القذافي الابن يستخف بعقول الليبيين

حجم الخط
0

محمد فاروق الإمام بعد انتظار طويل وممل خرج علينا القذافي الابن بخطاب يستخف به بعقول الليبيين، ويضعهم أمام أمرين أحلاهما مر: إما قبول مبادرته التي تدعو إلى الحوار والتبشير بالجماهيرية الثانية، بعد 43 سنة من القمع الممنهج وفي كل المجالات، أو الحرب الأهلية التي ستؤدي إلى تفتيت ليبيا وتقسيمها، وأن القذافي الأب مصمم على خوض تلك الحرب حتى الرجل الأخير والطلقة الأخيرة (كما قال)، محذراً الغرب من أن المعارضين لنظامه قد أقاموا إمارة إسلامية في بنغازي وأخرى في البيضاء، وأن على الغرب الذي رفض قيام مثل هذه الإمارات في افغانستان والصومال وخاض ويخوض حرباً ضدها، وهما البعيدتان عن حدوده آلاف الأميال، عليه ان يتحرك تجاه إمارات إسلامية متاخمة لحدوده، ستشكل الخطر الأكبر على وجوده واستقراره وديمومة تدفق النفط إلى بلدانه، وهو يشكل شريان الحياة بالنسبة إليهم. لقد ظن القذافي الأب أن بيد ابنه عصا سحرية، وأن بإمكانه تهدئة الشارع، وأنه بمجرد ظهوره على شاشة التلفاز وإطلاقه الوعود الوردية، سوف ينحني الشعب الليبي ويركن إلى الهدوء ويدفن شهداءه ويقرأ الفاتحة على أرواحهم ويسعى بجرحاه إلى المستشفيات، كي يضمد جراحهم، ثم يخرج إلى الميادين والساحات العامة تصدح حناجره بالروح بالدم نفديك يا ملك الملوك ويا عميد الحكام العرب، ولكن جاء رد الشارع الليبي بعكس ما ظن القذافي وابنه، حيث تنادت الجماهير من كل حدب وصوب إلى شوارع العاصمة طرابلس والمدن الليبية الأخرى غاضبة مما سمعت من القذافي الابن من عبارات التهديد والوعيد، فكان خطاب القذافي الابن كمن صب الزيت على النار، وزاد في هياج الجماهير سماعهم قول القذافي الابن وهو يخيرهم بين التراجع أو القتال. تكلم سيف الإسلام من دون أن تكون له أي صفة رسمية.. تكلم فقط لأنه ابن ملك ملوك أفريقيا، ونجل عميد الزعماء العرب ديكتاتور ليبيا وطاغيتها الأرعن معمر القذافي، وكيف للشعب الليبي أن يصدق هذا الرجل الذي يعرض مبادرته للحوار مع الشعب الليبي الثائر من دون تكليف أو وساطة من أحد، اللهم إلا من حيث موقعه المفروض على الشعب الليبي، والمفروض عليه أن يستمع لمثل هذا الرجل الذي ظهر على حين غفلة من الجماهير الليبية، كحال أبيه عندما قاد انقلاباً على إدريس السنوسي عام 1969، وتمكن من خلال ثوب الدجل الذي ظهر به على أنه المنقذ الذي سيحول ليبيا إلى جنة عدن في صحراء ليبيا الجرداء، ويجعل من ليبيا دولة في مقدمة الدول المتقدمة، وهي التي تنام على بحيرة من النفط هي التاسعة من حيث الحجم في العالم، وصدقه الناس وأتاحوا له الفرصة، فلم يحصدوا إلا التخلف والفقر والحرمان والذل والهوان والعبودية والفساد.

وصبر الشعب الليبي على هذا الرجل الأرعن صاحب الحماقات التي تذكرنا بالحاكم بأمر الله العبيدي، وأحكامه وقراراته وأفعاله وأزياء ملابسه واستخفافه بالشعب المصري، حتى أعلن في لحظة من لحظات جنونه أنه الإله الخالق والمحيي والمميت، الذي على المصريين عبادته من دون الله، وسن القوانين والفرمانات لفعل ذلك وأجبر الناس في القاهرة على السجود له كلما لاح لهم ظله أو مر في أسواقهم طيفه.

وهذا ما فعله القذافي في ليبيا.. استخف بالليبيين وبعقولهم لأكثر من ثلاثة وأربعين عاماً، وقد سن لهم النظرية الثالثة، وخط لهم الكتاب الأخضر وأمر الليبيين بأن يجعلوا منه كتابهم المقدس، وأطفا سُرج عقولهم، وأقام اللجان الشعبية وعين أمناءها من المقربين وأفراد حاشيته وأبناء عشيرته، وجعل من هؤلاء الأمناء الحكام الحقيقيين لليبيا والمتحكمين برقاب الليبيين وأرواحهم وأموالهم وعقولهم، وكانت النتائج تحجيم الطاقات البشرية، وتبديد الثروات الوطنية الهائلة، وتجهيل الشعب الليبي، وحرمانه من أبسط حقوقه الإنسانية في التعليم والصحة والمسكن والعيش الكريم وحرية التعبير، رغم ما تدره أرض ليبيا من مليارات الدولارات سنوياً من عائدات النفط والغاز، وإدخال ليبيا في صراعات دولية وأعمال إرهابية لا ناقة لها بها ولا جمل، وهدر الأموال في قضايا لا تخدم مصالح ليبيا أو تحقق لشعبها أي مكاسب (دعم حركات انفصالية مناهضة لأنظمتها، كالجيش الجمهوري في ايرلندا، وحركة إيتا في إسبانيا، وإسقاط طائرات مدنية كطائرة لوكربي، والتعاون مع كارلوس وأبي نضال، وغيرهما من الإرهابيين لارتكاب جرائم ضد معارضيه ومناوئيه)، وهذا ما جعل العالم يصنف العقيد القذافي بأنه ممول للإرهاب ويقود دولة إرهابية، وهذا كلف ليبيا والشعب الليبي مليارات الدولارات، ثم ما لبث أن نكص على عقبيه بعد غزو أمريكا للعراق وسقوط النظام البعثي فيها، فارتعدت فرائصه لهذا المشهد، وهبَّ ليعلن بكل انكسار وتزلف توبته واستسلامه المشين للغرب، حيث قدم ما كان قد اشتراه من وقود نووي ومخططات لإقامة مفاعلات نووية إلى الولايات المتحدة، والتحريض على عالم الذرة النووي الباكستاني عبد القدير خان، الذي صنع القنبلة الذرية الباكستانية متهماً إياه بأنه هو من تعاون معه لجعل ليبيا دولة نووية، وهذا كلف الخزينة الليبية عشرات المليارات من الدولارات، التي كانت كفيلة بجعل الشعب الليبي يعيش في بحبوحة من العيش تفوق ما يتمتع به نظيره في الدول الاسكندنافية والخليجية.

اليوم.. وبعد نجاح ثورتي تونس ومصر راح الشعب الليبي يتنفس نسمات الحرية التي طالما تاق إليها من هاتين الثورتين، التي أخذ أريجها يعانق سماء المنطقة، فقرر الثورة واللحاق بهما، وهو ليس أقل منهما حاجة إلى الحرية التي افتقدها لأكثر من ثلاثة وأربعين سنة ذاق خلالها مر العذاب والضيم والإذلال والتفقير والتجويع والسجن والاعتقال والقتل والنفي، وآن له ان يثور في وجه هذا الطاغية وينتزع حقه منه مهما كان الثمن الذي سيكون أقل كلفة من البقاء يرسف بالأغلال والعبودية، فانتفض كالبركان الثائر في معظم المدن الليبية من شرقها إلى غربها، يسترخص الأرواح والمهج، ‘فللحرية الحمراء باب بكل يد مضرجة يدق’، ممزقاً ثوب العبودية، داكّاً حاجز الخوف، معلناً بملء فيه (الشعب يريد إسقاط النظام)، ولم يتورع سدنة النظام وعبيده من مقابلة الشعب الغاضب وهو يعلن عن رفضه لبقاء هذا النظام بالوسائل السلمية التي كفلتها له الشرائع السماوية والقوانين الأرضية، لم يتورع رعاع النظام من تصويب بنادقهم الجبانة الغادرة إلى صدورهم العارية ورقابهم المشرئبة المتطلعة إلى الحرية، ليسقط المئات من الشباب الثائر بين قتيل وجريح برصاصهم المسبوك، حتى أنه قيل ان ما فعله القذافي بالمحتجين الليبيين لا يقل وحشية وبشاعة عما فعله الصهاينة بأهل غزة.

اليوم وبعد اليوم السادس من ثورة الغضب التي اشتعلت في ليبيا لا يزال الثائرون مصممون على الذهاب في ثورتهم بعيداً حتى يسقط النظام الفاشي الذي استعبدهم وأهانهم وأذلهم لأكثر من ثلاثة وأربعين عاما غير آبه بما يقدم من ضحايا على مذبح الحرية التي لابد له من انتزاعها من مخالب الطاغية الأرعن معمر القذافي، وإذا ما اراد الشعب الليبي الحياة فلابد أن يستجيب القدر.’ كاتب سوري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية