القدس ليست كباقي المدن

حجم الخط
0

كل رؤساء البلديات ينتخبون كي يهتموا برفاه سكانها، ويطوروا ويحسنوا جهاز التعليم، ويهتموا بنظافة الشوارع وسلامة الأرصفة والأضواء والحدائق، والمياه والمجاري، وإخلاء القمامة، والتنمية والتطوير، والتخطيط والبناء وترخيص الأعمال التجارية وحياة المجتمع والثقافة والدين.
على رؤساء بلديات العواصم في العالم تقع أيضًا ملفات غير صغيرة، كون هذه المدن منزلالمؤسسات الدولة، ولضيوفها الرسميين ولمتظاهريها الغاضبين.
ولكن رئيس بلدية القدس هو أكثر من هذا بكثير، ربما كتب عن ذلك الشاعر المقدسي يهودا عميحاي: «محزن أن يكون المرء رئيس بلدية القدس، فكيف يكون الشخص رئيس بلدية كهذه؟ ماذا يفعل فيها؟ يبني ويبني ويبني، وفي الليل تقترب حجارة الجبال من حول البيوت مثلما تأتي الذئاب لتعوي على الكلاب التي أصبحت عبيد الإنسان».
من سبقونا ادعوا بأن اسمها يأتي من كلمتي (مدينة) و(سلام)، ولكن كل من تعرف على تاريخها يعرف أنه منذ اليوم الذي تشكل فيها وجه أرضها بتأثير الشرخ السوري الإفريقي قبل ملايين السنين وحتى اليوم، لم تكن فيها قط فترة سلام حقيقي. أينما تحفر في المدينة لتزرع شجرة أو تمد سكة قطار ستجد فيها آثار خرائب وحرائق، وحروب وصدامات. في القدس قاتلوا على كل شيء، على الاسم وعلى الماء، وعلى الرب وعلى الحكم. هذه المدينة الأقدس للشعب اليهودي، والمسيحيون والمسلمون أيضًا يشيرون إلى أماكن مقدسة لهم في داخلها. من أقصى العالم يأتي الملوك والقياصرة لاحتلالها ولضمها إلى أملاكهم وإمبراطوريات جعلتها هدفًا، هي لا تذكر في القرآن (ملحوظة المحرر: المسجد الأقى مذكور في سورة الإسراء)، ولكن لاعتبارات سياسية حاول المسلمون أيضًا أن يعزوها لهم، والكنيسة المسيحية جندت مئات الآلاف لحملات صليبية لاحتلالها من أيديهم.
ولكن للشعب اليهودي وحده كان هيكل ومدينة ملكية، العاصمة، وليس لأي شعب آخر. وحتى اليهودي الذي يتزوج في أقصى العالم يتذكر خرابها على رأس فرحته، ومئات الأجيال أعلنوا الحداد في التاسع من آب/أغسطس، وصبوا في داخلها أنهارًا من الدموع وأماني الخلاص. كما أن الحجاج الأجانب يأتون إلى بواباتها لتقبيل حجارتها أو يعبروا فيها عن أعراض متلازمة القدس لديهم والجنون عليها. كل حجر يبنى أو ينقل من مكانه في هذه المدينة من شأنه أن يثير عاصفة في قلوب الكثيرين، فيكشف ماضيًا سابقًا وفاخرًا أو يفسد قدسية أو يثير حربًا دينية.

دولة إسرائيل ليست موجودة من أجل مواطنيها فقط بل من أجل كل اليهود في العالم

وعليه، فإن رئيس بلدية القدس، حتى عندما يخطط لخط مجاري، يعرف أن ثمة مضاعفات دولية قد تكون لمسار الحفر. طريق في القدس ليس مجرد خط مواصلات، بل خط سياسي في المدينة التي هي في قلب الاهتمام العالمي. وإصلاح الجسر من ساحة المبكى إلى الحرم، إصلاح جسر انهار في عاصفة ثلجية قبل 15 سنة هو دعوة إلى الأردن والسعودية وتركيا وكل من هب ودب للتدخل في شؤوننا.
تركيب بوابات إلكترونية في مداخل الحرم ذريعة لاضطرابات واستسلام حكومي، وبناء حي هو خطوة تؤثر على نقطة التوازن الديمغرافي. ومثلما أن دولة إسرائيل ليست كباقي الدول في العالم لكونها الدولة الوحيدة التي لم توجد من أجل مواطنيها فحسب، بل من أجل كل اليهود في العالم، هكذا هي القدس تختلف عن باقي المدن في البلاد لأنها في عين الصراع بين اليهود العرب على بلاد إسرائيل، وفي الحروب الدينية الأقدم وفي صورها الحالية، وهي عاصمة كل أبناء الشعب اليهودي في كل مطارحه.
وعليه، فعندما يأتي سكان القدس لانتخاب رئيس بلدية، فإن عليهم أن يتذكروا بأنهم لا ينتخبون مقاول تنفيذ للشؤون البلدية فقط، بل قوة محرك سياسي للصراعات المركزية لدولة إسرائيل على صورتها كدولة يهودية. لأفعال أو قصور رئيس بلدية القدس آثار سياسية وقومية محملة بالمصائر، وقد سبق أن رأينا إنجازات ومصائب بسبب الميول السياسية لرؤساء البلدية في الماضي.
في القدس محظور على الناخبين أن يكتفوا بالوعود لتحسين التعليم، والصرف الصحي والإنارة. وهم ملزمون بأن يفحصوا أيضًا مواقف المرشحين بالنسبة لمكانة القدس في صراعنا القومي. لقد حظيت القدس منذ قيام الدولة بعدد من رؤساء البلدية ممن كانوا رجال رؤية وتنفيذ في تطوير المدينة، وكذا ممن أرادوا تقسيمها أو إعطاء مكانة لأعدائنا فيها. ولكن المدينة لم تحظ بعد برئيس بلدية يضع على رأس اهتمامه وظائف القدس القومية.
آمل أن يكون زئيف الكين رئيس البلدية التالي للقدس؛ لأنه الوحيد من بين كل المتنافسين الذي يعرف كيف يكافح كما ينبغي في سبيل قدس للشعب اليهودي كله، وليس فقط من أجل دافعي الأرنونا، ويعرف أيضًا كيف يقاتل ضد كل ميول السيطرة الأجنبية على المدينة، إذ إن الكثيرين في داخلها وفي العالم أيضًا لم يسلموا بعد بسيادة إسرائيل في المدينة الموحدة.

آريه الداد
معاريف 30/10/2018

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية