ما جرى في احتفالية الإسراء والمعراج بمثابة عمليات قمع وجس نبض للشارع الذي أثبت على الدوام وفي المفاصل والمحكات أن هناك حالة واسعة من الالتفاف حول القدس وقضيتها.
القدس ـ «القدس العربي»: قبل أكثر من أسبوع قررت الشرطة الإسرائيلية عدم وضع حواجز في باب العامود في القدس في شهر رمضان، جاء القرار بحسب ذات الشرطة كجزء من الدروس التي استخلصت بشأن المواجهات التي اندلعت في رمضان الماضي في أعقاب وضع الحواجز وما تلا ذلك من مواجهات متواصلة تدحرجت حتى وصلت ذروتها في عملية إسرائيلية سميت «حارس الأسوار» أما بالنسبة للفلسطينيين فقد سميت «سيف القدس».
الأحداث في العام الماضي التي تعرف فلسطينيا بـ«هبة الأقصى» اعتبرت بداية تحول كبير عاشته فلسطين التاريخية وهو ما تتحسب له الجهات الاحتلالية، ربما ذلك ما دفع بلدية الاحتلال إلى التخطيط لإقامة أحداث ثقافية في باب العامود، وموائد طعام، كما نشرت الصحافة الإسرائيلية.
الشرطة الاحتلالية تريد نقل رسالة مفادها أنه يمكن أن يكون الأمر مختلفا في هذا الشهر، وأضافت: «نريد أن نقود إلى وضع يستمتع فيه الناس بالعيد ولا ينشغلون بالمفرقعات أو المواجهات». وكل ذلك بحسب محافظ مدينة القدس عدنان غيث مجرد «كلام بالهواء، إنه دعاية سياسية مفضوحة، بروباغاندا».
غيث الذي يشغل عضو المجلس الثوري لحركة «فتح» قال في حديث خاص بـ«القدس العربي»: «القدس ستكون جاهزة لاستقبال المؤمنين، شهر رمضان سنحييه، وكل الشعب الفلسطيني سيتوجه للقدس، أما الاحتلال فلا نؤمن جانبه ولا نعرف حقيقة نواياه».
وتابع: «من يهدم بيتي ويرعى المتطرفين ولديه مخططات لا تنتهي لا يمكن أن نؤمن جانبه أبدا. أما الدعاية التي تهدف إلى تجميل الصورة فلن تجعلنا ننسى انه احتلال، ولن نتعامل معه على أنه يقدم خدمة للمدينة».
الناشط المقدسي أسامة برهم تساءل: «ماذا يخبئ لنا الاحتلال في شهر رمضان؟» وتابع: «أعتقد أن سلطات الاحتلال ستعمل على قدم وساق كي يتمنى السكان وجود ضوابط بالمكان، ستعمل أجهزة الاحتلال الأمنية على دس زعرانها ليعيثوا بالأرض فسادا، الحركة التجارية بالقدس مطاردة من حكومتهم أيضا، سيكون الفلتان سيد الموقف».
وأضاف: «هل لدينا خطة بديلة، هل سنسمح لهم بذلك، علينا أن نستعد لكل الاحتمالات بلجان وخطط لفرض النظام بدلا منهم».
المحافظ غيث أكد أن المقدسيين يمتلكون الإمكانيات، ويمكن للمؤسسات المدينة أن تنهض لتقدم أفضل نموذج للنظام والالتزام في شهر رمضان المبارك.
وأكد: «نحن جديرون بتنظيم أمورنا، الشيء غير المنظم بالقدس هو الاحتلال».
وتابع المحافظ: «سنكون حريصين على أن يستفيد التجار وأن تزدهر الحركة التجارية مع زحف الأعداد للصلاة، لكن الاحتلال يدرك معنى ذلك بالنسبة للمقدسيين وسيقوم بممارسات لقتل بهجة المدينة بأهلها».
وأضاف غيث: «ما أنا متأكد منه أن مؤسسات القدس المختلفة من أوقاف إسلامية ومؤسسات مدنية ورسمية هي في حال تنسيق دائم لتوفير كل سبل الراحة للمؤمنين، ونلمس أمام ذلك تخبط أركان دولة الاحتلال لكونها تعيش حالة خوف وإرباك من حجم المؤمنين الذين يزورون المسجد الأقصى».
وأمام هذه الحالة الجماهيرية والحديث لغيث يحاول الاحتلال أن يجمل صورته، وكإنه «يقدم لنا هدايا مجانية. وهنا أقول إنه لا يجب ان تخوننا الذاكرة، هناك غريب واحد وهو الاحتلال ومن حقنا أن نحيي احتفالاتنا وشعائرنا الدينية بدون أي إجراءات احتلالية».
«بروفا» الإسراء والمعراج
قبل أيام كانت الرسالة واضحة من شرطة الاحتلال في مدينة القدس حيث جاء الرد سريعا، ومعاكسا للدعاية الإسرائيلية، على زحف الفلسطينيين إلى المسجد الأقصى لإحياء احتفالات الإسراء والمعراج.
الطوفان البشري جاء بأعداد كبيرة جدا ومن مختلف مناطق فلسطين التاريخية، جلهم دخلوا من منطقة باب العامود لإحياء الذكرى السنوية التي تمنح المسجد قيمته وقداسته.
ترافق دخول الفلسطينيين للقدس حالة أمنية وتدقيق بالهويات لكن ما جرى بعد صلاة الظهر ومع تواجد عشرات الشبان على درج باب العامود محتفلين ومطالبين بالحرية أعاد العقل الاحتلالي للظهور.
محافظ العاصمة غيث شدد على أن المقدسيين يتعطشون ويشعرون بعمق فلسطينيتهم وهويتهم عندما يتدفق آلاف الفلسطينيين للقدس المحاصرة، ويقول: «هذا أمر مهم يجب ان يدركه الجميع. سلوك الشبان على باب العمود الاحتفالي مفهوم ومبرر وطبيعي، من حقنا رفع العلم الفلسطيني والاحتفال في كل مكان في القدس، الغريب والشاذ الوحيدان هو الاحتلال، وهو مسؤول عن كل ما يجري بالقدس، فهو الذي يعمل ضد المقدسيين وبعقلية إجرامية».
وتابع: «ما يجري على أرض العاصمة هو فعل ناتج عن عقلية إجرامية. عقلية تعمل على تأبيد الاحتلال وممارساته، والمجتمع المقدسي محاصر وينام ويصحو على الانتهاكات التي تمتهن هويته وهذا هو الإجرام الحقيقي والمتواصل، وما يزعج المحتلين ويعرقل خططهم هو وحدة الشارع المقدسي وشد الرحال إلى المدينة ومسجدها».
يؤكد غيث أننا ندرك أن الاحتلال سيحاول تنغيص الأجواء، وتساءل: «لماذا يحول الاحتلال القدس إلى ثكنة عسكرية؟ لماذا الحواجز والقمع؟ لو أراد الاحتلال أن تمر الأمور بسلام لما قام بتحويل المدينة لثكنة عسكرية؟».
وأضاف: «أحاديث الاحتلال حول عدم وضعه حواجز حديدية في منطقة باب العمود لا تعمينا عن السؤال الأساسي: لماذا الحواجز أصلا؟ الغريب أن ننشغل بالتفكير بوضع الحواجز وننسى الاحتلال وحواجزه الموجودة في كل مكان بالقدس».
تكتيك جديد
الناشط برهم قال في وصف القمع يوم ذكرى الإسراء والمعراج: «لقد كانت المواجهات في كل مكان، كانت هذه المرة بلا قنابل، اعتداءات على الشبان، اعتقالات وتنكيل وضرب وسحل بلا أصوات قنابل، وكأنه تكتيك جديد».
ويرى برهم موقف الشبان المتحمسين على درج باب العامود بأنه لم يكن يستوجب كل تلك الهجمة العنيفة من الشرطة الاحتلالية، لم يكن الأمر يتطلب كل هؤلاء الجنود والمستعربين والضباط وسيارة المياه العادمة وقوات فض الحشود والاعتداءات على النساء والأطفال بوحشية.
وأضاف: «شبابنا لا يتحملون المسؤولية، من يتحملها جنود الاحتلال وحدهم، عليهم كامل المسؤولية».
وطالب برهم بضرورة أخذ العبر مما حدث، وإيجاد سبل للحفاظ على المصلين والزوار في شهر رمضان المقبل، فقد يكون ما حدث في احتفالات الإسراء والمعراج مقدمة وتهيئة بروفا، لشهر رمضان المبارك. علينا ان نفكر كيف سنفوت على الجنود وقادتهم فرصة قمع الناس».
الاحتلال لا يؤمن جانبه
بدوره يؤكد غيث أن التجارب السابقة تؤكد أن الاحتلال لا يؤتمن جانبه، سيمارس كل الأساليب الأمنية من بطش وقمع وحصار. ويرى غيث أن ما جرى في احتفالية الإسراء والمعراج بمثابة عمليات قمع وجس نبض للشارع الذي أثبت على الدوام وفي المفاصل والمحكات أن هناك حالة واسعة من الالتفاف حول القدس وقضيتها.
ويتابع: «الاحتلال يُقهر ويشعر بالغيض ويطلق العنان لكل أجهزته وهياكله من أجل تنفيذ قمع ممنهج، وتحديدا في لحظات يتجلى فيها الالتفاف الجماهيري حول القدس كما حدث مؤخرا، لقد كان مشهد الزحف رغم التضييق وعزف النشيد الوطني على درجات باب العامود ورفع العلم الفلسطيني، كلها كانت مظاهر أغضبت الاحتلال فقام بما نتوقعه منه من قمع وبطش واعتقال وإطلاق قنابل وترويع وأوقع الإصابات».
وشدد غيث أنه في رمضان المنتظر كل المؤسسات تعد العدة بالتنسيق مع بعضها من أجل استقبال الشهر الفضيل ليكون الأمر «على خير ما يرام» ولتوفير أجواء ايمانية كاملة. أما الاحتلال فلديه أجندة مختلفة وخطط وهو ما يتعاظم ويتضاعف مع زيادة حجم الالتفاف والزحف نحو القدس، فالاحتلال يتعمد في كل مرة القمع وجس النبض، إنه امتحان يدخلنا الاحتلال به لكن المؤكد اننا لم ولن نخضع للامتحانات.
وأضاف: «إقدام الاحتلال على محاولات القمع والتنغيص والتدنيس وترك الأمر للمتطرفين له ثمن باهض وأهل القدس لم يبخلوا أو يترددوا في دفع الثمن. كل ما يمكن تقديمه سيتم تقديمه. نستعد بكل الطاقات ومع كل المكونات الفلسطينية، ونسعى أن يمر الشهر الفضيل في أمان وكرامة وعزة وأن يعمر المسجد الأقصى لكننا لا نأمن الاحتلال ولا إجراءاته. ولن نخضع لامتحان من أحد».
معركتنا ليست في رمضان وحده
وينوه محافظ العاصمة المحتلة أن الكل يعرف هنا أن «معركتنا في القدس ليست في الشهر الفضيل وحده بل هي معركة هوية ووجود وثبات، ولدى المقدسيين إرادة قوية متجذرة بالأرض وهم مستمرون بالثبات في رمضان وفي غيره».
وأشار إلى أن المقدسيين لن يخضعوا لخزعبلات وخطط الاحتلال وتسريباته. «فهذه الأحاديث لا تنهي الاحتلال ولا توقف سياساته في القدس، فالمشاريع والخطط جاهزة وتنفذ بشكل يومي لصالح المستوطنين».
وعن قرارات تجميد طرد العائلات في حي الشيخ جراح أكد غيث أنها قرارات جاءت بفعل جهد شعبي، وأكمل: «علينا ألا ننسى أن الخطر ما زال يطال أكثر من 6 عائلات بالطرد، ونؤكد اننا أمام معركة يومية ستستمر في رمضان وغير مضان».
وندد غيث بالمجتمع الدولي الذي يقدم أوضح نموذج في الازدواجية، متهما إياه بغير الانصاف وغير العدل عندما يتعلق الأمر بالاحتلال رغم كل التحركات الفلسطينية الدولية.