صحف عبريةالاحتفالات في طرابلس كانت تاريخية: بعد 22 سنة من الطغيان الفاسد والمتوحش، في اثنائه تعطلت كل محاولة لاقامة معارضة له؛ وبعد ستة اشهر من سفك الدماء، نجح الثوار في السيطرة على العاصمة الليبية. مكان وجود حاكم ليبيا معمر القذافي نفسه وإن كان لا يزال غير معروف، وصحيح حتى كتابة هذه السطور القتال لا يزال مستمرا، الا انه في نفس الوقت واضح ان القذافي فقد نهائيا الحكم ويمكن للثوار ان يعلنوا النصر. السؤال، الان، هو ماذا سيحصل للدولة في اليوم التالي لسقوط الطاغية. رغم الفرح، التهنئة والاحتفال الجاري في الشوارع بالتوازي مع معارك اطلاق النار والدبابات، لا يزال ليس لليبيا ما يكفي من الاسباب للفرح. القذافي اسقط، الدكتاتورية انتهت، ولكن المستقبل مبلط بعلامات الاستفهام: هل القبائل المتخاصمة في ليبيا ستنجح في التغلب على الخصومات فيما بينها وعلى الكراهية الاقليمية؟ هل زعماء الثوار سينجحون في فرض النظام في الفوضى السائدة في ليبيا وفي داخلهم ايضا؟ هل ليبيا ستنجح في الامتناع عن حرب أهلية طويلة، او عن التدهور الى وضع دائم من الثورات الداخلية، مثلما في العراق؟ الاجوبة على هذه الاسئلة ستحسم كيف ستبدو ليبيا، وهل ستنجح في المستقبل في اعادة بناء اقتصاده. في اليوم التالي للقذافي، من سيسيطر في ليبيا هو المجلس الانتقالي الوطني ـ لجنة حكم الثوار. معظم الدول في الغرب تعترف بالمجلس كممثل شرعي للشعب الليبي. ومن المتوقع منه أن يعيد النظام بعد ان يتوقف القتال. ومع ذلك، هناك شكوك خطيرة حول قدرة المجلس ـ الذي يعمل اليوم دون حكومة بعد أن أقالها رئيس المجلس مصطفى عبد الجليل ـ على فرض النظام في الدولة. قبائل في غربي الدولة أعلنت منذ الان بانها لن توافق على تلقي الاوامر من المجلس، كون الثورة ولدت في شرقها. في الطريق الى تحولها الى دولة ديمقراطية، يتعين على ليبيا ان تتصدى للعائق الاكبر: ليس لها تجربة في الديمقراطية. على مدى 42 سنة من حكمه، حرص القذافي على شق صفوف المجتمع الليبي الى عشرات القبائل والفصائل المتنازعة، فيما حرص على تصفية قواعد قوة القبائل الاقوى والاكبر. هذا كان مصدر قوته، بحيث أنه على مدى عشرات السنين لم يتوفر في المجتمع الليبي معارضة أو صوت بديل لصوت الحكم. كما ان هذا هو السبب الذي لم يجعل امكانية لان تتطور في ليبيا طبقة وسطى على مدى السنين أم اتحادات مهنية أو رموز اخرى للمجتمع المدني. ويدعي المجلس الانتقالي بانه أعد وثيقة تفصل الخطوات التي ينبغي اتخاذها بعد اسقاط القذافي ولكن حسب التقديرات ستكون حاجة الى ما لا يقل عن 18 20 شهرا لخلق الاطار السياسي لحكومة جديدة في ليبيا، على فرض ألا تنزلق الدولة الى وضع من الحرب الاهلية. الاولوية العليا، على فرض أن المعارك ستتوقف، هي لاستئناف الخدمات الاساس لسكان ليبيا، كالمياه، الكهرباء والغذاء. البنك الدولي أعلن منذ الان عن استعداده لتقديم المساعدة، ورئيس وزراء بريطانيا، دافيد كمرون قال ان بلاده يمكنها أن تفرز قريبا املاكا مجمدة للقذافي في الدولة بهدف مساعدة الثوار. رغبة الدول الغربية، الان، هي الامتناع عن موجة من السلب والنهب والقتل كالتي وقعت في العراق بعد اسقاط صدام حسين. استئناف انتاج النفطبالتوازي مع اقامة اطار سياسي متفق عليه، سيتعين على الثوار ايضا ان يعيدوا بناء الاقتصاد الليبي، الذي يحتاج الى سنوات طويلة لترميه من اضرار القتال. المفتاح هو استئناف صناعة النفط في الدولة مصدر الدخل الاكبر لها، المسؤول اليوم عن 80 في المائة من مداخيل الحكم. انتاج النفط في ليبيا، التي أنتجت في الماضي نحو 1.6 مليون برميل نفط خام في اليوم، توقف تماما في أعقاب القتال وفرار شركات النفط الاجنبية وعامليها. المفتاح الثاني هو اعادة الاملاك الاجنبية بمبلغ 150 مليار دولار 160 في المائة من الانتاج المحلي الخام في الدولة التي تحتفظ بها ليبيا في دول، بنوك وعقارات في العالم، معظمها جمدتها الحكومات الاجنبية. صندوق الاستثمار الحكومي الليبي، الذي استثمر ضمن امور اخرى في شركات ‘بلو تشيف’ في اوروبا، مثل بنك اونيكراديت الايطالي وبيرسون البريطاني، يحتفظ باملاك بمبلغ 70 مليار دولار، اضافة الى أرصدة بمبلغ 110 مليار دولار توجد تحت تصرف البنك المركزي. على المدى القصير يمكن للثوار الليبيين ان يسحبوا الاموال من الصندوق للمساعدة في اعادة بناء الاقتصاد. نجاح صندوق الاستثمار الحكومي، الذي حقق مردودا كبيرا بمعدل 6 في المائة في أعوام 2006 2009 في الوقت الذي سجلت فيه صناديق اخرى خسائر، أدى بليبيا ايضا الى رفع تصنيفها الائتماني العالي نسبيا بمنسوب ‘BBB زائد’، والذي خفض حاليا في أعقاب الاضطرابات.’لا يزال لليبيا امكانية كامنة كبيرة’، قالت ليز مارتينز، اقتصادية كبيرة في قسم الشرق الاوسط في بنك HSBC البريطاني لرويترز. ‘لا يزال لديها الكثير من النفط والفرص الرائعة للنمو الاقتصادي’. ومع ذلك، فان نصف سنة من الحرب الاهلية كلفت الاقتصاد الليبي نحو 50 مليار دولار ـ حسب تقديرات الحكومة. قبل بدء الانتفاضة كانت ليبيا تعتبر اقتصادا صاعدا. فالانتاج المحلي الخام فيها نما في 2010 بوتيرة كبيرة 10.3 في المائة ـ حسب معطيات صندوق النقد الدولي وذلك بفضل الارتفاع في انتاج النفط. وبعد أن بدأت الدول الغربية في رفع العقوبات عن الدولة، بدأت الاستثمارات الاجنبية تتدفق، وجاء معها مئات الاف العاملين الاجانب الذين شغلوا وظائف لا يرغب مواطنو ليبيا في اشغالها، كالبناء وجمع القمامة. عشرات الشركات الاجنبية تنافست على نصيب في سوق البناء الليبي، بينها شركة ‘شنهن’ الكورية الجنوبية التي شغلت 2.500 عامل اجنبي من كوريا الجنوبية في الدولة؛ وصناعة السياحة كانت في طريقها الى الازدهار. توقعات النمو هذه تعارضت وواقع بشع من الرأسمالية للمقربين، حيث وزع القذافي ورفاقه الاقتصاد على أنفسهم بينما كان معظم السكان يعيشون في فقر مدقع. الان، بالذات بعد لحظة السعادة الكبرى، تقف ليبيا أمام عدة علامات استفهام هي الاكبر في تاريخها. فقد اعتمد الثوار حتى الان على المساعدات الاجنبية والقروض الدولية، اضافة الى الاملاك الاجنبية المجمدة لنظام القذافي. ولكن الى جانب الاضرار الاقتصادية الهائلة التي ألحقتها الحرب، سيتعين عليهم ايضا التصدي للارتفاع في اسعار الغذاء والادوية، دفع الرواتب للقطاع العام، نزاعات اقليمية مريرة من شأنها أن تثقل على استئناف عمل مصافي البترول وطوافات التنقيب والتصدي للمبنى الاشكالي للاقتصاد الليبي، الذي يعتمد في معظمه ان لم يكن بأسره على النفط. حتى الان ما وحد الثوار في ليبيا كانت الكراهية للقذافي ـ أما الان فما أن سقط، فان الخطر الاكبر على الاقتصاد والدولة هو ان يتذكروا كم هم يكرهون الواحد الاخر. هآرتس 23/8/2011