لينا أبو بكر
القذافي يملك زرا في بيته يتحكم فيه ببث التلفزيون الليبي لأن اعلام ليبيا الرسمي يبث من غرفة نوم الرجل الأخضر، وهذا ليس تخمينا انما هي معلومة قالها الصحافي الليبي ‘سليمان دوغة’ في تغطية الثورة الليبية على الجزيرة من الدوحة بعد مغادرته أرض الحدث، فقد ذكر أن القذافي اعتاد أن يوقف البث في أية لحظة يشاء، وقناته في هذه اللحظات المؤلمة من عمر الثورة الليبية تغني وترقص حسب زر التحكم على جراح أبنائها وجثث شهدائها. فهل يواسي القذافي نفسه بما يتوافر في أرشيفه من أغان للفاتح الرجيم؟ أم أنها رقصة الوداع وقد ينطبق عليه الآن تعبير أحد الناشطين على الجزيرة: ‘الغريق الذي يخشى البلل’ في تعليقه على أقصر خطاب في التاريخ – تحت المطر يحمل مظلته في منظر رومانسي وحالم داخل دبابة هي ستديو اللقطة الحاسمة، ولن تكون تلك آخر حلقة طريفة من مسلسل العبث الذي امتد لأربعين عاما كما علق دوغة بعد ذلك الـ ‘Show’ الفكاهي والمثير للقهقهة، نهفات العتاهية تثير الضحك رغم مأساوية الواقع الذي يعيشه الشعب، فايمان عياد لم تستطع تمالك الضحكة خلال تعليق دوغة على المشهد ‘الشتوي’ مراهنا على أن القائد الأخضر كان يشاهد الحوار وقرر أن يرد بنفسه عليه، مدعيا أنه كان مع الشباب في الساحة الخضراء ينوي أن يسهر معهم ولكن الجو الماطر منعه، ليعلق دوغة: ‘سيادة العقيد انت ما تغلب روحك، خليك مرتاح، الخضرا هي اللي تجيك’ وهذه أول ضربة اعلامية يتلقاها القذافي بعد العشر ثوان المشهودة التي جلس العالم ينتظرها، أما الضربة الثانية فكانت من محمد كريشان عندما درس الحالة النفسية التي دفعت الرجل الأخضر للخروج من ‘باب العزيزية’ ليبرهن للعالم والجزيرة و’الكلاب – حسب ما عبر’ بأنه موجود، كأن كل شيء آخر لا قيمة له لا الشهداء ولا الجرحى ولا التمرد ولا القصف، فبيت القصيد كما تفهم التحليل الدقيق لشخصيته من وجهة نظر كريشان هو: ذاته! انه جنون العظمة فعلا، ماذا يتوقع هذا المضطرب من الاعلام بعد ارتكابه لكل تلك المجازر التي ما خفي منها كان أعظم؟ الرد يأتي من شهود عيان وليس من تقارير اعلامية أو مقالات سياسية تعتمد على الاستنتاج، وان كانت هذه الشهادات تجافي الدقة أحيانا وهو أمر طبيعي، تتجاوزه طالما أنه مصدرك الوحيد بعدما قطعت الاتصالات وحظر التواجد الاعلامي للتستر على هول ما يجري والا لماذا استقال مسؤولون ليبيون وأهمهم عبد الفتاح يونس رفيق درب العقيد؟ هل لأن القذافي يقيم حفلة سرية يبعد عنها ‘عين الحسود’ مثلا أم أنها ‘استغماية’ اعلامية؟ انه كرس لسياسة الاعلام الأعمى منذ حول ليبيا إلى بقعة هلامية، أو عين عمياء لانها ليست مرئية، عد إلى كهفك يا ابن العتاهية فلا مكان للمجانين الذين يتخبطهم الجنون كأنهم سكارى وما هم بذلك، ولن تأسف عليك الكلاب الضالة التي لطالما استعنت بها كحالة لوصف شعبك العظيم حفيد عمر المختار الذي تحدى الفاشيين لحظة اعدامه: ‘هذه ليست النهاية، وعمري أطول من عمر شانقي’ وهو ما استند إليه تقرير ماجد عبد الهادي بأروع أداء صوتي تقشعر له الأبدان على وقع عرض صور لجثث متفحمة تريك حقيقة هذه العائلة التي تحول ليبيا في لحظة تهاوي الطغاة إلى أفران غاز اسرائيلية!
الأب ينقذ ما أفسده الابن؟ هكذا تساءل محمد كريشان في اللحظات الاخيرة قبيل ظهور رب عائلة ‘الخبل’، ولكن ما خطاب ابن أبيه سوى مؤشر على أن الجنون ‘جين’ وراثي، وليس اكتسابا بيئيا، فلن نتوقع بعد خطاب إعلان الحرب لزيف الاسلام، أي ترقيع من أب يغذي عنصر العته لدى أبنائه لأن العقل عنده في ‘الباي باي’ وفاقد الشيء لا يعطيه، وانظر إلى طريقة حديث ابنه إلى الجماهير تعرف أي قذافي يتغلغل بروحه وكيانه، فلم يكتف بالتهديد والوعيد بالقتل وسفك الدماء والفتنة وحرق النفط بل هدد بتحريض الغرب على استعمار ليبيا، بالتالي تكون ليبيا بوابة الاحتلال الغربي المعاصر في الألفية الثالثة، وهو ما يؤكد نظرية الحاكم المستشرق التي ذكرتها مرة في مقالة سياسية، ان سيف القذافي يتعامل مع الشعب الليبي من منطلق استشراقي قائم على الاستعلاء والاستخفاف بعقل الرعية، فكيف لا ترميه الجماهير بالأحذية كما عرضت الجزيرة والبي بي سي العربية، وهو موقف يسجل للجزيرة فمن المعروف أن علاقة أمير قطر بالقذافي ليست علاقة عداء ورغم ذلك فان الجزيرة تنحاز للشعب مجددا على حساب المصلحة السياسية، بعكس قنوات أخرى تابعة لحكومات تلاسنت في قمم عربية مع هذا المجنون ولم تزل إلى اليوم لم تتخذ موقفا صريحا في ادانة هذا الاجرام الأعمى! الثورة خطر فاضح لأجندة هذا النوع من الفضائيات، ولست أتوقع لأي إعلام عربي على الاطلاق أن يسجل حالة استثنائية في حريات الشعوب وارادتها وثوراتها كما فعلت الجزيرة، لأن الحرية فيها لا تحتاج إلى مرسوم سياسي يجيز البث كما حدث في حادثة البعير في ميدان التحرير حيث بقيت الجزيرة الوحيدة من قنوات الدنيا على الهواء مباشرة، وقد أشد على يد علي الظفيري في لقائه مع برنامج مثير للجدل الذي تبثه أبو ظبي حينما قال سأبقى معترفا ومقرا بدور الجزيرة التاريخي حتى لو غادرتها، ولن أغادرها إلا إلى قبر الصحافة ‘الاعتزال’، وفي هذا البرنامج ما يضيف إلى خطر الثورة على العربية خطرا آخر هو نجوى القاسم التي انحازت لمسألة الحسابات في التعاطي مع الخبر والرأي رغم أنها ظهرت بصورة أفضل بكثير من زميلتها ‘جيزيل’ التي استضافها البرنامج من قبل، لن أغفل طبعا الميرازي الخطر الأكبر بعد الثورة على مسيرة قناة لطالما تشدقت بالحرية وبأنها على قدم المساواة مع الجزيرة، الأن على العربية أن تحزم حقائبها وتغادر صفوف الاعلام الاستثنائي لتنتقل إلى دائرة القنوات المحلية المغلقة والمغلقة فقط!
مواجهة خاصةهذا العلامة لا يخشى في الحق لومة لائم، وتمسكه بالحق هو أساس استثنائيته، فلقد بدا غاضبا أيما غضب وهو يتحدث عن ثورة ليبيا رافضا توجيه خطابه إلى من سماه ‘المجنون’، الجميل في القرضاوي أن غضبه الذي يخرجه عن طور التحسب أو الحذر من الاعتبارات السياسية والاعلامية لا يدخله أبدا في دوامة التخبط أو الغوغائية لا سمح الله، يظل حكيما حتى في ذروة انفعاله، وهو في ثورة ليبيا يختار مواجهة خاصة مع الظالم تقوم على الدعاء عليه بالموت واهدار دمه وعلى الملأ عبر منبر اعلامي تداعت إليه سائر الفضائيات بالبث عندما تواطأ القمر الفضائي نايل سات في عهد مبارك مرة والآن بعد خلعه يتواطأ مع زميله في الخلع مرة أخرى، فأين أنتم يا ثوار التحرير؟ وأضم صوتي لصوت وزير الاعلام اللبناني الذي ناشد ثوار مصر بالتيقظ لهذه الكارثة بل قل الطعنة في ظهر ثورتهم المجيدة.. بورك القرضاوي الذي ليس هو الخميني ولن يكونه أبدا، بورك لأنه تجرأ على رد الموت بالموت للقاتل، ومادام هنالك رب يسمع فالدعاء ليس دورا بطوليا أو اعلاميا انما لاعبا رئيسيا في المعركة في حين أن ‘شارونية’ القذافي تدفع العالم لأن يفكر ألف مرة قبل ادانته بالمجزرة!
الزحف المقدسلقد انهار تماما مثل صاحبيه قبله وان اختلفت طريقة التعبير عن ذلك الانهيار، فالمخلوع الأول اقتبس شارل ديغول لما خاطب فرنسيي الجزائر في انقلاب الـ 1958، وكان يرجف وفي نبرته توسل ذليل، أما المخلوع الثاني فكان خشبيا تماما، يتهاوى رويدا رويدا وترى ضعفه بعناده وتعنته، واما هذا فانهياره بجنونه، لقد فلتت أعصابه تماما، كان يدق على المنبر رافضا فكرة أن يتمرد شعبه ورفاقه عليه، لا أظن أن نهايته ستكون كرفيقيه أبدا، إنه سيشكل خطرا على المرضى لو تم ادخاله في مشفى عقلي، فما بالك بخطره على الأصحاء؟ ها هو ينوي الزحف المقدس الذي تصفق له قنواته ولم تتعظ من نكبة الاعلام المصري بعد الثورة، فأي زحف هذا الذي يتراءى له؟ احذروا انهيار هذا المضطرب، لأن انهياره ليس مقتصرا على خراب داخلي بل سيتعداه إلى ما هو أبعد من الزحف المقدس! شاعرة عربيةwww.linaabubaker.comwww.facebook.com/lina abubaker