إعصارا في التاريخ العربي والإنساني المعاصر هو عمل بطولي بكل معني الكلمة. كل عام وأسرة القدس العربي بخير، وتهنئة خاصة لجنود مجهولين، يقفون وراء كل كلمة وجملة وسطر وصورة ورسم، لتخرج بشكلها الذي يتعامل معه القارئ.. يعملون بتفان وصمت.. لكل هؤلاء جميعا هنيئا لـ القدس العربي بكم وهنيئا لكم بها.9