بيروت- “القدس العربي”:
الجولة بين الدمار وبقايا المنازل، في مار مخايل والجميزة مقابل مرفأ بيروت، ليست بالأمر السهل، والنظر في عيون الأطفال الأيتام والنساء الثكالى، ووجوه الجالسين فوق دمار منازلهم، يشعر بالخجل.. ويجبر المارة على الانحناء إجلالا لهذا المصاب الأليم.
حي الجميزة مقابل مرفأ بيروت هي منطقة سكنية وتجارية، مكونة من أربع مناطق عقارية تحدها مناطق المرفأ والصيفي والرميل والمدور.
وتاريخيا هي من أول ضواحي بيروت التي تشكلت حول سور المدينة القديم، وتعتبر الجميزة من أقدم وأطول أحياء لبنان عند إنشائه. وفي الحي العديد من الأبنية الأثرية والشواهد على الحقب التي مرت بها البلاد مثل بقايا بيروت العثمانية والمملوكية والصليبية. واعتبر شارع الجميزة من أهم شوارع الحياة في بيروت.
دخلنا الأحياء المنكوبة سيرا على الأقدام.. ودخلنا المباني والمنازل المدمرة، بقع الدم ما زالت موجودة على سلالم الأبنية، وجدران المنازل، نساء تجلس فوق ما تبقى من أثاث منازلها تبكي وتسأل.. ماذا بعد؟
مخائيل عساف من الجميزة يجلس أمام بيته المصدع، قال لـ”القدس العربي”: “فقدت كل شي، فقدت زوجتي وابني ودمر الانفجار بيتي، ولم يبق لي إلا دمعات العين حسرة.. خسرت عمري، وضاع مني أحبة لا يعوضون بمال الدنيا”.
يرفع صوته حيانا، ويصرخ باكيا أحيانا.. كيف يعوضون لي من مات.. ابني، ابني، ابني.
حقا إنها مأساة.. مأساة وطن ومأساة إنسان، مأساة رسمت على وجوه من بقي حيا من أبناء الجميزة ومار مخايل، ورسمت على حطام جدران المنازل التي تلونت ببقع دم الضحايا والجرحى.
ماريا مواطنة لبنانية (تجاوز عمرها 70 عاما) من سكان الجميزة، قالت والدمع كالنبع يتدفق من عينيها: “لقد وصلنا إلى حالة اليأس، مأساة أكبر من قدرتنا على التحمل، ابني جريح فقد ساقه يعالج بمستشفى الجامعة الأمريكية، وبيت مدمر”. أضافت: “ماذا أقول، وماذا أجيب.. لقد عشنا الموت، ومن بقي حيا يعيش المأساة والدمار والحزن ودمعات العين”.
خلال الجولة بين الشوارع والأبنية المدمرة.. شبان وصبايا ورجال من خارج المنطقتين، يحملون أدوات التنظيف، متطوعون يدا بيد، لرفع الدمار وفتح الطرقات، خيم موزعة لمساعدة المنكوبين.
مشاهد الحزن والألم تعم الأحياء، مختار الجميزة بشارة غلام، رفض الحديث بداية الأمر لأنه في حالة حزن شديد، ومع إصرارنا قال: “ماذا أقول لكم، الجميزة هي من أجمل الأحياء البيروتية، جمال أشجارها، أبنيتها الأثرية، نظافتها، لكنها اليوم حزينة وأصيبت بمأساة حقيقية ونكبة قاسية ستبقى آثارها لسنوات طويلة.. الدمار الذي أصاب الجميزة هو أصعب من زلزال طبيعي، هي كارثة إنسانية، عدد الضحايا والجرحى وحجم الخسائر لا تقدر، انفجار لم يكشف حتى الآن عن سببه ومن يقف خلفه، انفجار إجرامي سرق أحلام طفلة بعمر الكسندرا الذي لم يتجاوز 3 سنوات”.
وطالب مختار الجميزة من خلال “القدس العربي” بمساعدات دولية وعربية عاجلة تخفف من معاناة المنكوبين وتشعرهم بأن قضيتهم إنسانية ويقف إلى جانبهم العالم لأنهم جزء من هذا العالم المتحضر.
وأكد أن المساعدات الدولية يجب أن لا تقتصر على الأدوية والمواد الغذائية، بل يجب على العالم المتحضر أن يساعد لبنان على كشف الحقائق، ووضع حد للانهيار الذي يتعرض له لبنان.
غادرنا مكتب مختار الجميزة المهشم وانطلقنا إلى الأحياء المزدحمة بالمبادرات والمعونات وعمليات رفع الأنقاض والدمار. طفل في مار مخايل لم يتجاوز الخامسة عشرة من عمره، يحمل “مكنسة” وينظف أمام محل تجاري، غبار الدمار يمتزج مع عرقه، يلف جسده ووجه البريء، ماذا تفعل؟ سألته “القدس العربي”، “جئت مع أصدقاء لي من منطقة الطريق الجديدة وأبو شاكر، في أوتوبيس صغير ومعنا أختي طالبة في جامعة بيروت العربية، لمساعدة أهلنا في الجميزة ومار مخايل لتنظيف الشوارع ورفع الدمار الناتج عن انفجار المرفأ يوم 4 آب، أنا هنا لأرفع الركام وتنظيف الشوارع والمنازل”.
ماذا رأيت، سألته “القدس العربي”.. بكى الطفل وقال: “رأيت مأساة، رأيت دم الضحايا على الجدران وعلى أرض الأزقة والأحياء بيوت مدمرة ونساء تبكي”.
ألم تخف؟ تدفق الدمع من عينيه، وحرك حاجبيه بمعنى “لا” ثم رفع يده لوقف الكلام.
دمار في كل حدب وصوب، دمعات ودماء تغطي الأرض تنبت حزنا وألما، لم يكن بالإمكان الاستمرار بجولتنا وسط دمعات عيون المنكوبين والأيتام والنساء والرجال الذين فقدوا أبناءهم وأرزاقهم.
كثيرون هم الذين رفضوا الكلام.. فكان الانسحاب.