رام الله ـ «القدس العربي»: لا تتوقف الإجراءات الاحتلالية في مدينة القدس المحتلة، ومع اقتراب رمضان تبدو القبضة الحديدية على المدينة في تصاعد، وكان آخر تقليعات الاحتلال ان استدعى أربعة شبان من بلدة جبل المكبر جنوب القدس المحتلة وأعطاهم مذكرة تحقيق لتزمهم بالقدوم قبل شهر رمضان بيوم واحد من أجل أن يقوموا بوضع أساور إلكترونية مخصصة للمراقبة لمنعهم من دخول المسجد الأقصى المبارك.
وفي تفاصيل كل من يخالف القرار من الشبان الأربعة فإنه وبشكل أتوماتيكي يصدر بحقه اعتقال إداري لمدة أربعة شهور.
وحسب مراقبين في المدينة فإن هذا الموقف هو ظاهرة جديدة بعد قرارات الإبعاد بحق الشبان والناشطين لمنعهم من دخول المسجد الأقصى المبارك التي كانت أشدها في رمضان الماضي وطوال الشهور التالية وصولا للشهر الذي يقترب ومعه تتزايد احتمالات التصعيد.
وتمر في هذه الأيام الصعبة على المدينة المحاصرة الذكرى الخامسة على اندلاع هبة «باب الرحمة» المباركة التي حطمت أقفال المصلى بعد 16 عاماً من الإغلاق وفيها انتزع مقدسيون الحقوق الدينية وحطموا الأسوار المادية والمعنوية التي صنعها الاحتلال في مصلى باب الرحمة.
ويوم الجمعة كانت المرة الأولى منذ 20 أسبوعا يهتف الشبان في وجه قوات الاحتلال عقب اعتدائها عليهم وإغلاق باب السلسلة لمنعهم من دخول الأقصى. حيث رددوا شعارات «لن تركع أمة قائدها محمد».
قد يبدو التحول بسيطا لكنه يشي بكمية كبيرة من الغضب بعد تسريبات احتلالية لمضامين اجتماعات الكابينت الإسرائيلي الأمني حول السماح للمصلين بدخول الأقصى في رمضان.
وحسب الباحث المقدسي خالد عودة الله فإن تسريب مداولات الحكومة الصهيونية حول المسموح والممنوع في المسجد الأقصى خلال رمضان، هو تحضير لمرحلة ما بعد الحرب على غزة واستمرار لها.
وتابع عودة الله: «إنها بمثابة إعلان لمعالم الوضع الدائم في الأقصى بمباركة عربية رسمية بعد المجزرة، أصبحت قمامة أوروبا البشرية التي ألقتها أوروبا في بلادنا ترى في ذاتها إلهاً على المنطقة العربية، يحدد من يعيش ومن يموت والمسموح والممنوع دينيا وسياسيا».
وعلقت «مؤسسة القدس الدولية» على اعتزام سلطات الاحتلال الصهيوني فرض قيود مشدَّدة على المصلين في المسجد الأقصى في شهر رمضان (وتشمل الفلسطينيين من القدس، والضفة الغربية، والمناطق المحتلة عام 1948) وتصل إلى حدِّ المنع الكامل من دخول المسجد الأقصى للفئات التي تشكِّل الغالبية العظمى من المصلين في المسجد الأقصى معتبرة أن هذا الاستهداف الجديد يأتي في سياق الحرب المفتوحة التي تشنُّها حكومة المتطرفين الصهاينة برئاسة نتنياهو على المسجد الأقصى؛ بهدف فرض واقع جديد يتحوَّل فيه الوجود الإسلامي في الأقصى إلى طارئ وهزيل ومقيَّد، مقابل تحويل وجود المستوطنين اليهود فيه إلى دائم وكثيف وبلا قيود.
وقالت المؤسسة ومقرها بيروت، «سبق أن حذَّرت مؤسسة القدس الدولية من تذرُّع الاحتلال الصهيوني بالظروف الأمنية الناتجة عن معركة طوفان الأقصى لفرض سياسات دائمة في المسجد الأقصى، من ضمنها تشديد قيود منع المصلين من دخوله».
ورأت المؤسسة بما سربه الاحتلال بمثابة «تطور عدواني خطير يتطلب إعلان النفير العام بين أهلنا في القدس والضفة الغربية والمناطق الفلسطينية المحتلة عام 1948 وتكثيف الرباط في المسجد الأقصى، والاعتكاف فيه لكسر الحصار المفروض عليه، وإسقاط قرار منع الوصول إليه، قبل أن تتحوَّل الإجراءات الصهيونية الجديدة إلى أمر واقع ثابت. وإذا كان قادة الاحتلال الصهيوني يتخوَّفون من شهر رمضان بما يشكِّل من موسم للمواجهات مع قواته الغاشمة، فإننا ندعو إلى أن يكون هذا الشهر المبارك كما يعرفه الاحتلال، شهر جحيم عليه، وشهر مواجهات واستنزاف لقواته، وهذا أقلّ الواجب إسنادًا لأهلنا في قطاع غزة الذين يستفرد الاحتلال بهم قتلًا وحصارًا وتدميرًا».
وعلق نشطاء مقدسيون في حديث لـ«القدس العربي» بإن ما يجري في القدس منذ 20 أسبوعا وما يعلن عنه الاحتلال عبر تسريبات مبرمجة من خلال وسائل الإعلام هو ممارسة فعلية في سياق إلغاء مفهوم الوصاية الأردنية على المقدسات الإسلامية قولا وفعلا معا.
وتساءل النشطاء: «كيف نفسر ما يتعرض له الأقصى، حيث الإجراءات على أرض المسجد فاقت كل التوقعات من حيث الحجم وطول فترة الاعتداء، وهو أمر يترافق مع تصعيد احتلالي للإجراءات التعسفية في المدينة المحتلة؟».
حشد لانتخابات البلدية
ويرى عودة الله، وهو الباحث في العلوم الاجتماعية وفلسفتها، ومؤسس دائرة سليمان الحلبي للدراسات الاستعمارية والتحرر، أن الأجواء في القدس تشهد استغلالا لحالة الموات السياسي المقدسي، وباستثمار حالة الخوف والصمت، حيث ينشط تيار المشاركة في انتخابات «بلدية القدس» في فعاليات الحشد والترويج للمشاركة في هذه الانتخابات في 27 شباط/فبراير الجاري.
وترفع المرشحة المقدسية سندس حوت شعارا مفاده «جميعنا نصوت: سندس حوت أو بن غفير؟».
وتقول المرشحة الحوات في خطابها: «أنا اختكم سندس الحوت مرشحتكم للمجلس البلدي عن شرقي القدسأ توجه اليكم اليوم وأطلب منكم التصويت لي بالانتخابات كممثل عربي في البلدية للدفاع عن حقوقكم وانصافكم كما يجب، وايصال صوتكم وهمومكم لأعلى المستويات».
وتتابع: «كلي أمل وثقه بكم أن تعطوني أصواتكم لابنة بلدكم.. لنكمل المشوار معا ولنكون عونا وسندا لبعض وخصوصا في هذه الظروف الصعبة التي نعيشها كعرب في هذه البلاد».
وكان مجلس الإفتاء الأعلى في فلسطين، قد أكد على الفتوى الصادرة عنه، بخصوص تحريم المشاركة أو الترشح لانتخابات بلدية الاحتلال في القدس، معللا ذلك بمخالفة واضحة وصريحة للشرع والإجماع الوطني الرافض لهذه المشاركة، كون البلدية الذراع الأولى لسلطات الاحتلال في تنفيذ المشاريع الاستيطانية والتهويدية في المدينة، وتضييق سبل العيش والسكن على المواطنين.
ويخوض مترشحون فلسطينيون يهود وعرب في الانتخابات ضمن قائمة واحدة فيما هناك مجموعة من الأسماء العربية التي قامت بعملية انسحاب من المشاركة بالانتخابات بعد الحرب على غزة.
ويلتقط عودة الله مشاهد من المدينة المقدسة والمحتلة والمحاصرة حيث يقول: «بدأت مجموعة من المؤسسات الخيرية، المرتبطة بدول شريكة في الحرب على غزة أو متخاذلة، التحضير لتنظيم إفطارات جماعية وتوزيع وجبات رمضانية في المسجد الأقصى».
ويشدد: «الواجب أن تقاطع هذه الفعاليات التي تهدف إلى غسل يدي هذه الدول من دم غزة بصورة إفطار في الأقصى، من أراد عمل الخير فليكسر الحصار على غزة ويداوي جرحاها ويطعم جوعاها، بل يجب مقاطعة كل فعاليات الافطارات في الأقصى بصرف النظر عن مموليها ما دامت غزة محاصرة ومبادة وأطفالها جوعى».
وكان التطور الأبرز في سياسات الاحتلال الإسرائيلي إزاء المسجد الأقصى إلى جانب منع المصلين في أيام الجمع العشرين الماضية، في ذكرى الإسراء والمعراج الماضي حيث اقتحم الاحتلال مساء المسجد القبلي وطرد المعتكفين.
ورغم أن الحديث لم يلق اهتماما إعلاميا فلسطينيا أو عربيا في ظل شلال الدم في قطاع غزة إلا أن ما فعلته شرطة الاحتلال في الذكرى ومعه مجمل السياسات يعكس ما تطلق عليه مؤسسة القدس الدولية «تبنٍّ علني للإحلال الديني».
وحسب نشطاء فقد اقتحم جنود الاحتلال المسجد الأقصى يوم الجمعة الموافق 9 شباط/فبراير ومنعوا المصلين من الاعتكاف فيه لمناسبة ذكرى الإسراء والمعراج، ونصبت قوات الاحتلال الحواجز في البلدة القديمة لمنع وصول المصلين إلى الأقصى، ونكَّلت بهم عند باب السلسلة، وفي المقابل سمحت للمستوطنين المتطرفين بتنظيم مسيرة استفزازية ضخمة في شوارع البلدة القديمة.
وتحذر مؤسسة القدس الدولية من إنَّ حصار الأقصى طوال المدة الماضية يدقُّ ناقوس الخطر بأنَّ الاحتلال ينوي تكريس هذه القيود وإجراءات التفتيش والعرقلة والتنكيل لحرمان المصلين من الوصول إلى المسجد الأقصى، والتخلص من الوجود الإسلامي الكثيف في الأقصى كونه يشكل حزام دفاع عن المسجد.
كما حذرت المؤسسة من أن الاحتلال عبر ممارساته يستبق رمضان بإعلان نوايا بحرمان المسلمين من الاعتكاف في الأقصى، وهو الذي كان عنوان معركةٍ في الأقصى في رمضان الماضي تصدت لمحاولة شطب هذه الشعيرة، وهي معركة يبدو أنها في طريقها لأن تتجدد هذا العام.
وإلى جانب كل ذلك تعود الأعياد التوراتية وما يرافقها من عدوان إحلالي إلى المسجد الأقصى من جديد، إذ يتقاطع «عيد المساخر» العبري مع الأسبوع الثاني من رمضان ليمتد ما بين 21 وحتى 26-3-2024.
وأمام الاحتضان الرسمي اللامشروط من حكومة الاحتلال التي تشكل الصهيونية الدينية وجماعات المعبد المتطرفة ركناً أساسياً فيها؛ فمن المتوقع أن تطلق يد المتطرفين الصهاينة وجماعات المعبد للاقتحامات الصباحية، والرقصات والطقوس الصاخبة المسائية على أبوابه في وقت الإفطار وصلاة التراويح، وهو ما يزيد معركة الأقصى اشتعالاً.
وكانت صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية قد حذرت من إغلاق المسجد الأقصى في شهر رمضان عبر مقالة حملت عنوان: «لتحترق الدولة» حيث اعتبرت قرار تقييد صلاة المسلمين في الأقصى خلال شهر رمضان، بمثابة أخطر قرار اتخذته الحكومة منذ اندلاع الحرب على قطاع غزة.