دمشق ـ «القدس العربي»: في ريف دمشق، كان المشهد مختلف تماماً، حيث تحول الطريق الذي يربط بين العاصمة دمشق وسجن صيدنايا إلى «مَحَجّة» بكل ما للكلمة من معنى. زحمةُ سيارات ودراجات نارية وباصات وحتى جرافات وشاحنات. كلّها قصدت مبنى السجن الذي كان الحديث عنه قبل يوم واحد، بمنزلة «رعب أسود».
تقاطر الناس إلى تلك المنطقة من كل المحافظات السورية بحثاً عن أملٍ بـ “عودة مفقود» ربّما يكون أباً أو أخاً أو زوجاً أو حتى صديق. تروي سيدة خمسينية محجبة، تحفّظت عن ذكر اسمها نتيجة الذعر الذي مازال يعشعش داخل النفوس: «لي زوجي محمد عرسان محمد في هذا السجن. ألقي القبض عليه إبان الثورة في العام 2013 بدمشق ولم نسمع عنه مذاك التاريخ».
تقول تلك السيدة لـ “القدس العربي»: «الحديث عن عدم وجود معتقلات تحت الأرض في صيدنايا يطرح السؤال: أين ذهب كل هؤلاء السجناء؟ هل قتلوا؟ لا يسعني إلاّ القول حسبي الله ونعم الوكيل بهذا النظام المجرم. يقولون لقتل الأمل فينا إنّ المعتقلين ماتوا في العام 2020 بسبب جائحة كورونا. متى خرج كل هؤلاء من السجن حتى يصابوا بعدوى كورونا؟ هذه حجج واهية. الله أكبر على هذا النظام. نحن نسلّم أمرنا لربّ العباد وننتظر جهود الشباب على أمل أن يخرجوا بالخبر اليقين».
ومنذ الصباح الباكر توجّه السوريون إلى ذاك السجن مزودين بالمعدات، التي بقيت حتى مساء أمس الإثنين تصعد الجبل وصولاً إلى سجن صيدنايا المعزول عن ريف العاصمة. الدخول إلى السجن كان شبه َمستحيل، حيث عمد عدد كبير من السوريين إلى ركن سياراتهم قبل السجن بعشرات الكيلومترات واستكمال الطريق سيراً على الأقدام من أجل بلوغ ذاك المعتقل المرعب، خصوصاً مع تواتر الحديث منذ مساء الأحد عن وجود أقبية تحت المبنى وطبقات مخفيّة، وروايات عن أبواب مقفلة تحتاج إلى رموز وشيفرات من اجل فتحها، شكّك السوريون بأن تكون سجوناً سريّة لآلاف السوريين واللبنانيين والفلسطينيين المفقودين منذ ثمانيات القرن الماضي.
عند أبواب السجن تجمهر عدد كبير من المسلحين، وحاولوا بلا جدوى منع الناس من دخول باحات السجن الواسعة، وزنازينه المظلمة ذات الروائح الكريهة التي تفوح من الغرف. البطانيات والألبسة والحاجيات ما زالت منتشرة في أروقة المحابس، وتظهر أنّ قاتنيها فروا حديثاً (أقل من 24 ساعة). في كل طبقة من طبقات المبنى تجمّع عدد من الشبان ليبحثوا عن بابٍ خفيّ أو نافذة لسرداب يقود إلى المعتقلين المفترضين. أمّا خارج السجن، فكانت أكثر من جرافة تحفر بجوار المبنى الضخم من أكثر من جهة، في محاولة لبلوغ طبقات أرضية مفترضة بشكل أفقي. لكن دون جدوى.
زحمة سيارات ودراجات نارية وباصات… وأهالي السجناء يبحثون عن أملٍ بعودة المفقودين
تقول أم عبيدة وهي من مدينة حمص لـ “القدس العربي»: «لي أولادي إثنين وأخوتي الإثنين أيضاً من آل صفر والجولي وعفيفي محتجزين في صيدنايا. أوقفتهم قوات النظام خلال الثورة بين الأعوام 2013 و2014 ثم انقطعت أخبارهم منذاك الحين».
أمّا علي ناصر يوسف، فيروي أنّه خرج من صيدنايا مؤخراً، ويضيف: «تهمتي كانت في حينه كتم الجناية. دخلت بتقرير سطّره بحقي أحد المغرضين بلا أي سبب، فمكثت هنا من العام 2013 حتى منتصف العام 2022». يقول يوسف «أتيت إلى هنا مجدداً لأنّ إخوتي الاثنين معتقلون هنا بالتهمة نفسها. أتيت لأتأكد أنهما مع صهري ما زالوا على قيد الحياة».
يرفض يوسف العودة إلى ذاك الماضي المرير ويتحاشى الحديث عن أشكال التعذيب. يتنهّد ويقول «لا تحدثني عن فظاعة التعذيب هنا. كل الناس تعرف ظلم نظام الأسد».
أحد العسكريين المكلفين بحراسة مبنى السجن يتحدث عن اكتشاف مكبس هيدروليكي كانت قوات النظام تستخدمه للتخلص من جثث المعتقلين بعد وفاتهم، وذلك من خلال كبس الجثث وضغطها حتى يتمكنوا من دفنها بأقل مساحة ممكنة أو حتى حرقها. يروي كذلك لـ “القدس العربي» عن اكتشاف حبال المشانق في الساعات الأولى بعد وصولهم إلى صيدنايا.
في طريق الصعود نحو السجن، يتحدث شاب أربعيني لـ «القدس العربي» ويفضل تسميته «أبو عدي». يقول أبو عدي «جئت لأبحث عن ابن حماي، اسمه محمد النمر ونظن أنه هنا في صيدنايا سيء الصيت والذكر. بعض الاخوة الذين دخلوا السجن شاهدوا في كاميرات المراقبة بعض المساجين يستغيثون ويصرخون. من المؤكد أنّ الناس كلها تحجّ إلى هنا لسبب وجيه وليس من أجل السيران والتسالي». ويضيف: «الناس كلها تتمنى دخول هذه المعاقل، فالزيارة تبرّد قلبها قليلاً بعد الظلم الذي عشته في ظل النظام وأنا واحد من بين الناس الذين يريدون أن يشاهدوا ماذا حصل بأم العين».
ويتابع أبو عدي «أناس موجودون هنا بعد أن سمعنا أنّ ثمّة مهندسون وصلوا لمعاينة خرائط المبنى… نأمل أن يكشفوا المستور ويثلجوا القلوب”.
في طريق العودة المحبطة من السجن المشؤوم، يصرخ شاب بالصاعدين عبر الأماكن الوعرة هرباً من الزحمة على الإسفلت المؤدي إلى مدخل السجن الرئيسي: «كل شخص لا يستطيع المساعدة يعود أدراجه… وجودكم أعلاه يعيق أعمال البحث، فاتقوا الله بالعمال والأهالي».
ذاك كان يوماً آخر من اكتشافات أهوال نظام الأسد، بينما يبدو أنّ بقية الأيام المتعاقبة، سوف تحمل الكثير من المآسي والويلات المستورة.