الاتصال بين بيرتس وابو مازن فجر كل الخلافات التي كانت كامنة عن الأنظار بين رئيس الوزراء ووزير دفاعه
توجد لافتة صغيرة علي أحد أبواب مكاتب وزارة الدفاع في مقرها في تل ابيب كُتب عليها: مستشار سياسي كبير للوزير. وقد جلس هذا المستشار ـ ايتان كابل ـ في مكتبه هذا الاسبوع وشعر بأنه يتمزق ما بين المكتبين، الاول مكتب الوزير عمير بيرتس، باعتباره المسؤول البوص، والآخر الأخ بوعز كابل، ومن ثم سنطلق علي كابل اسم المستشار، حيث عمل طوال هذه المدة وكأنه حلقة الوصل ما بين الوزير وبين حزب العمل وسكرتيره (كابل)، حيث أن كليهما ارتبط بملف طويل، وجميع هؤلاء كانوا يعملون بنوع من الاطمئنان. وآنذاك، كل شيء انتهي تقريبا، كل شيء قد تمزق وتحطم فجأة، ووزير الدفاع الذي يمكنك أن تري الحقيقة في عينيه شعر بذلك.
الخبر الذي نشرته صحيفة معاريف في نهاية الاسبوع عن عزم ايتان كابل وما ينوي عمله، قد خرب كثيرا أحلام بوعز كابل في حزب العمل. فقد أُلقي به الي داخل مرمي نيران قاتلة، من النوع الذي لم يرجع منه أحد. فهو ما زال هناك، وما زال سكرتيرا لحزب العمل. في يوم الاثنين، حيث وصل وزير الدفاع الي الكنيست، حيث لاحظ تبادل النظرات ما بين وزيره وشقيقه، فالنائب بوعز كابل ليس إلا نسخة مطورة عن أخيه فقط، لذلك فان كليهما أدي نفس الصلاة هذا الاسبوع، ودون تغيير.
وفي غداة اليوم التالي، اتضح بأن هذا الخوف الذي لاحظه بالأمس قد أصبح حقيقة، وما ان مر يومان، حتي كان الوزير بيرتس يرفض اقتراح الوساطة الذي كان سيخرجه من قبر وزارة الدفاع. وبعد مرور ثلاثة ايام، شوش عليه سقوط أحد صواريخ القسام في الوقت الذي كانوا فيه يستعدون لوداع الابن الذي سيغادر الي التجنيد في سلاح المظليين. وقد ساد الانطباع خلال الشهرين الماضيين بأن كل ما يلمسه بيرتس يتحطم ولا يصلح أمره بعد، تماما كما كان في أسطورة الملك ميداس، ولكن بالعكس. وعندما نتحدث عن سيرته الذاتية، فهذا هو تماما. ولكن مستقبل حزب العمل ايضا، وأمن دولة اسرائيل كذلك، وشعور مواطني اسرائيل في هذه الايام بعدم الاطمئنان، كل ذلك أخذ يغطي عليه سعي بيرتس من اجل البقاء والاستمرار في الحكم والنفوذ، لا أحد يخرج ولا يدخل، والبعض يسخر من ذلك بأن يشبهه بذلك الذي يسكب الحساء علي فوطة الصدر في كل مرة يشرب ملعقة من ذلك الحساء لانه يغلي ولا يتركه ليبرد. عمير بيرتس ليس إلا موديل 2006 وعبارة عن خليط نادر وقاتل لهذه الاشياء.
الشيء الأكثر غرابة في هذه القضية هو أن بيرتس ليس بالضرورة وزيرا سيئا للدفاع. بل ان خيار ان يكون وزير الدفاع شخصا مدنيا لم يسقط بعد. وربما تكون نهاية لجان التحقيق قرارا بتنقيته واخراجه نظيفا من المسؤولية عما جري في تلك الحرب (أو لا)، فانه علي سبيل المثال قد تمكن من اعادة الدماء الي وزارة الدفاع، حتي قبل أن تندلع تلك الحرب اللبنانية، وحتي قبل أن يبدأ الحديث الجدي عن ضرورة ايجاد الحل اللازم الجذري لموضوع استمرار تساقط صواريخ القسام علي سديروت، وهو الأمر الذي تم إهماله كثيرا في السنوات الأخيرة الماضية. وهو ايضا انسان مؤهل، ولكن في أعقاب هذه الحرب، وفي الأجواء والظروف العامة التي سادت في أعقابها، فلم تعد له قائمة ولا وجود في وزارة الدفاع.
لا بد للجيش الاسرائيلي والمؤسسة العسكرية بأكملها أن تجد نفسها من جديد الآن، لا يوجد وقت اضافي كثير، لأن الجمهور فقد الثقة بهذه المؤسسة، والمطلوب الآن هو انسان مهني، خبير، يأتي اليها من الداخل، يعرف الطرق والالتواء والتعرجات داخلها، ولا يمكن التحايل عليه، وله رأس يري منه كل شيء. وبدلا من شخصية كهذه، حيث أن هذه المؤسسة بأكملها تعاني من الشلل التام بسبب الخلل السياسي الذي يحاول البعض، منذ اسبوع، التحايل عليه دون فائدة، وبكل الطرق التي وصل في بعضها الي محاولته التوصل الي وقف لاطلاق النار علي أمل أن يكسب يوما أو يومين آخرين، ولكن دون فائدة ولا جدوي، الأمر الذي جعل كبار قادة الجيش يشعرون فيه بالبلبلة والتشويش وعدم معرفة القرار الصائب اللازم اتخاذه لعمل اللازم، وكذلك من عدم تقديم خطط جديدة عملية وتنفيذية وتقديمها الي المجلس الوزاري، خوفا من التسريب.
الجمود يسود كل هذه المؤسسة، لا توجد اقتراحات، ولن يكون عمير بيرتس هو الشخص الذي سيتمكن من اعادة الحياة اليها ولا أن يوقفها من جديد علي أقدامها. هو بحاجة الي ايقاف نفسه علي قدميه أولا، فعندما يدخل الي الغرفة، تري القادة يقفون له بكسل، حيث تحول منذ وقت ليس بقصير الي شخصية تحتفظ باللقب من دون مضمون. يبدو أن هذه النظرة باتت تلاحقه وأخذت تسود اوساطا أقل في مستواها وقربها نتيجة لما أصبحت عليه هذه النظرة العامة، اليه كوزير للدفاع. كما أن البيانات والتصريحات التي كانت في جزء منها قصف ايران مثلا، وتطوير الليزر الذي سيسقط القسام وغيرها، ليست ناجعة ولا مجدية له في هذه الازمة التي يعاني منها كوزير للدفاع. فبدلا من أن يقوم بخطوة ما لانقاذ نفسه وشخصيته، يتمسك ويغرس قدميه في الارض أكثر فأكثر، بدلا من أن يفهم مكانته وموقعه ويأخذ القرار اللازم والصائب. جميع الذين يحيطون به يخفضون رؤوسهم ويبعدون أنظارهم بغضب وشبه حزن، مثلهم كمثل الذين يسيرون في جنازة، وان الشخص الوحيد الذي ما يزال واقفا الي يمينه هو عضو الكنيست يورام مرتسيانو، ولكن ماذا يجدي ذلك في هذا الوضع، مع أنه وصف تصريحات كابل هذا الاسبوع علي انها شيء من العبث، وعندما سأله أحدهم عن ذلك وعاد وتراجع بالقول لم أسمع بهذه التصريحات مباشرة، ولا اعتقد أنها قيلت علي هذا النحو، بطريقة للتهرب من المسؤولية وضرورة الرد عليها.
يُقال أن ايتان كابل حادث بيرتس هذا الاسبوع علي نحو غريب، وذلك بعد أن عرض أمامه جميع الحقائق بقوله عمير، اسمعني جيدا، يا رب السماء، اسمعني، أترك كل هذا، أترك هذه الدولة نهائيا، الشعب، والجيش، فهذا جيد لك، نعم جيد جدا بالنسبة لك. ولم يصغ بيرتس اليه بتاتا، بل واجهه بسيل من الشتائم القاسية، وكابل، المشدود نفسيا وجسديا، فهم أن هذه طريقة خاسرة ولا جدوي منها.
لم ينم تقريبا في الاسابيع الأخيرة، فهو يستيقظ اربع خمس مرات في كل ليلة، لا يجد الراحة في نفسه، حتي وإن اتضح بأنه كان وزيرا جيدا للدفاع. ان ليفي اشكول كان صغيرا جدا بالنسبة اليه، هكذا يقول كابل، فهذا ايضا ليس صحيحا ولا مناسبا. الآن، حان الوقت لوجود الشخصيات، وعلي سبيل المثال ايهود باراك، ما زال الجميع يذكره صورة علي جناح طائرة سابينا، وان شاؤول موفاز يرونه في زي رئيس الاركان، أما بيرتس؟ فهو علي الأكثر ليس إلا رجلا مهندما، وهذا كثير عليه.
ورغم هذه المواجهة القاسية، فما زال البعض يراه علي نحو آخر، ولكن، ولا بأي حال من الاحوال، يرونه كوزير للدفاع. عمير بيرتس، منذ اسابيع يتصرف في مكاتب وزير الدفاع التي هي قبالة مكتب رئيس الاركان، وكأنه يتحصن في داخلها ولا يريد أن يواجه العالم، ورغم أن الكثيرين، وحتي اولئك الذين ما زالوا يحبون بيرتس، يفهمون كل شيء ويعرفون كل شيء، والشخص الوحيد الذي لا يفهم ذلك هو بيرتس نفسه فقط.
نهاية موسم الكرملينمن هو الشخص الذي يرغب ايهود اولمرت بأن يراه في مكتب وزير الدفاع بدلا من بيرتس؟ ومن الذي لا يريده أن يكون. فحتي ميخا لندنشتراوس وصل الي حد لا يرغب فيه أن يري بيرتس، وبيرتس من ناحيته يعاند ولا يريد أن يجتمع مع اولمرت علي انفراد. اولمرت لا يفهم ذلك ويستغرب منه. والمقربون اليه يستغربون ذلك، ويبدو أن الجميع قد ترك العصا، لا يتقرب اليه ولا يوجهه.
يبدو أن المكالمة الهاتفية الغبية التي أجراها مع أبو مازن كانت سببا في اطلاق كل البخار الدافع لجميع هذه العربات التي تسير ضد بيرتس، وكل الخلافات والضغوطات التي كانت كامنة وخفية عن الأنظار ما بين اولمرت وبيرتس، قد شقت طريقها الي خارج تلك الزجاجة التي تخبئ تلك الخلافات، وقفزت خارجها فجأة. العلاقة والكيمياء المشتركة بين الرجلين التي كانت بدايتها في الكثير من التصريحات والعناق بين الرجلين قد انتهت، بعد أن كان عناق حل الازمات والتقاء المساعي والجهود المشتركة، واولمرت يصف بيرتس الآن أنه مثل ذلك السائق غير الكفؤ الذي حطم سيارته بحوادث متلاحقة، ومع ذلك يحاول تشغيل السيارة وتحريكها من بين الحطام، ومع أن رئيس الوزراء يريد إغراق وزير الدفاع بجعله كبش فداء لما حدث، إلا أن الرجلين، كما يبدو، سيغرقان معا، المهم أن لا يُغرقا الدولة معهما.
كيف ينوي بيرتس أن يدير وزارة الدفاع بعد الآن؟ لا أحد غير الله يعرف ذلك. فهو مثل ذلك المريض الذي تقوضت كل اجهزته: في كل لحظة تقفز عليه مشكلة جديدة، وتشتعل حوله نار حريق جديد. قبل يومين جاء في نبأ نشرته القناة الثانية مفاده أنه قد وعد المستوطنين بأن لا يقوم بازالة عدد من البؤر الاستيطانية العشوائية لقاء موافقتهم علي ترشيح شقيقته لتكون رئيسة مجلس مستوطنة متسبيه رامون في النقب. والعديد من الشكاوي والتحقيقات ما زالت في الطريق. وحليفه السابق، ورئيس الهستدروت، عوفر عيني، يقوم باستئصال جماعة بيرتس من الهستدروت واحدا بعد الآخر. فقد قام بابعاد آفي بيتسور وايلي روحك هذا الاسبوع، وقد أخذ رؤساء وقادة أقسام في الهستدروت يتحدثون ويفتحون أفواههم عما كان يجري هناك في السنين الماضية، ويروون القصص عن الديمقراطية التي كان بيرتس ينتهجها اثناء وجوده وعمله معهم، وأن أحد كبار المسؤولين تحدث هذا الاسبوع عن نهاية موسم الكرملين.
يبدو أن بيرتس تخيل أن الطريقة التي انشأ بها، أو رسخ بها، تلك البنية التحتية التي كانت قائمة في الهستدروت، قد تصلح لتكون ارضية مناسبة لوزارة الدفاع، وأنه طالما نجح في الانتخابات الداخلية لحزب العمل، فانه بلا شك سينجح في ادارة هذه الوزارة دون عراقيل، وبذلك فقد سار، وما زال يسير، باتجاه المجهول، وانه، ومعه بعض المخلصين له، ما زالوا يحاولون، مع أن هؤلاء لم يعودوا يستطيعون فتح أفواههم والتحدث بالمزيد عن مزايا بيرتس وقدراته.
الآن عودة الي السؤال: من الذي يفضله ايهود اولمرت وزيرا للدفاع؟ يبدو أن اولمرت يفضل ايهود باراك، ويبدو أن الصفقة الكبيرة قد تمت ونضجت هذا الاسبوع بحيث يقبل بيرتس الوظيفة الثانية، أي النائب الاول لرئيس الوزراء بدلا من شمعون بيريس (ومقابل موافقة علنية من حزب العمل باقتراح ترشيحه لرئاسة الدولة) ووزيرا للرفاه الاجتماعي ولاعمار الجليل والنقب ورئيس المجلس الوزاري الخاص بالمسائل الاقتصادية ـ الاجتماعية، كل ذلك حتي يوافق علي اخلاء مكانه في وزارة الدفاع لاهود باراك. واولمرت سيكون مستعدا في اطار هذه الصفقة، بل حتي أن يوافق علي اطلاق شاربه، إلا أن بيرتس ما زال مترددا!. ايهود باراك عاد في هذا الاسبوع من خارج البلاد مباشرة ليدخل الي هذه البوتقة. وخلال شهرين او ثلاثة عاد وتحول من مجرد سياسي سابق الي صاحب الخيار الأفضل والأمل ناصع البياض لكل الذين يطالبون بالأمن لدولة اسرائيل. هذه العروض مذهلة، مع أن باراك لم يتغير أبدا، فالناس لا يتغيرون في مثل هذا الجيل، اذا، ماذا حدث؟ الموضوع فقط هو أن باراك فهم نفسه، واعترف بحدوده وسلبياته. كذلك فقد فهم الذين من حوله، فهموا كيف يفهمون ويرون الخلل قبل وقوعه، لذلك فقد أخذ يتصرف علي نحو آخر. وكذلك يمكن القول بأنه شاخ بالمعني الايجابي للكلمة، وأن الحركات السريعة اختفت، والعنف واللهاث وراءه قد تلاشي، هادئا، مسرورا في حياته. لذلك فهو يحرص علي عدم الازعاج، ولا يُفجر الجميع ويقلق راحتهم بمكالماته الهاتفية.
الجميع يلقون الآن علي ايهود باراك الجديد مسؤولية الوقت والظرف، ومع أن المقربين منه لا يفهمون في بعض الاحيان تعبيرات التردد التي يظهرها، إلا أن الجميع يعتبر وجوده في وزارة الدفاع في هذا الظرف ضرورة لا يمكن تجاوزها، مع أن البعض يستغرب كيف يمكن لباراك الآن، بين عشية وضحاها، أن يتنازل عن هذه الحياة وهذا العيش الهانئ الذي يتمتع به في حياته الشخصية. ومع ذلك يقولون بأنه علي قدر من الوعي والتمتع بالمسؤولية بما يكفي لكي يتنازل عن هذه الحياة الشخصية والعودة الي وزارة الدفاع. فليس لديه أجندة سياسية خاصة به، ولا يريد اضفاء معالمه وتصرفاته أو مواقفه علي الدفاع، بل ان كل ما يمكن أن يضيفه علي الأمن هو خبرته وقدرته المهنية في الموضوع الذي لن يتجرأ أحد علي التشكيك به وبقدراته، لا من داخل حزب العمل فحسب، بل من بين جميع الاحزاب، داخل وخارج الحكومة الحالية.
واذا لم يساعده ويتم ذلك؟ ان جميع السيناريوهات معروفة. يمكن أن يتجرأ بيرتس ويضع فيتو ضد باراك، وحينها سيتحول الترشيح الي عامي ايلون، أو بن اليعيزر، متان فلنائي وايضا نحو افرايم سنيه. بل ان البعض يعتقد بأن اولمرت (اذا أحس بذلك) قد يعمل علي إقالته من الوزارة. أو ربما يحصل علي حقيبة مهمة جدا علي حساب حزب كديما، وفي هذه الحالة فان حقيبة الدفاع قد تنتقل الي حزب السلطة. وهنا ستبدأ النزاعات، وهنا يمكن أن نشطب اسم آفي ديختر، ذلك لان مكتب رئيس الوزراء لا يرغب فيه ولا يستلطفه، لا سيما بعد المعلومات التي تسربت منه لاضفاء الحصانة علي الضباط الذين حققوا مع حاييم رامون في الشرطة أو الذين اكتشفوا عمليات التنصت علي المكالمات الهاتفية في مكتب اولمرت مما أدي الي تعكير الأجواء بينه وبين رئيس الوزراء. وهنا، فان اسماء دان مريدور كوزير للدفاع (وغابي اشكنازي كرئيس للاركان) تعود للظهور من جديد، ولكن، وفوق كل تلك الصور والتصورات، فان صورة شاؤول موفاز تبقي ترفرف فوقهم.
هذا الطفل الأسيريعود اسم أوري ساغي من جديد ليرفرف بدوره في هذا السياق، حيث ان هذا الشخص الذي كان الي وقت قريب رئيس قسم الاستخبارات العسكرية في هيئة الاركان العامة للجيش، والذي يعترف له الجميع بأنه من أنضج وألمع العقول العسكرية في هذا المحيط، وبيرتس يعلق علي ساغي بأنه الطفل الأسير. ويقول الجنرال ساغي ان الوظائف والمهام الاستراتيجية الأعلي الثلاث في الدولة موضوعة في هذه الايام في أيدي غير مجربة، رئيس الاركان ووزير الدفاع ورئيس الحكومة. والقيادة الاسرائيلية السياسية ـ العسكرية ما زالت في بداياتها، بل ان وزيرة الدفاع ايضا، تسيبي لفني، تعتبر غُرة تماما، وهذا رأي غير سياسي، ويضيف هذا غير شخصي، بل هذه مسألة قومية فقط، ان هذا الأمر يبدأ، حسب رأيه، من الجيش. ففي نفس تلك المحادثة، وذلك اللقاء الذي عقده رئيس الاركان مع شيوخ الجيش وجنرالاته القدامي، فان الجنرال ساغي يعود ليكرر بعض ما قاله هناك، لقد تحدثت بأبعاد قومية أمنية، وعن كيفية بلورة هذه السياسة الأمنية القومية، كيف يعملون وكيف يخططون. وحسب رأيه فان اغلبية قادة الجيش حاليا كانوا هناك ولا يعرفون كيف يخططون له ليحارب.
وعندما يحاول الجنرال المجرب أن يركز اقواله وأن يشرح وجهة نظره، فانه يركز علي المشاكل الاستراتيجية التي تواجه اسرائيل. ويقول الجنرال ساغي توجد مشاكل كبيرة وخطيرة جدا، ونحن الآن بدلا من أن نفعل ونتصرف ونستعد، فاننا نتحدث عنها فقط، والاسوأ من ذلك هو أننا نتحدث بطريقة غير التي يجب أن نعمل بها. فنحن نواجه خمس نظريات، أو خمس طرق للتعبير في المجال الاستراتيجي، الهامة للدولة، والمهم هو أننا نتحدث عنها بطريقة خاطئة وباسلوب خاطيء. فبدلا من الدراسة والاستعداد لما يجب أن نفعله في هضبة الجولان، يخرج علينا رئيس الوزراء بتصريحه الذي لم يكن هناك أي داع له، ويضيف لن ننزل من هضبة الجولان أبدا. هذا تصريح لا يفيد اسرائيل اطلاقا، إلا اذا كان الهدف منه إشعار السوريين باليأس ومن ثم التفكير جديا بضرورة استعدادهم للحرب معنا، فلماذا هذا التصريح الذي يخالف ويعارض كل السياسات الاسرائيلية السابقة في هذا الخصوص؟.
كذلك، لا توجد عندنا أي رؤية سياسية عملية حتي الآن، حالة الجمود التام مع السوريين، وكذلك مع الفلسطينيين، تزيد الاوضاع خطورة وتعقيدا، ولا توجد ـ علي العكس ـ إلا المزيد من التهور والاندفاع، وعندما يأتي الحديث عن الاستراتيجية الاسرائيلية التي ننتهجها اليوم ضد العمليات المسلحة، فنحن لا نتحدث إلا عن سياسة العمليات المحددة وعن التصفيات، فهل يمكن أن تكون هذه العمليات استراتيجية للدولة، هذا شيء غير طبيعي لدولة مثل اسرائيل. وبالأساس، في الموضوع الايراني، نحن لا نملك علاجا صحيحا ولا يوجد مجرد نقاش جيد وجدي في هذا الموضوع. لا شيء بالمرة.
لا يمكن لأي دولة في العالم أن لا تكون لها رؤية شاملة وأهداف محددة. لا يمكن القيام بعملية الانطواء من غزة فقط لذاتها، انسحاب دون هدف واضح ومحدد، ودون أن يكون ذلك جزءا من خطة شاملة. واذا ادعي البعض بأنهم يرون كل شيء، فان هذا سيكون بداية للطريق نحو الكارثة. اسرائيل لا تريد مؤتمرا دوليا، ولا مبادرات دولية جديدة (اوروبية)، ولا تريد الموافقة علي وجود قوات دولية، لا تريد التحدث مع الفلسطينيين، ولا مع السوريين، ولا للتنازل عن هضبة الجولان الي الأبد. اذا، ما الذي نريده نحن؟ أرجو أن نكون نرغب في الحياة والعيش. أقول هذا ولا أحد يمكنه أن يصفني بأنني أكره الهضبة أو المستوطنات، ولكن الهضبة كانت علي مدار السنين السلعة التجارية الأساسية التي بواسطتها سنحقق السلام مع السوريين، هذه هي الحقيقة، ومن لا يريد الاقرار بذلك يكون كمن لا يريد معرفة أن يضع قدمه.
وحين يتحدث الجنرال ساغي عن الجيش الاسرائيلي تشعر بأن بطنه مليئة عليه. فهو يقول صراحة: في ذلك الاجتماع مع رئيس الاركان، قلت له وامام جميع الضباط الحضور: اذا جلست مع ضباط الجيش الان وتحدثت معهم حول مواقع الصواريخ السورية، او عن نقاط اطلاق النار، عن المناطق التي تعتبر تحت السيطرة، عن كيفية انتشار الجيش السوري، وعن غيرها من الامور، فانني أجد أمامي عددا من الضباط الذين لا يعرفون عن اي شيء اتحدث، لان هؤلاء لا يملكون اية معلومة عن كل هذه الامور.
يجب ان ننتهج سياسة استراتيجية بخصوص سورية تدفعها بواسطتها للخروج من تحالفها مع ايران. فنحن اذا تحدثنا مع السوريين، وأظهرنا جدية في موضوع التسوية علي هضبة الجولان، فنكون بذلك قد اخرجناها من الكثير من المحاور التي تقلق اسرائيل، سواء بالنسبة لايران، او قيادات المنظمات المعادية او ذلك الحلف الاستراتيجي بينها وبين حزب الله. لكن حكومة اولمرت، وهو شخصيا، بدلا من ان يفكروا بهذا، نراه يقف ليعلن علي الملأ بان اسرائيل لن تنزل عن هضبة الجولان للابد. وهذا من اكبر الاخطاء ـ الاخطار الاستراتيجية لاسرائيل.
ان الجيش الاسرائيلي يتحدث الان عن حرب 2007، وهذا جميل، ولكن، ماذا نفعل ضد هذا الاحتمال؟ حتي أنا، في هذا العمر، فأنا أعرف هضبة الجولان كما أعرف كف يدي، الا أن الذين سيواجهون هذه الحرب ـ اذا وقعت ـ لا يعرفونها، ربما لديهم الاسلحة الافضل والاكثر تطورا من تلك التي حاربت بها أنا، لكنهم لا يعرفون أين سيحاربون ولا كيف سيحاربون ولا ما اذا كان قرار الحرب الذي سيحاربون استجابة له كان قرارا صحيحا وصائبا. وهو يؤكد بأن الجنرال حلوتس ـ اذا ما وقعت مثل هذه الحرب ـ لن يكون أهلا لمثل المهمة، ولا بمستواها.
واخيرا، يقول ساغي عن باراك لقد عرفنا وفهمنا بيرتس فهو لا يصلح أبدا، لكن باراك يعتبر مسألة معقدة.. فالي جانب كونه مهنيا وخبيرا، الا انه لا بد أن يعرف حدوده، ومع ذلك، فهو يستطيع النهوض بهذه المؤسسة الامنية، لا يوجد أمامنا الكثير من الوقت للانتظار، لا بد من العمل، فلا بد من جمع وحشد كل الاشخاص الجيدين والمجربين، نحن بحاجة لوزير دفاع آخر، ولرئيس أركان آخر.. بلا تأجيل.
بن كاسبيتالمراسل السياسي للصحيفة(معاريف) 24/11/2006