غزة- “القدس العربي”: هل تعاد نكبة جديدة لجيل أبناء الفلسطينيين؟ يتردد نفس السؤال بين جموع أكثر من مليون نازح فلسطيني تحت قصف الاحتلال الإسرائيلي لقطاع غزة بعد عملية “طوفان الأقصى” منذ السابع من أكتوبر/ تشرين الأول الجاري.
سيدة مسنة تبلغ من العمر خمسة وثمانين عاما ضمن النازحات في مخيم وكالة غوث اللاجئين (أونروا) تجيب عن السؤال بصوتها الموجوع: “هاجرت مرتين في عمري عندما كان التهجير الأول عام 48، واليوم تكررت التجربة. لكن يا ابني أنا مريضة نفسيا وجسديا بسبب جسمي المكسور المزروع فيه مسامير طبية”.
هذه المسنة التي شهدت كلّ مشاهد التهجير القسري الأول، لا تستطيع تحمل كل هذه المعاناة في هذه المرحلة العمرية الصعبة؛ فلم تستطعْ مواصلة الحديث، فأكملت الإجابة حفيدتها مي العصار البالغة من العمر (45 عاما)، التي نزحت هي وزوجها وأولادُها إلى مخيم النزوح بخان يونس: “هُجِّرنا قسرا، صحيح، وهذا يذكرنا بكتب التاريخ الذي درسناه لأولادنا، والذي درسناه بالجامعة، والمدارس هجرة عام 48، ونكسة 67، نحن هُجِّرنا من الشمال إلى الجنوب تحت التهديد، والمنشورات الإسرائيلية، وضرب قنابل الفسفور فوق رؤوسِنا”.
وتروي العصار لـ”القدس العربي”: “عانينا حتى نأتي إلى هنا سواء في المواصلات، أو المشي، وكان معنا أطفال، أنا أقول: الهجرة هذه غير شرعية ظالمة لنا ولأطفالِنا، في هذه الخيام نعيش عيشة الذل والإكراه”.
ويبحث نحو مليون فلسطيني وِفقا لإحصاءاتِ وكالة الأونروا عن مكان آمن يبعدهم عن الاستهداف العشوائي للطيران الإسرائيلي، وتقول الوكالة الأممية: إنها ترعى حاليًا نحو 500 ألف شخص، إذ يبحث النصف الآخرُ عن مكان يكون فيه بعض الأمان ليبدأَ النازحون حياة ضمن ظروف تفتقر للحد الأدنى من الإنسانية مع منع الغذاء والماء والوقود عن القطاع وسكانه.
التقينا النازحة ختام أبو عبد النبي وهي تقف أمام واحدة من مئتي خيمة نصبتها الأونروا غربَ مدينة خان يونس، وتصف أهوال الطريق قبل وصولِها قائلة: “كأننا نعيش أهوال يوم القيامة، فلا يوجد في تلك المخيمات سوى الرمال، إذ لا يوجد ماء أو غذاء”، وتلخصُ نظرتها للحياة في المخيم خلال حديثها لـ “القدس العربي” بأنها “حياة غير لائقة للبشر”. لكن ماذا عليها أن تفعل؟”.
وهنا هذا الرجل المسن النازح من بيت لاهيا شمالي قطاع غزة يتحدث بحرقة وتغالبه الدموع، واصفا حجم المعاناة للكبار في السن، إذ لم يستطع الحصول على خيمة، وهو يعاني من أمراض السكري والضغط، وهو بحاجة ماسة لاستخدام الحمام، فأين يذهب وماذا يفعل؟ أسئلة محزنة ومضنية يقشعر لها الفواد والضمير.
يقول الرجل: “إلى أين نذهب الآن هل هذه حياة وأنا رجل كبير في السن من يرضى لنفسه هذه الحياة وقد غلبنا الشتات؟”.
ويكمل وعيناه مغرورقتان بالدموع “بصراحة فوجئنا من الحجم الكارثي الموجود في خيام اللجوء لا خدمات ترتقي لإنسان يعيش على الأقل بأقل درجات الكرامة، خبز لا يوجد، مياه حلو لا يوجد، حمامات لا يوجد، كل شي بالطابور”.
وفي الخيام التقينا بمحمد الضبة، النازح من منطقة تل الهوى وسط مدينة غزة، حدثنا بألم: “المخيم ممتلئ بقصص الهروب والمعاناة، لقد هربنا من القصف المتناثر على رؤوسنا وكان الخروج صعبًا جدًا من المدرسة التي كنا فيها، لقد قضينا أيامًا في العراء هنا وأصابنا المرض قبل أن تنصب لنا خيمة، وعندما تحضر إلى المخيم؛ فلن تجد لا ماء ولا غذاء ولا دواء”.
فيما تقول السيدة أم خالد قديح، نازحة من بلدة خزاعة شرق مدينة خان يونس، بنبرة غاضبة: “نحمل زعماء العالم كل هذه المعاناة، معاناتنا كبيرة في الخيام، تتمثل في الحشرات ونزول البرد بالليل، وعدم وجود أغطية كافية لنا”، وتضيف “كل العالم آمنون في بيوتهم، ونحن نريد الرجوع إلى ديارنا ويكفي حرب”. وتتساءل المرأة لماذا لا يسمعهم ضمير العالم الحر فهل نسوا أنهم بشر؟.
وتعمل وكالة الأونروا على تسلم المساعدات الدولية بالتعاون مع الهلال الفلسطيني خاصة المواد الغذائية، والمستهلكات الطبية التي تساوم بها إسرائيل أهل غزة، وترفض دخولها لتزيد من معاناة المرضى، والقطاع الصحي في كل المرافق الطبية التي تتطلب الإمدادات بشكل مستمر.
يرى النازحون أن رفع عدد الشهداء المتواصل يهدف إلى جعل المخيمات هي الواقع الجديد لجيل الأبناء الذي إن غادر تنتهي القضية الفلسطينية دون أي رجعة في عام 2023
ويذكر علاء أبو طير، وهو نازح من بلدة عبسان، أن “هذه الخيمات في مجملها تذكر بالتهجير الأول الذي تعرض له الأجداد عندما كانت العصابات الإسرائيلية تعمل على سرقة الأرض الفلسطينية بالترهيب والمذابح، واليوم يريد تكرار سيناريو تهجير جديد”.
ويرى أن الاحتلال الإسرائيلي يزيد من ضغط القصف، ورفع عدد الشهداء المتواصل بأن يجعل هذه المخيمات هي الواقع الجديد لجيل الأبناء الذي وإن غادر؛ تنتهي القضية الفلسطينية دون أي رجعة في عام 2023.
ويقول النازحون إنهم أمام واقع جديد لربما يؤسس لشكل حياة جديدة. سياسة لربما تسعى إليها حكومة الاحتلال الإسرائيلي لتطبيقها بين الفلسطينيين، ليس لها دلالات واضحة، غير أنها تهجير قسري جديد. في ظل معادلات صفرية مختلة لا تقبل الحلول المشتركة، وهي نتاج لظروف الحرب التي تضغط على النازحين بقوة؛ بعد أن دُمرت منازلهم الآلة الحربية الإسرائيلية.
وبالرغم من الانتقادات الدولية الواسعة لسياسات التهجير القسري للفلسطينيين من قبل إسرائيل؛ فإن الحكومة الإسرائيلية ما تزال تطالب المواطنين بالإخلاء الفوري لمنازلهم، والتوجه جنوبًا لهذه المخيمات التي لا عيش فيها ولا حياة.