القراءة السلبية… ملفوظ على هامش الأدب

منذ وعينا وفهمنا طبيعة القراءة، كان يتلبسنا فضول المطالعة والتسلل إلى رفوف المكتبات العامة، نريد أن نشبع هذا الفضول بنهم ما يقع بين أيدينا من دون تخطيط مسبق، الغرض الوحيد هو أن نفهم تلك التجارب التي تخوض في معلومات الكتاب، وكما يقال إن القراءة هندسة العقول، درجنا عليها من باب هذا الفضول وأقصد أحببنا شيئا عن القراءة ونحن صبية، فالتعلم في الصغر كالنقش على الحجر، القراءة وحدها عالم مسكون بالمعرفة، ولم تكن المعرفة أحادية، أو جانبية كنا نستمتع بها كنوع من التحدي لشيء ينقصنا، ولهذا السبب أو ذاك نعد الكتاب ثروة لا يمكن التنازل عنها، ولذا تجد مكتباتنا، وإن كانت صغيرة أو منكمشة الآن، عما قبل، بسبب الثورة الرقمية، فهي تبقى حديقة المنزل الحقيقية الحافلة بمختلف العناوين في السياسة والاجتماع والطب والعلوم والآداب والفن، تضيف لنا من تجاربها (خبرة، عقارا ينعش الذاكرة) ونُحسن من خلالها مدركات وعينا.
تعد المكتبة مدرسة ومرجعاً حقيقياً في مسيرة المعرفة، والمعرفة لا تأتي، بل هي المسعى الحقيقي الذي نقصده من دون كلل أو ملل، فقد وصفها جيل ديلوز، بالغابة التي عليك أن تدرس خريطتها قبل أن تغطيك متاهاتها وتفقد بوصلة اتصالك بالعالم الخارجي، هذا هو التحصن بالقراءة.
فالقراءة كانت ظاهرة اجتماعية جبلت عليها طبقة المثقفين الذين يتبارون في الحضور والتحضير للندوات والمؤتمرات والأماسي والملتقيات الأدبية والثقافية، ونجد المثقف يدور في فلك هذه المحطات لاختبار ما تجمع في ذاكرته من فعل القراءة.
فالسؤال الذي يطرح نفسه، هل بقيت الثقافة تنبع من القراءة ذاتها، أو أنها اخذت تتبنى الأفكار السطحية (المشاعة بواسطة الإعلام) التي تنتشر وتتوسع كانتشار النار في الهشيم؟ وقد نبه لهذا الخطر عبدالله الغذامي بقوله: إنها فخاخ تزرع في طريق الثقافة، وهي عبارة عن كمائن تتماهى مع الثقافة وكأنها جزء منها، وكذلك يقول عنها منذر عياشي: في كتابه «الكتابة الثانية» أوكار البدع، أو أنها نوع من المكر الثقافي، الذي يمكن أن ينازعك في متبنياته، لدرجة يجعلك دائم التشكيك في قراءتك، أو هي عملية تشويش لا غير لسلب ماهيتك.
وهذا ما يحصل في عالمنا العربي، إذ لم يعد مفهوم القراءة بعيدا عن الصبغة الأيديولوجية ومفهومها وثقافتها في تبني منهجها وعرفها في تكريس لون واحد من الثقافة، ولا تسمح بالتعددية ولا تؤمن بالتلاقح الفكري ولا يعنيها الانفتاح على الآخر، وهي بذاك حصرت الوعي وحجّمت دوره وجعلت منه كيس بالون لا غير، والأنكى من ذلك تسعى إلى تهشيم الثقافة وتشويه حضورها وفاعليتها في ميادين المعرفة، وبدلا من أن تكون الثقافة وسيلة للمحاكاة، اتخذت منها وسيلة للمماحكة.
وقد ألمح إلى ذلك جابر عصفور في موضوع إشكالية مصطلح «القراءة الأحادية»، التي كرست لهذا المعنى كل أجندتها لتلخص لنا مفهوما جديدا لثقافتها وتسويقها، ومحاولة بلورته ثقافيا لكي يكون طرحا مغلفا بالثقافة، فمثل هذه القراءة المولدة لثقافة كهذه، تعد الأسوأ والأخطر في مقادير الثقافة العامة، فالبلدان المتقدمة، حسب خبرتنا المتواضعة عن تجاربها في هذا الشأن، أنها لا تتنافي مع تلك القراءة الأحادية، لكن لا تسمح لها أن تضر غيرها، وبذلك وضعت حدودا لمفهومها بينما نحن بقينا تحت وطأة تأثير هذه القراءة، التي تمددت وساعدت على انتشار القراءة السطحية، التي تفتقر لأبسط مقومات مرتكزات المثاقفة، ما أثر سلبا على أدبيات الواقع الثقافي، قصة ـ رواية ـ مسرحا ـ سينما، التي انحصر فيها الموضوع وتحدد بإطار معين خاضعا فيه بالتمام والكمال لموجهات هذه القراءة السلبية بمجمل أهدافها ونواياها، هذا الإشكال والالتباس الذي انحصر فيه الجزء وأهمل الكل الثقافي، ووفق هذا الملفوظ الضيق أصبحت تلك المواضيع على هامش الأدب وليست من جوهر قضايا الآداب.

كاتب عراقي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية