القذافي وحّد الشعب ضده ونظامه انتهى يوم خرج التونسيون للشارع.. انتقادات للنفاق الغربي وخيبة امل من سيف الاسلام

حجم الخط
0

لندن ـ ‘القدس العربي’: السؤال المطروح الان هو الى اين سيذهب القذافي بعد ان اعلن انه ليس في فنزويلا، وما هي طبيعة النظام الذي سيبرز من بعده، وفي ظل الطريق الدموي الذي ابتدعته في هذه اللحظات يبدو الغرب الذي عول على ابنه الاصلاحي غير قادر على تقبل سيف الاسلام المتعلم في مدرسة لندن للاقتصاد. ويبدو ان القذافي في هذه الفترة عدو نفسه وضحية عقود من الحكم التي الغى فيها الدولة واحل محلها ما اسماه بحكم الجماهير، واعطاها الحكم وظل هو الحاكم المطلق، والان انقلب السحر على الساحر، فقد انتفضت الجماهير ضده، بطريقة اظهرت الدمار الذي احدثته عقود من الحكم عليهم وعلى نفسيتهم. فالقذافي لم يقم بتقوية المؤسسات التي ورثها عن الحكم الملكي الذي ثار على فساده بل هدمها وادت بيروقراطية الدولة الجديدة الى احلال فساد بفساد. وما يخشاه الكثيرون هو وجهة ليبيا بعد القذافي ظل غياب مؤسسة الدولة. فقد استخدم سيف الاسلام ورقة الحرب الاهلية، والفوضى التي لن تنتهي الا بعد اربعين عاما واشار الى النفط، فيما حذر مراقبون من موجات من اللاجئين الذين سيتركون البلاد. وتظل التحليلات هذه اولية وفي الغالب تفاجئ الجماهير توقعات المحللين، خاصة بعد ثورتي مصر وتونس.

من سيحكم ليبيا؟ وتشير صحيفة ‘الغارديان’ الى غياب ثقافة المعارضة في ليبيا مقارنة بالتجربة المصرية والتونسية الغنية على علاتها. ومن هنا يبدو منظور التحول في ليبيا محفوفا بالمخاطر في ضوء العنف الذي مارسه النظام الليبي في لحظاته الاخيرة. فالجيشان في تونس ومصر اختارا الوقوف مع الجماهير وعدم اطاعة اوامر الرئيس بن علي في الحالة التونسية، واتخاذ موقف الحياد الحذر في الحالة المصرية. بالنسبة لليبيا فجيشها غير متماسك. والنظام القبلي وان لعب على تناقضاته النظام اضعف واصبح مصدرا للتجزئة فالجندي او المواطن الليبي بات يعرف نفسه بالهوية القبلية. وترى ‘ الغارديان’ في افتتاحيتها ان اسلاميي ليبيا لم يمروا بنفس التجربة التي مر بها جيرانهم المصريون او تحولات الحركة الاسلامية التونسية. وترى ان جارة ليبيا المصرية كان يمكنها لعب دور مهم في الازمة الحالية او عملية التحول لو تنشغل هي نفسها بالوضع الجديد فيما بعد رحيل مبارك. وتظل الجامعة العربية غير قادرة وعاجزة وبدون صلاحيات لتمارس دورا مهما في عملية تحول سلمي ونقل للسلطة. وعليه فعملية نقل السلطة قد تكون رهن الدبلوماسيين الذين انفضوا مثل العقد عن القذافي. وترى ان عبدالمنعم الهوني، سفير ليبيا في الجامعة العربية الذي وصف الاحداث في ليبيا بانها ‘ابادة’ قد يكون نواة حركة اصلاحية، لكن هذا الخيار بعيد في ظل تعنت ابناء القذافي. وتشير الصحيفة الى ان القذافي ليس هو صانع مأساة ليبيا وحظها العاثر الوحيد. مشيرة الى اعتراض المستشرق ليون كايتني على خطة ليبيا توحيد الولايات العثمانية في دول واحدة في ليبيا عام 1911 حيث قال ان ليبيا لا طرق فيها ولا سكك حديد ولا بنايات لا شيء، لا شيء، لا شيء’. ومع اندلاع الحرب العالمية الثانية فقد اخذت معها القليل مما بنته ايطاليا من بنية تحتية، وعندما استقل البلد كان من افقر دول افريقيا. ومع ان النفط قدم لليبيا اقتصادا من نوع ما الا ان كلمات كايتني ظلت صحيحة. فتاريخ ليبيا الحديث اتسم بثلاث سلاسل منها الحكم التركي القاسي والاستعمار الايطالي الشرس تخللته معركة العلمين بين رومل ومونتغمري، ثم اربعة عقود من حكم القذافي. وتشير الصحيفة الى ان سنوات الثورة الاولى كان لها منطقها المتساوق مع مشاعر الجماهير خاصة فيما يتعلق بملكية البلد والتدخل الخارجي الذي حرم الليبين من ثرواتهم، وعبرت سياسته عن مشاعر الجماهير التي لم تكن تثق بالدولة التقليدية التي مثلها الملك، لكن النزعة الديكتاتورية التي بدت في الصور المعلقة في كل مكان تقريبا من ليبيا، غيرت كل شيء. وتشير الى تقرير لجنة رباعية عام 1948 الى ان الليبيين في تلك الفترة لم يكونوا يأبهون باي شكل من الحكومة تحكمهم لكنهم الان يبدون وبشكل مطلق لا يوافقون على طريقة حكمهم. وهذا ليس انجازا للقذافي ولكنه نتاج لسنوات حكمه الشرسة والجنونية. وتعتقد قائلة ان القذافي اعطى الليبيين الان الوحدة التي ظلت تتملص منهم.

كل شيء منهار وعلى الرغم من ان المحللين بدأوا ينظرون الى مرحلة ما بعد القذافي الا ان حكم 40 عاما يجعل من التنبؤ بالمستقبل امرا عسيرا، فهو مثل الصندوق الاسود وبحسب جورج جوفي من جامعة كامبريدج ‘كل شيء ممزق ولا توجد هناك قيادة واضحة’، فقد حول النظام السياسيين اداة له فمن كان يملك السلطة هم عائلة القذافي او القبائل. ويرى تحليل في ‘التايمز’ انه خلال حكم القذافي فان قلة من رؤساء القبائل تم اختيارهم من القبائل غير قبيلته، فيما وجدت القبائل التي استبعدت عن الحكم نفسها في لعبة منافسة مع القبائل الاخرى، فقد استخدم القذافي الجيش والسياسة من اجل جلب ولاء العشائر له. وبخسارة القذافي ولاء العشائر له فان مصيره بات محتوما، خاصة ان مركز قوته ظل في طرابلس التي تعيش فيها النخبة التجارية التي اشترى ولاءها مقابل منحها حصة من ثروة الدولة ولكن احداث الايام الاخيرة اثبتت ان القذافي لم يعد قادرا على السيطرة على العاصمة.

الغرب ونفاقهوفي هذا السياق عبرت الصحف البريطانية عن نقدها لما اسمته تسرع الحكومات الغربية لاخراج القذافي من الظلام وتقديمه كرجل منفتح ويريد الاستقرار. ورأت صحيفة ‘اندبندنت’ في واحدة من افتتاحياتها ان بريطانيا تسرعت في تعاملها مع القذافي (صفقة في الصحراء) (2007) مشيرة الى فهم المؤسسة البريطانية لخطورة القذافي للامن البريطاني وسكانه، فهي وان قالت ان فكرة تورط عبدالباسط المقرحي في تفجير طائرة بانام الامريكية عام 1988 وان كانت مثارا للاسئلة الا ان دعم القذافي للجيش الايرلندي الحر لم يكن احد يشك به. ولكن زيارة توني بلير لليبيا وضمه القذافي للمجتمع الدولي والتي كانت نتاجا للاطاحة بصدام حسين انهى كل هذا. وتقول ان هذا الترحيب جاء مقابل تنازلات رمزية. لكن ما تم لم يكن مجرد اعادة علاقات دبلوماسية بل مصالح تجارية هائلة وادت بالشركات البريطانية الى التدفق على ليبيا. واشارت الصحيفة الى ان العلاقة لم تكن مجرد علاقة دبلوماسية بل صارت صداقة، خاصة بلير ومعه رجال الاعمال. وتختم قائلة انه مع ترنح النظام في طرابلس فقد يعضون اصابع الندم على تسرعهم. وبنفس السياق قالت صحيفة ‘فايننشال تايمز’ في افتتاحيتها انه من المدهش ان النفط الذي جلب الى القذافي الاستقرار في المحافل الدولية فشل في شراء علاقة هادئة مع شعبه. ومع انه من الصعب معرفة ما يحدث في ليبيا، الا ان الدرس الصعب الذي تعلمه القذافي من مصر وتونس هو ان التحرك القمعي والسريع ضد شعبه قد ينقذه.

وفي تحليلها لملامح الوضع الليبي من ناحية غياب المؤسسات وما عمله القذافي من اجل البقاء مع الجيش والقبائل فان رحيله وان كان مرحبا به الا ‘اننا نعيش في ازمان صعبة’ وما هو مؤكد ان لا عودة للزمن الماضي او الاستقرار الخادع فالمستقبل بيد من سيصنعه. نهاية الديكتاتوروبدت ‘التايمز’ قاسية في تحليلها حيث عنونت افتتاحيتها ‘نهاية الديكتاتور’ وعبرت فيها عن خيبة املها بنجل القذافي سيف الاسلام. ووصفت نظام حكمه بانه عائلي ويشبه الان الايام الاخيرة لصدام حسين من ناحية التصريحات العلنية للنظام. وقالت ان ‘ايام العقيد القذافي باتت معدودة عندما نزل الشعب للشوارع في الجارة تونس، فدولة القمع التي اقامها ليست مستعدة لقوة الشعب واحتجاجه، والامتيازات الدبلوماسية التي حصل عليها مقابل تنازلات قليلة كانت متسرعة، ورحيله المتأخر سيأتي الان سريعا’. مصير القذافيقال سيف الاسلام نجل القذافي ان الزعيم ونظامه سيقاتلان حتى اللحظة الاخيرة، لكن سيناريو الرحيل بدأ بشائعة الهروب الى فنزويلا، ومع ذلك ظل السؤال حاضرا، هل سيتبع القذافي بن علي للسعودية على الرغم من خلافاته مع الدولة ومهاتراته مع ملكها، وهل سيقبله حليفه الايطالي، سيلفيو برلسكوني الذي يواجه نفسه مصاعب بسبب فضائح جنسية، ام سيبحث عن ملجأ في واحدة من ممالكه الافريقية حيث انها توجته ملك ملوك افريقيا؟ ففي قراءة لمصائر حكام شموليين افارقة فانهم انتهوا في مناف لم يريدوها او خططوا لها: عيدي امين انتهى في ليبيا ثم السعودية، موبوتو سيسيكو- الكونغو انتهى اولا في توغو واستقر في المغرب، حسين حبري- تشاد لجأ الى السنغال، تشارلس تايلور – ليبيريا رحب به رئيس نيجيريا ثم سلمه لمحكمة جرائم الحرب الدولية، مانغستو هيلا مريام ـ اثيوييا انتهى في زيمبابوي. ومن الدول المرشحة لهروب القذافي لها حسب الغارديان، بوركينا فاسو، تشاد وغينيا الاستوائية، وجنوب افريقيا وفنزويلا اضافة للسعودية. فالاخيرة فرشت سجادة الضيافة لمنفيي باكستان- مشرف ونواز شريف، وعيدي امين واخيرا زين العابدين بن علي، لكن السعودية مستبعدة نظرا للتاريخ المضطرب في العلاقة بين القذافي والمؤسسة السعودية. ويرى المحللون ان فنزويلا تظل الخيار الاقوى خاصة علاقة الزعيم القوية برئيسها، واستمتاع القذافي بالتسوق في واحدة من جزرها اثناء قمة دول الثماني عشرة. فيما زار تشافيز ليبيا وحمل واحد من ملاعبها الرياضية اسمه. ولكن ملك ملوك افريقيا قد يجد من بين اصدقائه الكثر في القارة من يمنحه اللجوء، وحسب محلل في مركز لحل الازمات في جنوب افريقيا فان اصدقاءه الكثر لا يعني عدم خوف الكثيرين منهم من منحه الملجأ الآمن. وقال ان الكثير من الحكام الافارقة الخائفين على مراكزهم سيفكرون مرتين كي يمنحوه اللجوء. ولكنه قد يجد في تشاد مكانا للجوئه خاصة انه انهى نزاعا معها، وقد ترحب به السنغال التي وضع الحجر الاساسي فيها قبل خمسة اعوام لبناء برج القذافي بقيمة 154 مليون جنيه استرليني. وقد يعيد صلاته مع روبرت موغابي او مع بليس كومباري- رئيس بوركينا فاسو او مع رئيس جمهورية غينيا الاستوائية الذي يعد من حكام افريقيا المعمرين بعد القذافي. ويرى محللون ان القذافي قد يجد في رئيس بوركينا فاسو سندا. ولكنهم يشيرون الى مزاجية الحكام الافارقة وانهم كانوا يذهبون الى خيمته ويستمعون لنصائحه ومن وراء ظهره يسبونه. ومن بين اصدقاء القذافي الخلص، نيلسون مانديلا الذي لم ينس خدمته لقضية الشعب الاسود في جنوب افريقيا، لكن مانديلا خارج الحكم وفي الـ 92 من عمره ولا يستطيع المساعدة وهو الذي قال ان من يشعرون بالغضب من صداقتنا مع القذافي عليهم ان يقفزوا الى البحر’. ومع ان جنوب افريقيا لا تزال تلعب دورا في استقبال حكام سابقين مثل هاييتي، جون برترناد ارستيد، ورئيس مدغشقر السابق مارك رافالومانا. فهل سيكون القذافي التالي؟

سيف والخيبة وركزت تحليلات في الصحافة البريطانية على حس الخيبة من نجل القذافي، حيث وصف محلل خطابه ليلة الاثنين بانه متمحور حول الذات ونرجسي وانهى صورته كمتحدث للغرب بلغة طلقة ورجل يعرف بمذاقه للبدلات الايطالية والعيش المرفه حيث اشترى بيتا في شمال لندن قيمته 8 ملايين جنيه. وفي اول رد على خطابه قامت مدرسة لندن للاقتصاد ـ جامعة لندن بابعاد نفسها عنه واصدرت بيانا جاء اكدت فيه انها ستعيد النظر في علاقاتها مع ليبيا وتحديدا مع جمعية سيف الاسلام القذافي الخيرية. وكانت المدرسة قد تلقت دعما من 1.5 مليون جنيه من اجل دعم برنامج للديمقراطية. ونقل عن مشرف سيف الاسلام في الجامعة وهو ديفيد هيلد قوله ‘مشاهدة سيف الاسلام وهو يتحدث متعبا ومتوترا، بصراحة في حالة صعبة وضع يذكر بتراجيديا شكسبير وتحليلات فرويد: شاب ممزق بين الولاء لعائلته ووالده وبين اعتقاده بالاصلاح وانه جاء من اجل تحقيق الديمقراطية وحكم القانون. والرجل الذي قدم الخطاب لم يكن الرجل الذي عرفته خلال تلك السنوات. وتشير وثائق ويكيليكس ان وصول القذافي عام 2002 الى الجامعة كان مدفوعا بفكرة تقديم مظهر عن النظام. وكان سيف الاسلام قد حضر للجامعة بتوصية من الباحث فريد هاليدي الذي توفي العام الماضي. وعندما وصل والتقى مع المدرسين اكد لهم ان والده هو الذي تحدث اولا عن الطريق الثالث وليس انتوني غيدنز المدرس في نفس الجامعة. ونشرت رسالة الدكتوراة التي قدمها للجامعة عام 2008 وكانت عن فشل نظام الحكم العالمي ‘دور منظمات العمل المدني في عملية دمقرطة مؤسسات الحكم العالمية’، واكد في مقدمتها على انه سيكرس عمله من اجل عملية الدمقرطة. واثناء وجوده في لندن التقى بالنخبة في بريطانيا منهم لورد ماندلسون وزير التجارة السابق. ولعب دورا مهما في اقناع والده للتخلي عن برامج اسلحة الدمار الشامل وكذا عمل من اجل اطلاق سراح المقرحي.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية