الأجساد الرئاسية العربية معظمها أصبحت متآكلة بفعل عوامل نحت الزمن. فالترهل الذي أصاب الأداة السياسية العربية، واجتاح أنظمتنا العربية، أصبح مؤشرا على شيخوخة سياسية بارزة، وعلى موت سريري وشيك، بدأ يدب في جسمها السياسي. لقد رأينا في الأيام القليلة الماضية، أثناء اندلاع الثورتين المباركتين التونسية والمصرية، كيف كان يطلع علينا، على شاشة التلفاز، وجه الرئيس المصري المخلوع، وقبله وجه الرئيس التونسي، ونرى الآن كيف تطلع علينا وجوه رئاسية أخرى.. وجوه عبوسة ومتجهمة من فرط ما أصابها من الفزع الأكبر.
والان، بعد هذا كله، هل يشذ وجه القائد الليبي عن هذه القاعدة؟ أم هل يمكن القول ان ‘ثورة الفاتح العظيم’ هي الأخرى، أصبحت في مهب رياح ثورة التغيير؟ سؤال يستمد مشروعيته من دالتين مركزيتين: الأولى تجسدها لنا مظاهرات شباب ليبي بدأ يستوعب الدرسين التونسي والمصري، ويطالب بأشياء أرقى، لا تتوفر له من قبل النظام الليبي السائد. أشياء بدونها لا تكون حياة الإنسان كريمة، أشياء حياتية حرم منها المواطن الليبي منذ أزيد من أربعة عقود. يتعلق الأمر بالديمقراطية والحرية والعدالة الاجتماعية، مبتغى كل شعب يريد الحياة ويريد أن يستجيب القدر. فالسماح للأصوات المتعددة بان تقول كلمتها بكل حرية ومن دون أية قيود، بدل الصوت الواحد الذي يدعي أنه هو الوحيد الذي يمتلك الحق في أن يقرر مصير شعب من الشعوب، أصبح الآن مطلب ومبتغى كل بيت ليبي. والثانية، يجسدها لنا الوجه الرئاسي الذي ينبغي الاشتغال عليه، كمادة أنثروبولوجية دسمة: يقدم الاعلام المرئي الليبي الرسمي، بوعي أو بدون وعي، صورة كاريكاتورية للرئيس معمر القدافي، وذلك من خلال التركيز على ملامح وجه رئاسي يظهر القوة والشموخ والبأس والشكيمة، ملامح لوجه صنمي جامد القسمات، لكن سرعان ما تتبدد تلك المظاهر الخداعة، لتتكشف للعيون البصيرة وكأنها ملامح لكركوز، بشعر كثيف شديد السواد، وهيئة قزمية مضحكة. كركوز صنع لكي يجسد مسرحية هزلية مبتذلة، أوشك أن يسدل الستار عن آخر فصل من فصولها. عبد الجبار الغراز المغرب