الاستخفاف بالعقول إلى هذا الحد، يصيب الإنسان بالغثيان، والقفز عن الواقع لتجميل صورة قبيحة يستدعي الصراخ بصوت أعلى من صوت الفضائيات كلها، لن أتوقف في هذا المقام لأقدم مواعظ عن رسالة الإعلام ومصداقيته، لأن في ذلك مضيعة للوقت وصراخ في البرية.
لم تجد ‘العربية’ غير مستر إلبرت صباح السبت الموافق 19 5 2012 ليحدثنا عن واقع مدينة القدس، السيد إلبرت خالف كل السائد في الإعلام ليقول لنا ان واقع القدس مبالغ فيه وأن القدس بخير، فما زال ثلاثون ألفا من أهلها صامدون، لم يتوقف عند إجراءات التهويد ولم تستوقفه تلك الإجراءات لم يتحدث عن معاناة التجار الذين كان أنينهم خفيفا ربما بفعل المونتاج الذكي، الذي انسجم تماما مع رأي مستر إلبرت، الذي صور لنا القدس مكان ساحر لا توجد فيها منغصات، وأنها واحة تعج بالحياة والخصب، وقلل من شأن الاستيطان والتهويد إلى درجة أحسست معها أن مستر إلبرت الباحث – كما وصفته- العربية جاء ليقول تماما ما تريد العربية أن تقوله عن القدس الصابرة المستهدفة بأهلها واقتصادها ومقدساتها، بدا السيد إلبرت مشرقا وكأنه يتحدث عن سويسرا.
ليس السيد إلبرت مسؤولا عن تجاوز القبح الصهيوني على فضائية لها خصوصيتها ولها صوتها، مثل العربية، بل من قدم وأعد ونفذ، كان من الممكن أن يقول إلبرت ما يشاء، ويترك المجال لباحث آخر ليقول للمشاهد مالا يريد البرت أو العربية قوله على سبيل المصداقية والحياد، إذ ليس من الممكن أن يستخف الطرفان بالعقول إلى هذا الحد، فالقدس تسير نحو الهاوية تهويدا وتشويها واستيطانا.
لم يكتف السيد إلبرت بتجاوز القبح الصهيوني في مدينة القدس، بل كان له فرصة سانحة ليتحدث عن مآثر الصليبين فيها وكأنه يريد أن يسوغ لأي احتلال أن يغير في وجه المدينة المقدسة، واستنكر التراشق الاعلامي حول القدس وأراد أن يوحي لنا بأن القدس دولية وللجميع فيها حقوق تاريخية السيد إلبرت سعيد بسوق الصرافة والصاغة الذي أضافه الصليبيون إلى مدينة القدس، وهو يشير إلى ذلك بغبطة عالية. ويشتشهد بكتاب جاء به خصيصا لهذه الغاية ليعرضه على شاشة العربية.
لم يتوقف السيد إلبرت، عند المتغيرات السلبية التي أحدثها الصليبيون والصهاينة، ولم يتطوع أحد المذيعين العظيمين اللذين حاوراه لتعميق الحوار لوضع النقاط على الكلمات الغامضة أو تعميق الحوار بسؤال واحد عن مظاهر التهويد وتشويه المعالم بل إن كل ما جادت به قريحة المذيعة بأن حملت الزمان ماآلت إليه القدس دون أن تشير إلى الفاعل الذي أزرى بهذه المدينة المقدسة. لا أدري من من الطرفين أراد أن يقول لنا اطمئنو ياعرب القدس بخير، معاناة اقتصادية متواضعة لتجار القدس فقط وما يقال هنا وهناك محض افتراء. عيب لا تستخفوا بعقول الناس ولا تزوروا الواقع إلا إذا افترض السيد إلبرت والعربية ان المشاهدين كلهم من المهابيل والسذج لتنطلي عليهم حيلة السم بالسم.
د. أحمد عرفات الضاوي