يحيي الناس في مصر هذه الأيام ثماني سنوات على ثورة الياسمين التي أسقطت نظام حسني مبارك، ولكن هذا ليس يوم عيد آخر. فالكثير من المصريين كان يسرهم أن يمحوا هذا الموعد من صفحات التاريخ ويتنازلوا عن «البهجة» التي جاءت في أعقابه: انعدام الاستقرار بل والفوضى في الشوارع، وسنوات حكم «الإخوان المسلمين» في الدولة.
حسني مبارك، الحاكم الذي أطيح به بالعار بل وقدم إلى المحاكمة وسجن، عاد ليصبح شخصية شرعية ومرغوب فيها. بل ودعي مؤخراً إلى المحكمة، ولكن ليس كمتهم بل كشاهد في محاكمة أولئك الذين أسقطوه، واستولوا على مكانه. مبارك، الذي في أواخر عهد حكمه اهتم المحللون بوضعه الصحي المتدهور وتنبأوا بموته القريب، يبدو في أفضل حاله. فبعد كل شيء، احتل مكانه في حجرة المعتقل كثير من شباب الثورة الذين أدوا إلى إسقاطه.
ولكن في مصر مثلما في مصر، هناك مكان لحاكم واحد، ألا وهو عبد الفتاح السيسي، المصمم على تحويل مصر إلى دولة حديثة ومتطورة ـ ليس في مجال حقوق الإنسان-لا سمح الله-بل في كل ما يتعلق بالقدرة على توفير الاستقرار والاحتياجات المعيشية الأساسية لأكثر من 100 مليون مواطن.
وهكذا فإن الكثير من المصريين سيتفقون مع القول الشائع في الشرق الأوسط، بأن الحق في الخبز، في مكان السكن وفي مصدر الرزق يسبق حق التعبير، فما بالك إذا تبين، من التجربة المصرية أو السورية، بأن هذه حقوق لا يستوي الواحد مع الآخر.
في حزيران الماضي، بدأ السيسي فترة ولايته الثانية من أربع سنوات. الدستور المصري، الذين تغير في أعقاب الثورة، يحظر في هذه الأثناء فترة ولاية ثالثة. ولا غرو أنهم في مصر بدأوا منذ الآن في بحث جماهيري ـ وربما حملة دعائية حكومية ـ في دعوة لتغيير هذا القيد، الذي سيجر السيسي على إنهاء ولايته بعد ثلاث سنوات.
المعضلة واضحة: تحدث السيسي في الماضي عن سلفه، حسني مبارك، عن أنه كان رئيساً ناجحاً، ولكنه بقي سنوات أكثر مما ينبغي على كرسي الحكم. ولكن السيسي لا يزال حاكماً شاباً، دينامياً ومفعماً بالنشاط، بحيث إن ما كان صحيحاً بالنسبة لمبارك ليس صحيحاً بالضرورة بالنسبة له.
إن أحد المجالات التي يحقق فيها السيسي المصلحة المصرية دون أن يكون منشغل البال أكثر مما ينبغي بالرأي العام المحلي، هو مجال العلاقات مع إسرائيل. فقد حرص مبارك على حفظ اتفاق السلام مع إسرائيل، ولكنه لم يجد اهتماماً أو حاجة لتوثيق وتعميق العلاقة التي بين الدولتين، ويحتمل أن يكون خاف من ردود فعل الشارع على كل خطوة تطبيع أو تنمية للعلاقات الأمنية والاقتصادية بين مصر وإسرائيل.
أما السيسي فلا يخاف من مثل هذا النقد، ويبدو أن الرأي العام في مصر ـ بالتأكيد النخبة الحاكمة في الدولة، لا تعارض تعميق التعاون الأمني والاقتصادي بل والسياسي مع إسرائيل، إذا كان الأمر يخدم المصلحة المصرية.
مصر ليست الوحيدة، فدول الخليج تسير في أعقابها بل وربما سبقوها، وقريباً ستنضم إليها أيضاً بعض من دول شمال إفريقيا. الحقيقة هي أن هذه ليست علاقات حب ولا تطبيعاً كاملاً للعلاقات مع حكومة إسرائيل، ولكن يخيل أن علاقات إسرائيل والعالم العربي ارتفعت درجة.
إذا كان استعداد العرب لإقامة علاقات سلام مع إسرائيل وجد تعبيره باعتراف العالم العربي بالحاجة إلى إنهاء النزاع والتسليم الاضطراري بوجودها، فإننا نجتاز الآن إلى مرحلة الاعتراف العربي بالفضائل الكامنة في تطوير العلاقات مع إسرائيل في صالح الطرفين.
فضلاً عن ذلك، إذا كان العرب قد توقفوا في الماضي في القدس كمحطة في طريقهم إلى قلب وجيب واشنطن، فإن إسرائيل الآن هي نفسها الهدف. فبالنسبة للكثيرين في العالم العربي أصبحت إسرائيل لاعباً إقليمياً شرعياً، ذا مكانة وقدرة تأثير، جدير بتوثيق العلاقات معه.
ينبغي الافتراض بأن هذا الميل سيزداد في ضوء رغبة واشنطن في فك الارتباط عن المنطقة وفي ضوء ظل طهران المهدد، تهديد هام ليس فقط من ناحية إسرائيل بل وأيضاً بالنسبة للكثيرين من جيراننا العرب.
ايال زيسر
إسرائيل اليوم 3/2/2019