‘القدس العربي’ في الدورة 64 لمهرجان ‘كان’ السينمائي: ‘ميكايل’ النمسوي يعري الوحش الجنسي الساكن بيننا

حجم الخط
0

زياد الخزاعي

زخرت عروض الايام الثلاثة الاولى الخاصة بالمسابقة الرسمية لمهرجان ‘كان’ بمجموعة اشرطة اجتمعت على سؤال اخلاقي صادم يتعلق بالقاصرين، الامر الذي اثار النقاد والصحافيين الذين كلما تزاحموا على ابواب قصر السينما عند حافة جادة الكروازيت، وجدوا انفسهم امام نصوص كالحة المعالم، دموية الحكايات، ضاغطة في انكسار ابطالها الصغار وسقوط ذمم منتهكي عفتهم. ولعل باكورة المخرج النمسوي ماركوس شلينزير (1971) التي حملت اسم بطلها الشاب ‘ميكايل’ اكثرها رعبا، ليس من ناحية حكاية شذوذه الجنسي وغرامه بالصغار، بل للبرودة الدرامية التي صاغ بها عمله. انها سيرورة رجل مبالغ في ثقته بنفسه، دقيق الاهتمام بتفاصيل محيطه، لماح في ان لا يترك اثرا ما خلفه يقود الى الكشف عن سره. رجل تشي سحنته بانه ناجح في مسلكيته وعمله، باطني، تغلب الجدية على ردود افعاله، لا يتعجل الاجابة كي لا تُحسب عليه او ان تُفهم بنية سيئة. وهو رجولي لن يتردد في اختطاف فرصة مواقعة امرأة مالت اليه في مقصف جبلي خلال زيارة تزلج مع صديقيه.

وحين تسأله ان كانت لديه مشكلة تأخر في القذف، يُجيب ببرودة قاتلة: ‘لا مشكلة بتاتا!’. وهاتان الكلمتان تكشفان مصيبته ومرضه من دون العودة الى جذورهما العائلية او الاجتماعية، وانما سعى شلينزير الى اعادة بناء اجابته باعتبارها علامة تمويه يستخدمها منتهك شرف قاصرين من اجل ان لا يكشف كم هو مختلف عن اي كائن عادي. صحيح ان سلوك ميكايل بشري الطباع والعادات، بيد ان كل هذا يخفي وحشا لا مثيل له في جريمته.

خلف الباب الموصد الذي يفتتح شلينزير شريطه، نلتقي بالصبي فولفنغ (ديفيد روشينبيرغر) البالغ من العمر العاشرة، الرهينة الجنسية للبطل الشاب، وهو محاط بعدّة المعيشة اللازمة لحياة دائمة، فالشريط يُلمح الى ان اي امل في نجاته من عبوديته امر لن يتحقق. ويرتب الانتباهة الدرامية الى ان الصبي متطامن الى حد ما مع قدره المرسوم بارادة قسرية. فميكايل يداور بعلاقته مع سجينه بين ابوة ناقصة، ولعبة حية تقوم بواجب قبول هذا الاخير تفريغ الحاجة الجنسية لخاطفه. ترى ما الذي يدفع به الى القبول بالهتك؟ الجواب: القدر ولعبته. فالصبي حسب الفيلم جُلب الى ‘الحفرة الجنسية’ بإغواء لا نعرف كنهه. ليس المال بالضرورة، وليست الشهوة، وليس الطمع الطفولي وفضوله. هناك طُعم غامض مارسه الشاب على ضحيته، ونعرف ذلك لاحقا حينما يقرر اختطاف طفل اخر واشراكه باللعبة مع فولفانغ.

وفي مشهد هائل بعنفه المستتر، تتابع كاميرا المصور جيراركيركليتز، جولان ميكايل وسط حلبة سباق سيارة مخصصة للصبيان، قبل ان يختار احدهم ويغويه بسياقة سيارته التي يدعي ان ألسنة نار حمراء رسمت على ابوابها، اشارة الى تميزها الرياضي، الامر الذي يثير شهية الصبي الجديد. ومع مسيرتهما البطيئة، يعرض الفيلم ‘التكنيك’ الذي يستخدمه الشاب ـ الوحش والقائم على لغة طفولية، سهلة، مباشرة. وحينما نسمع صوت والده الملتاع وهو يناديه، يُبقي المخرج شيلينزير بطله سائرا على الايقاع البطيء ذاته، وكأن لا شيء غريباً حدث، قبل ان يخطو داخل دغل بري.

والاشارة واضحة الى ان هذا الوحش سيبقى مستمرا في مؤامراته وجرائمه حتى يحقق القدر اوانه. وهذا ما سيكون المفاجأة الكبرى في الفيلم المتمهل بحكايته، حينما يُخبر البطل ضحيته بفشل قدوم رفيقه، متأسفا على الوقت الذي اضاعاه في ترتيب ‘السجن الجنسي’، يهجم الصبي عليه باللكمات، ايذانا بانتفاضته التي تقوده لاحقا الى رمي ماء مغلي على وجه مختطفه.

لن يفلح فولفانغ بالهروب، فوقت انعتاقه لم يزف بعد، لكن نهاية ميكايل حلت، وتتم عبر حادث سيارته وهو متوجه الى المستشفى لعلاج اصابته البليغة في عينيه ويقتل على الفور. المميز في اشتغال شيلنزير، اختياره المقصود للتريث. ان هدوء فصول الفيلم تستفز مشاهدها بحيادية الوانها الباهتة التي تعكس بدورها الحياة الكئيبة التي يعيشها ميكايل الموظف في شركة للتأمين على الحياة. وهذا الهدوء يصبح علّة درامية، عندما تدخل شخصيتان ثانويتان هما الام وزوج الشقيقة الى موقع الجريمة.

وبدلا من التشويق المفترض بشأن اكتشاف الضحية، يصرّ الشريط الاستفزازي على اتمامهما شعائر توضيب ممتلكات الوحش القتيل الذي نعاه قس الكنيسة المحلية باعتباره شهيد حوادث السير ممن ستُغفر لهم زّلاتهم الدنيوية!. ولن يشفي المخرج شلينزير غليل مشاهده الا قبل النهاية بدقائق، عندما تكتشف الام العجوز بالصدفة الباب الموصد، لتفتحه على ظلمة كالحة، وصدمة يُفترض انها ستهزّ كيانها، وفضيحة لا بد من ان تقوض قناعات الرأي العام بشأن المحرمات وقوانين زجرها التي لن تمنع من وجود امثال ميكايل (والاشارة بينة للحكاية الشهيرة التي كان بطلها الاب النمسوي الذي حبس ابنته في قبو ومارس اغتصابه عليها على مدى 24 عاما متواصلة). في المقابل، يتحول البطل الصغير في جديد صاحبي ‘روزيتا’ (1999)، و’ صمت لورنا’ (2009) الاخوين البلجيكيين جان بيير ولوك داردين ‘الصبي مع دراجته الهوائية’ الى ضحية جماعية، يشترك الاخرون في تعميق ازمتها الفردية.

فسيريل (توماس دوريه) البالغ من العمر الثانية عشرة يعيش حيزا من الاقصاء، يُفترض ان تتحمله ارادة رجل بالغ، قوي الشكيمة وليس ولدا يافعا. ومشكلته تتلخص في ان والده تخلى عنه فجأة، بمعنى انه فقد آصرته الوحيدة التي تثبت اصوله وتكوين شخصيته. انه كائن يُجبر على الوحدة، يُدفع نحو العنف، وتُغرس فيه بذرة الجريمة. هناك طرفان يستكملان لوعة البطل الصغير: من جهة، موظفو دار الاحداث الذين لا همّ لهم سوى تهدئته، وضمان حصانته القانونية، وطاعته لاعرافها. وهم قادرون على اقناعه بان المسار الطبيعي لحياته توقف من دون ارادته، يطاردونه الى بيت والده الغائب ليتحقق من اليتم الذي فُرض عليه. اما الطرف الثاني، فهو دراجته الهوائية التي تشكل عنصر انتقالاته بين عالمين: اليفاعة الناقصة، والرجولة المسبقة. فما ان يعي ان والده باعها الى حانوت وسط المدينة الاوروبية، يحول سيريل اهتمامه نحو اكتشاف مكانها، فهي آلة استكمالية لجولانه الدائم بين امل عودة الاب، والهروب من قوانين الاصلاحية. وحدها الصدفة التي تقوده الى سامانثا (سيسيل دو فرانس) التي تمثل الام المغيبة التي لا ترد في نص الاخوين داردين. وهذه الحلاقة الحسناء تسعى بجهد فردي الى اعادة الانسانية الى المتوحش الصغير، تارة بالزجر وتارة بالعاطفة العقلانية، اي بتأمين هامش لحرية ملتبسة، تقود فولفانغ لاحقا الى عصابة اشقياء من الصبية ذوي الاصول الوافدة.

هنا، يتحامل الاخوان داردين على سلطة القانون التي لن نقابل اياً من ازلامها مطلقا في الشارع او الحواري. وبقدر ما يتحول الصبي الى روح هائمة بين البحث عن ابيه (في عملها الاثير ‘الابن’ 2002 يبحث الاب عن قاتل ابنه) ومواجهته اطفال الشوارع الذين ما يفتأون يسرقون دراجته الهوائية، تصبح سامانثا السلطة العائلية التي تذود عنه، تنجح في دمجه بمحيطها وتنتصر الى مستقبله، تقول الى خليلها حين يخيرها بينه والصبي ‘اختاره هو!’ لتقطع مشروعها الشخصي لصالح ابن بالتبني. وحين يقابل فولفانغ والده العامل في مطعم محلي، تُحسم أموره دفعة واحدة عبر رفض الاول في ان يدخل حياته ثانية، وحجته عجزه المالي.

يستغل المخرجان اللذان سبق وان حازا سعفتين ذهبيتين من مهرجان ‘كان’، هذه الثيمة ليورطا صبيهما بلعبة خطرة، هي ‘طاعته’ لرئيس العصابة الشاب في سرقة صاحب متجر لبيع الصحف والتي تسير فصولها الى القبض عليه. قبل هذا، يسعى اليافع الى والده ليتبرع له بمال سرقته، بيد ان الاب يكشف عن عزم نظيف السريرة، ويرفض العطية النجسة ويطرد ابنه الى الابد.

ان المشروع الاصلاحي في افلام الاخوين داردين يكمن في قلب ميزان العقاب، ففي ‘الطفل’ (2005) تنقلب حياة اللص الشاب اثر ولادة البكر، فمطاردة السرقات الصغيرة لا بد ان تقوده الى السجن، حيث نراه يذرف دموع الندم امام الزوجة المدهوشه بالكائن الهش. وفي ‘صمت لورنا’ 2008 يصبح سعي البطلة الشابة المهاجرة الى الاستقرار في بلجيكا قضية خاسرة، كونها وجدت نفسها وسط عصبة من المهربين والقوادين واصحاب السوابق الخطرة. اما في حالة الصبي فولفانغ، فان اعتذاره من صاحب محل بيع الصحف امام محامي العدلية ودفع الغرامة الباهظة، وبعدها ضرب ابنه له في الغابة عقابا، يجعل من سامانثا الارادة العائلية الحاسمة في الترويض النهائي لفتى خسر عائلته، فوجد قلبا انثويا زاخرا بالمودة. على المنوال نفسه، عرضت الممثلة والمخرجة الفرنسية مايوين (1976) فيلمها الرابع ‘بوليسيّ’ (او جلد ناعم وهو لعب على كلمة بوليس او شرطة) امتاز بمادته الدرامية الثرية التي دارت وسط دائرة حكومية فرنسية مثيرة للجدل تهتم بشؤون القاصرين وتمنع الاعتداء عليهم، وثانيا لان صاحبة ‘اغفر لي’ (2006 ) و’ كل شيء عن الممثلات’ (2008) صاغت عملها الذي يستمر ساعتين وثماني دقائق بإيقاع لاهث، حيوي، ومتفجر، يرجع الفضل فيه للمونتاج الفذ لكل من لاور غارديه ويان ديديه، ولفريق ممثليها من الجنسين الذين يستحقون من دون ريب تكريما جماعيا أسوة بمثيله ‘بين الجدران’ (2008 ) لمواطنها لوران كانتيه، من حيث اشتراكهما بصبغة نادرة لمزيج واقعي التفاصيل، توثيقي السرد. فمقابل طلاب شريط كانتيه، تذهب المخرجة الموهوبة نحو احوال القاصرين الذين يتعرضون للتحرش الجنسي والقسوة العائلية ومحن الظروف. وبدلا من سرد حكاية ذات فروع عديدة، فضلت ان تُشبك ضفيرة هائلة التفاصيل من الحكايات والحيوات والمصائر (تصوير قدير من بيير ايم)، مركزّة بصيرتها على فريق الشرطة المكلف ‘صيد’ التجاوزات الاخلاقية. ولكي تبرر دخولنا معها في الوسط العصابي، تختلق وجود المصورة الفوتوغرافية الشابة مليسا (مايوين) المكلفة من وزارة الداخلية من اجل توثيق يوميات العصبة وعملها. بيد ان عدستها لا تذهب فقط نحو المؤلم والجارح، بل تتواصل مع حكايات طرفين لا تلتقي اقدارهم عبر القانون فحسب، وانما مع ما تفرضه الحياة نفسها من اشتراطات غير منصفة. فالخلاسي فرد (المطرب الشعبي الذائع الصيت جوي ستار هو زوج المخرجة) يعاني من تفكك اسرته، وتسقطه عزلته في حب مليسا التي يفكك كيانها انفصال عائلي صعب الخيار (ترك ابنتيها مع والدهما الايطالي)، فيما ينهار عالم الشرطية اريس (مارينا فويّ) حينما تشهد عملية اجهاض لصبية تعرضت للاغتصاب، وهي التي تقف بصلابة لا مثيل لها مع زميلتها نادين (كارين فيارد) كي تحقق طلاقها وتقطف حريتها من زوج كئيب. وهكذا تتوالى حكاية حامي أعراف المجتمع في الوقت الذي تتهدم فيه اركان اسرهم وعلاقاتهم وكراماتهم، في مقابل قصص هتك الاعراض والبغاء المستتر وتجارة الرقيق الابيض عن طريق الانترنت والجرائم الجنسية التي يقوم بها اباء بلا ضمائر مع قصرهم، ومربون يخونون الامانة مع تلاميذهم، واقارب يدوسون على العرف العائلي، ويبيعون فلذات اكبادهم الى سفلة وناقصي ذمم. لن تستثني المخرجة مياوين طرفا اجتماعيا من تحاملها السينمائي (كتبت النص بمشاركة ايمانويل بيركو)، فهي لا تتهيب من توجيه التهمة القاسية الى الطبقة المتوسطة النافذة في فرنسا على اساس انها لا تني تمارس الموبق الاجتماعي وامراضه مع القاصرين وتبرره بان لها قنوات متنفذة تفلتها من العقاب!

، وكما تجعل من الام الافريقية التي تتخلى عن وليدها لانها غير قادرة على توفير مكان آمن له، كإدانة صارخة للنظام الاجتماعي الذي يصر على اعتبارها عورة عرقية وافدة لا مكان لها ضمن جدولة الاندماج الصعب. وخير ما تختتم فيه المخرجة مياوين مسردها السينمائي، يكون في تفاصيل المشهد المحكم والاتهامي الذي يصور اللقاء العاصف بين اب عربي من شمال افريقيا وشرطية من الاصول ذاتها، حيث تتهمه باجبار ابنته القاصرة على اتمام زيجة ضد ارادتها، وحينما يردّ عليها ان الامر مبرر بآيات قرآنية ترمي في وجهه تهمة تحوير الآيات بما يتماشى مع تزمته الديني، وتصرخ بالعربية: ‘هاهو القرآن الكريم، اشر لي بسورة تثبت احقيتك بفرض ارادتك!’ وهو المشهد الذي يقود البطلة (ومعها المخرجة) الى الكشف عن هويتها الاجنبية، حيث نراها وقد قررت ‘الهجرة’ نحو الوسط الذي يضم عائلتها العربية المهاجرة في ضاحية بلفيل الشهيرة باعراقها المتفقة على تطامن اجتماعي نادر التوازن.

في الطرف الثاني، تحدث المأساة بوجهها الفرنسي المفضوح، فبعد اعلان ترقية الشابة أريس امام زملائها، تكون نظرة الملامة من صديقتها السابقة نادين كافية الى دفعها الى الانتحار قفزا من شباك البناية العالية، ذلك ان النخر الاجتماعي لا يستثني احدا بمن فيهم حماة القانون الذين يُفترض فيهم المساكنة الاجتماعية.

في المشهد الختامي وهو الاضعف في عمل مياوين، نرى عودة الاباء والامهات و’ ناعمي الجلود’ اي اطفالهم الى ابواب المدارس، ايذانا بان الحياة سائرة رغم كل شيء. بعد نصف الساعة الاولى من الشريط، يثبت لنا ان روح اشتغال التونسي عبد اللطيف كشيش في ‘كسكسي بالسمك’ (2007) تتملك عمل مياوين الذي تماهى الى حد كبير مع النفس الواقعي الذي كرسه الاول عن جدارة.

ناقد سينمائي من العراق

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية