القذيفة الضالة في بيت حانون كانت هدية من السماء لحماس

حجم الخط
0

القذيفة الضالة في بيت حانون كانت هدية من السماء لحماس

لتزامنها مع التغيرات في البيت الابيضالقذيفة الضالة في بيت حانون كانت هدية من السماء لحماس الاتصالات الرامية الي اطلاق سراح جلعاد شليط أفاقت من جديد في مساء يوم الثلاثاء فور انتهاء عملية غيوم الخريف ومغادرة الجيش الاسرائيلي لبيت حانون. حماس اشترطت استئناف المفاوضات بايقاف العملية وأصرت علي موقفها. مصادر فلسطينية قالت ان عوفر ديكل، نائب رئيس الشاباك سابقا الذي يترأس الوفد الاسرائيلي للمفاوضات، يوشك علي التوجه الي مصر حتي يكون ضلعا ثالثة في المفاوضات الجارية في القاهرة علي مثلث حماس ـ مصر ـ اسرائيل.جلعاد شليط اختطف قبل اربعة اشهر ونصف في الخامس والعشرين من حزيران (يونيو)، ولكن المسيرة الحقيقية الأكثر أهمية في المفاوضات الجارية لاطلاق سراحه بدأت في الاسبوع السابق لعملية غيوم الخريف ، وهذه البداية فقط بطبيعة الحال. الفجوات بين اسرائيل والفلسطينيين بقيت عميقة كما كانت. ليس هناك اتفاق علي عدد السجناء الفلسطينيين الذين سيُطلق سراحهم، ولا علي معاييرهم أو مراحل التبادل. جسر هذه الفجوات قد يمتد لاسابيع كثيرة. الانطلاقة الدراماتيكية التي تحدث عنها الفلسطينيون كانت في الواقع عملية بدء المفاوضات.عملية بيت حانون الضارية لم تؤثر علي المفاوضات، رغم ان ذلك يبدو غريبا للسامعين. هذه المفاوضات لم تقم بدفع المفاوضات الي الأمام، ولم تؤد الي تدهورها من الناحية الاخري. أطراف الخيط التي أُعدت قبل ذلك جمدت، لتعود الي السخونة من جديد في يوم الثلاثاء.إلا ان المسألة صمدت يوما ونصف فقط. في صبيحة يوم الاربعاء سقطت قذائف المدفعية الاسرائيلية علي المنزل في بيت حانون، فسقط 19 قتيلا وأصيب العشرات بجروح وكلهم كانوا من المدنيين. العالم غضب والاصوات تعالت مطالبة بالانتقام.ورغم كل ذلك، تفيد التقديرات الاسرائيلية أن مفاوضات اطلاق سراح شليط ستجتاز هذه الازمة. الفلسطينيون لم يمسوه بسوء خلال عملية بيت حانون، وهذا ما سيفعلونه الآن ايضا. في اسرائيل يعتقدون ان مصلحة حماس تكمن في مواصلة المفاوضات وجباية الثمن الباهظ عن شليط، بما في ذلك الاعتراف بمكانتها كطرف سلطوي شرعي. هذه المصلحة ستتغلب علي رغبتهم في الانتقام حسب الاعتقاد الاسرائيلي.فهل سترفع حماس من الثمن المطلوب الآن؟ هل ستتشدد في مواقفها؟ من المبكر ان نعرف ذلك. تأثير حادثة اطلاق النار علي قضية الاختطاف ما زال غير واضح.الحادثة الأخيرة التي تلت عملية بيت حانون أعطت لحماس الشرعية للعودة الي طريق العمليات، علما انها لم تتخل عنها كليا، وانما خفضت من مستواها وانتقلت الي ما وراء الكواليس. الآن حماس تنوي العودة الي مقدمة الخشبة. يوم الجمعة يوم الصلوات في المسجد الاقصي، سيكون يوم الامتحان.جهاز الأمن يستعد الآن لامكانية القيام بعمليات انتحارية من الضفة واطلاق الصواريخ من غزة ومحاولات تنفيذ العمليات بواسطة الأنفاق بما فيها الأنفاق المفخخة. الافتراض هو أن هناك عددا لا بأس به من الأنفاق الجاهزة أو قيد التجهيز والتي لا توجد لدينا أية معلومات عنها.قدرة حماس والجهاد الصاروخية ما زالت علي حالها حيث تتراوح عند 250 صاروخا شهريا إلا أن تحسن نوعية المتفجرات التي دخلت الي القطاع يزيد من نوعية الصواريخ سواء من حيث الدقة أو من حيث شدة الرؤوس المتفجرة. منذ شهري حزيران (يونيو) ـ تموز (يوليو) 2005 أطلق صاروخ من مرحلتين ووصل الي عسقلان. في يوم الثلاثاء من هذا الاسبوع أطلقت اربعة صواريخ اخري الي داخل المدينة. من المحتمل أن يكون عدد الصواريخ القادرة علي الوصول الي عسقلان أكبر من السابق. ومن المحتمل ايضا أن تكون كمية صواريخ غراد القادرة علي ضرب قلب عسقلان قد ازدادت. هذه الصواريخ آخذة في التحسن في المحصلة الأخيرة، ولكن التغير ليس كبيرا بعد. جيش حماس لا يملك قدرة ردعية بعد في مواجهة اسرائيل، ولا قدرة علي جعلها تدفع ثمنا عن هجماتها. غيوم الخريف زادت من وتيرة تسلح حماس. خلال العملية لم تظهر بعد الوسائل التي تُعدها حماس ضد الاجتياحات الاسرائيلية لغزة وفق اسلوب حزب الله اللبناني، ولكن هذا ايضا سيأتي خلال بضعة اشهر. اسرائيل من ناحيتها ستواصل بذل كافة الجهود لتشويش هذا السباق ـ سواء من خلال الضغط السياسي أو من خلال العمليات العسكرية.كتاب الجيش الاسرائيليعملية غيوم الخريف هي مناورة حية لنموذج جاهز يتضمن السيطرة علي مناطق سكانية مكتظة لمدة اسبوع وجباية ثمن باهظ من وحدات حماس المسلحة كجزء من الاستعداد لعمليات أوسع نطاقا في مناطق اخري. النية لم تكن ايقاف صواريخ القسام، لذلك كانت العملية ناجحة جدا من ناحية الأهداف التي وضعتها قيادة المنطقة الجنوبية لنفسها.عملية بيت حانون كانت مناورة للمرحلة الاولي من النموذج المُعد، وهي مرحلة السيطرة التي تليها مرحلة التموقع ومن ثم مرحلة الاحتلال .جيش حماس لم يكن جاهزا بعد للتصادم مع الجيش الاسرائيلي، الامر الذي مكّن الجنود من التدرب علي القتال في منطقة مأهولة والسيطرة علي الأحياء. في المرحلة الاولي تم تحديد مئات المباني حيث دخل الجنود اليها للتفتيش والبحث. الجزء الثاني تضمن الدخول الي أحياء لم يسيطر عليها الجيش وانما دخلها فقط للاعتقال.ضباط الادارة المدنية رافقوا القوات المقاتلة كمستشارين اختصاصيين وأجروا الاتصالات مع الهيئات الدولية وحرصوا علي استمرار عمل المستشفيات واخراج المرضي والحوامل وفتح محاور للاسعاف واصلاح بني تحتية هامة وفتح المخابز ورفع الحظر لعدة ساعات وادخال صهاريج المياه وغيرها من الخطوات التي تحول دون الصرخات المتوقعة بحدوث مجاعة وكارثة انسانية.بيت حانون كانت محتلة طوال اسبوع. الجيش أخرج الرجال من عمر 16 ـ 45 من المنازل وقام بعمليات تحقيق وتصادم مع المسلحين. العشرات نُقلوا الي اسرائيل لمواصلة عملية التحقيق، ولذلك لا غرابة من ان الجيش يعبر عن رضاه من العملية. اختبروا النموذج القتالي وقد أثبت نجاعته. المرحلة التالية ستكون سيطرة أكثر تعقيدا علي منطقة أكثر اشكالية، وسرعان ما سيحين أوانها.قسيمة حماسأما بالنسبة لحماس فقد كانت عملية غيوم الخريف حكاية مختلفة تماما. بيت حانون هي حكاية بطولة في نظرهم، وقد تمخضت عن أساطير وتقاليد كفاحية. الاغلبية الساحقة من الستين قتيلا من المسلحين الذين قُتلوا في العملية، هم من حماس.بطولة النساء الفلسطينيات اللواتي نجحن في تخليص 57 مطلوبا مسلحا من المسجد المحاصر، قد تحولت الي أسطورة. الناطق بلسان الذراع العسكرية لحماس، أبو عبيدة، كان هناك مع عدد آخر من كبار القادة العسكريين. هم قرروا عدم تسليم انفسهم ولاذوا بالفرار. المكبرات بدأت تنادي فخرجت النسوة في مظاهرة مشكلات حزاما بشريا حول المسجد. الجيش أطلق النار نحوهن فقتلت اثنتان، إلا أن المطلوبين نجحوا في المغادرة. أسطورة المرأة الفلسطينية التي شاركت في الكفاح، وصلت الي عنان السماء. بعد ذلك فورا فجرت انتحارية من الجهاد الاسلامي نفسها قبالة قوة اسرائيلية. وفي موازاة ذلك تعزز ادعاء حماس وموقفها بأن تبني اساليب حزب الله هو وحده الكفيل باحراز النصر. البيانات التي تصدرها لم تعد تصدر باسم عز الدين القسام، وانما باسم اللجان الشعبية. الجمهور الفلسطيني يتشرب الرواية الحمساوية لاحداث بيت حانون لانها تلهب خياله.عشية العملية أشارت الاستطلاعات الداخلية الي تراجع قوة حماس وتزايد الفوضي. وكانت المناوشات بين فتح وحماس متواصلة حيث سقط فيها العشرات، والامور سارت نحو التصادم الداخلي والحرب الأهلية. إلا ان عملية غيوم الخريف بددت ذلك. الحوادث التي جرت داخليا (ثمانية) كانت علي خلفية جنائية فقط.استطلاع موقع الانترنت الفلسطيني عان الذي شمل 900 مستطلع أشار الي ان 68 في المئة منهم يؤيدون مواصلة اطلاق القسام وتكثيفه في اطار الرد الملائم علي دخول اسرائيل الي القطاع. 27 في المئة فقط قالوا ان من الواجب ايقاف الصواريخ. بكلمات اخري: حماس حصدت قسائم جميلة من عملية غيوم الخريف .خطأ المدفعيحماس خططت لاطلاق رشقات صاروخية بالتزامن مع انسحاب القوات الاسرائيلية من بيت حانون لتأكيد نجاحها، وعدم جدوي العملية الاسرائيلية. في الليلة التي انسحب فيها الجيش من بيت حانون، جاء نشطاء عز الدين القسام خصيصا لاطلاق الصواريخ. في صبيحة اليوم التالي علمت اسرائيل انهم سيقومون باطلاق آخر نحو مدرسة لاصابة الاولاد اثناء الدراسة.القيادة الجنوبية قررت استخدام المدفعية لابعادهم رغم قرار تقليص استخدامها بعد مقتل عائلة غالية في غزة، وعند الضرورة.اطلاق القذائف المدفعية في يوم الاربعاء وجه نحو هدفين لابعاد مطلقي الصواريخ. الاول علي مسافة 1200 متر من بيت حانون، والثاني علي مسافة 500 متر. اطلاق النار نحو الهدف الثاني الأقرب للمدينة انتهي بكارثة. الفلسطينيون يقولون انه كان مقصودا وهو عقوبة علي اطلاق الصواريخ علي عسقلان.واسرائيل، كعادتها، تطلق النار علي رجلها وتقوم بالتسبب بحدوث الامور اللامتوقعة تماما، مثلما فعل ضابط السفينة الذي قرر اطفاء اجهزة الحماية فتسبب في اصابتها قبالة السواحل اللبنانية.ما كان مخططا أن يكون اطلاق نار بطيء ومبرمج تحول الي قذف عشوائي نحو المدنيين، فنجم عنه سقوط عشرات الأبرياء بين قتيل وجريح.تزامن سقوط القذائف مع التغيرات في البيت الابيض كان ناجحا جدا بالنسبة لحماس.عشية وصول اولمرت الي واشنطن يحدث في امريكا أمران هامان يتعلقان بمنطقتنا: بوش يتلقي علي طاولته خطة للانسحاب من العراق (من اعداد جيمس بيكر ولي هاملتون). ولذلك تخلص من رامسفيلد ليبدأ بعد حين عهد الانسحاب من العراق. أما الامر الثاني فهو انتهاء الانتخابات الامريكية وتحرر بوش من الحاجة لابداء موقف لامساوم في مواجهة الارهاب.الآن أصبح بوش مضطرا لاتباع سياسة ثنائية الحزب قائمة علي أساس التفاهم مع الديمقراطيين مثل العمل البناء في الشرق الاوسط والخروج من سياسة اللامبالاة. هذا الهدف يتطلب من الامريكيين السعي الي التدخل وتهدئة الامور وتليين الموقف مع السوريين وحتي مع حماس.القذائف الضالة في بيت حانون تُسرع بدورها هذه المجريات الحاصلة من تلقاء نفسها، وتعزز الحاجة الي تهدئة الامور بين اسرائيل والفلسطينيين. الوصول الي هذا الهدوء المنشود سيجبر الادارة الامريكية علي القبول بهيمنة حماس، وقبول خدعة أنهم يتفاوضون مع أبو مازن رغم الادراك أنه مجرد ستارة، وانه اذا تشكلت حكومة خبراء وسموها حكومة وحدة، فحماس هي التي ستُعين اغلبية اعضائها، وهي التي ستسيطر عليها عن طريق البرلمان.بكلمات اخري: المغزي السياسي للسياسة الحزبية المزدوجة واستراتيجية الانسحاب من العراق هي ان الادارة الامريكية قد تتخلي عن النظرية السائدة التي تركز علي عدم الاعتراف بحكومة حماس والسعي الي اسقاطها منتقلة ـ من دون أن تعلن عن ذلك ـ الي الاعتراف غير المباشر بحكومة حماس. هذه المسألة كانت بمثابة خط احمر حتي اليوم، اما الآن فقد تتغير الاحوال. وهذا ما سيسمعه اولمرت في واشنطن.بوش سيقترب من الحقبة الجديدة من الموقف الاوروبي، والاوروبيون كما نعلم يرسلون الاموال الي أبو مازن فقط حتي يدفع الرواتب للموظفين، ولكن الموظفين هم أنصار حماس.سياسة امريكا السلبية تجاه الصراع الاسرائيلي ـ الفلسطيني ستتغير علي ما يبدو، وهناك شك اذا كانت اسرائيل ستحصل علي المزيد من الضوء الاخضر الاوتوماتيكي لتنفيذ عمليات هجومية مثل غيوم الخريف . سيكون من الأصعب الآن القيام بخطوات ضرورية لكبح تسلح حماس.هذا بالنسبة لحماس انجاز هائل. وعلي مشعل وهنية أن يرسلا الزهور للجيش الاسرائيلي عن الخطأ المأساوي في بيت حانون.اليكس فيشمانالمراسل العسكري للصحيفة(يديعوت احرونوت) 10/11/2006

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية