القرضاوي ورد الاعتبار لدور المثقف الديني

حجم الخط
0

منتصر حمادة

رسالة قوية وجهها أحمد الريسوني الي مؤسسة العلماء الرسميين بمغرب ما بعد تفجيرات الدار البيضاء سيئة الذكر.

ـ أحمد الريسوني هذا هو القيادي السابق لحركة التوحيد والاصلاح (حركة اسلامية مغربية محسوبة علي الصف المعتدل، مُعترف بها رسميا، وتجسد اليوم قاعدة حزب العدالة والتنمية، حتي أن العديد من أعضاء الحركة منتمون للحزب، كما أن الريسوني يعتبر القيادي الاسلامي الحركي الأول الذي ألقي درسا حسنيا ضمن سلسلة الدروس الرمضانية التي تلقي أمام ملك البلاد). ـ أما الحديث عن مغرب ما بعد تفجيرات الدار البيضاء، فمرده التطورات الدينية التي يشهدها المغرب مع ما يُصطَلح عليه بـ اعادة هيكلة الحقل الديني، والتي أفرزت مثلا ادماج العديد من الفاعلين الدينيين المحسوبين علي الحركات الاسلامية في المؤسسات الرسمية، وأفرزت أيضا انكماشا لأدوار العديد من العلماء الذين ارتأوا الاعتزال وطبق الصمت واتقاء فتنة الحرمان من المناصب والامتيازات، لولا أن ذات المبادرة كَرَّسَت علي الخصوص الصورة الباهتة للعلماء المؤسسة لدي الرأي العام، بالصيغة التي تجسدت وتتجسد في العديد من الأمثلة والمبادرات.

لنتوقف مع الدروس الواردة في حوار أجرته يومية المساء المغربية مع أحمد الريسوني، تطرق فيه لمواضيع عدة، منها وضعه النقاط علي الحروف بخصوص طبيعة العلاقة بين حركة التوحيد والاصلاح وحزب العدالة والتنمية، والتي لخصها في عبارة دقيقة ( وطبعا ـ كذا ـ فعلاقتنا كمشروع اسلامي مع حزب العدالة والتنمية هي علاقة حميمية واستراتيجية ومصيرية ولا تحتمل التهرب ولا القطيعة )، ومنها أيضا رأيه بخصوص الضجة التي تسببت فيها فتوي للشيخ يوسف القرضاوي، والتي أجازت للمغاربة الاقتراض من البنوك من أجل اقتناء السكن، مُلاحِظا في هذا الصدد أن أحد أكبر علماء الأمة شيعه البعض بالنباح، بعض الصحافيين وبعض الساقطين، وهذه هي الاهانة الحقيقية للمغرب. والذين تحدثوا باسم العلماء ـ والعلماء براء منهم ـ هم أيضا أهانوا المغرب وأهانوا سمعة المغرب، فما حصل ليس من أخلاق المغرب ولا من أخلاق علماء المغرب، وأنا علي يقين أن ما صدر باسم هيئة علمية في المغرب ليس فيه لا رائحة العلم، ولا رائحة العلماء، انما فيه روائح أخري. (يومية المساء. العدد 37. 1/11/2006)ـ ولنبدأ أولا بالعلاقة الملتبسة عند البعض، والبديهية، عند البعض الآخر، تلك التي تميز الثنائي حركة التوحيد والاصلاح، وحزب العدالة والتنمية.

لنا أن نتصور طبيعة ردود أبناء الحركة والحزب في آن (والعديد من هؤلاء اليوم هم قياديون في الحركة والحزب، بل ان البعض منهم قيادي في الحركة والحزب والنقابة الاسلامية وجريدة التجديد الناطقة باسم التيارين..) لو أن نفس التصريح صدر عن أحد الأقلام المصنفة في خانة العداء للاسلاميين (ونقصد بها، من منظور اسلامي حركي بالطبع، كل اعلامي أو كاتب أو باحث.. ينتقد رؤي واجتهادات الاسلاميين)، أو جاءت علي لسان مسؤول سياسي محسوب علي احدي الأحزاب السياسية المنافسة للحزب الاسلامي.

لولا أن التصريح هذه المرة صادر عن أحد أبرز رموز الحركة علي الاطلاق، حتي أن الرئيس الحالي، وهو للمفارقة أقل مكانة في التكوين العلمي مقارنة مع الريسوني لا يحظي بالشعبية التي لا زال يحظي بها الرئيس السابق.

طبيعة العلاقة الحميمية بين الحركة والحزب معلومة ومُسَلَّمٌ بها من قبل قيادات وقواعد الحركة والحزب معا، بل انه مُسَلَّمٌ بها أيضا من قبل العارفين بأوضاع الحزب ومنهم طبعا الأجهزة الأمنية وصناع القرار السياسي في البلاط الملكي، ولو أن تصريحات العديد من قيادات العدالة والتنمية تصب في انكار حميمية هذه العلاقة، وهم يعلمون جيدا أنهم يغالطون المتلقي، ولكنهم لا يغالطون من يهمهم الأمر (الأجـــهزة الأمنية وصناع القرار السياسي)، تماما كما يـــــعلم هؤلاء أن تلك التصريحات تندرج في باب الازدواجية، لعلمـــهم اليقيني بأن هــــذه الازدواجية تخدم المصالح الاستراتيجية للحـــركة والحزب في آن.

المسألة تُشبِه اتفاقا ضمنيا بين الطرفين (الحركات الاسلامية مُمَثلة في التوحيد والاصلاح و العدالة والتنمية من جهة والسلطة من جهة ثانية) علي احترام قواعد اللعبة، وقد أثبت الاسلاميون حتي الآن علي الأقل، قابلية لتقديم تنازلات كلما تطلب الأمر ذلك، وكما تم ذلك في العديد من الحالات.

يعلمون جيدا أن الرأسمال الرمزي الأكبر الذي يميزهم عن باقي الأحزاب السياسية هو ما يصطلح عليه بـ المرجعية الاسلامية، أو تأسيس القول السياسي علي الخطاب الأخلاقي، وبالتالي، فهم متيقنون بأن ما قد نصطلح عليه بـ نهاية الحزب الاسلامي رهينة بالفصل بين الدعوي والسياسي أو التخلي عن الخطاب الدعوي أو الوعظي أو الأخلاقي (بصرف النظر عما ان كانت ممارسات العديد من الاسلاميين تتعارض مع القول الأخلاقي أو الوعظي). ما يُحسَبُ للريسوني أنه كشف للقاصي والداني هذه المسلمة، ولا يهم تعقيب الاسلاميين المعنيين، كأن ينفوا ثنايا هذا الاعتراف أو التنكر له.

ـ نأتي للنقطة الثانية، وتتعلق بالتعقيب علي الأصداء التي خلفتها فتوي الشيخ يوسف القرضاوي.

نتذكر جيدا ثنايا البيان الذي أصدره المجلس العلمي الأعلي بالمغرب، والمؤرخ في يوم السبت 23 أيلول (سبتمبر) 2006، حيث تَمَّ وصْفُ فضيلة الشيخ يوسف القرضاوي وهو أحد أبرز العلماء المسلمين المعاصرين، ان لم يكن أبرزهم علي الاطلاق، بأنه مغرور ومتنطع (كذا)، كما نتذكر نشر العديد من الاعلاميين والباحثين مقالات رأي ومتابعات صَبَّ أغلبها في نقض أو شتم الرجل/الشيخ (كما نقرأ علي الخصوص في المقالات التي صدرت في يومية الأحداث المغربية و الاتحاد الاشتراكي )، ويكاد يكون الاستثناء في مقالات السب والشتم، ما حرره الباحث يحيي اليحياوي في هذا المنبر بالذات، والذي لم يتشغل أساسا علي التنويه بالقرضاوي أو نقده، بقدر ما ركز علي توجيه بعض الرسائل الي علماء المؤسسة، هذا ان كانوا فعلا يستحقون علماء. ( “القدس العربي” ـ عدد 6/11/2006). أما اليومية الاسلامية التي فجرت الضجة، ونتحدث عن يومية التجديد، فقد اكتفت بنشر بعض الردود الفقهية علي نص الفتوي، ومنها اجتهاد للشيخ محمد الروكي، وتعقيب لأحمد الريسوني، اضافة طبعا الي نشر النص الكامل لرد المجلس العلمي الأعلي. ويمكننا اضافة رد للشيخ عبد الباري الزمزمي، دافع فيه عن موقف القرضاوي، بالصيغة الواردة في يومية النهار المغربية.

وبَدَهِي ـ وهذا ما يبعث علي الخجل حقا، أو الشفقة بتعبير اليحياوي في مقاله بـ “القدس العربي” ـ أن موقف الشارع المغربي من رد المجلس العلمي الأعلي لم يخرج عن السخرية والتهكم، علي غرار السخرية من بيان نفس الهيئة ردا علي تداعيات الرسوم الكاريكاتورية الدنماركية سيئة الذكر. (جاء البيان متأخرا عن ردود فعل أغلب علماء الأمة، ناهيك عن ردود اسلاميي الوطن العربي والعالم الاسلامي، أما ثنايا الرد، فكانت مريبة للغاية، بحيث بدا كما لو أنه يعقب علي قضية تهم احدي جزر المحيط الهندي، حتي أنه لم يتوقف لا من قريب ولا من بعيد عند اسم الدولة أو اسم الصحيفة التي نشرت الرسوم اياها). امتدت نفس السخرية من رد المجلس العلمي الأعلي علي الشيخ القرضاوي الي أروقة وزارة الأوقاف والشؤون الاسلامية، وهي للمفارقة، المعنية أولا بما يُسَمَّي اعادة هيكلة الحقل الديني، والمعنية علي الخصوص بالاشراف علي تحرير نص بيان المجلس العلمي الأعلي ـ الذي لم يكن مُتَشَبِّعا بـ رائحة العلم، ولا رائحة العلماء، وانما فيه روائح أخري بتعبير الريسوني ـ ولكننا كما هو متوقع، لم ولن نطلع علي اجتهاد أو مقال رأي لأحد أقلام الوزارة ينتقد فيه بيان هيئة العلماء، ليس بالضرورة دفاعا عن الشيخ يوسف القرضاوي، ولكن للمطالبة علي الأقل باحترام مكانة العلماء، وعلي أحقية تفادي السقوط في تمرير مثل هذه الردود التي تبعد الناس أكثر عما يصدر عن علماء المؤسسة، وهم أصلا لا يحظون بالاحترام المرجو من طرف الشارع أو الرأي العام.

كان علينا انتظار ردود كل من عبد الباري الزمزمي وأحمد الريسوني، حتي نقرأ نقدا صريحا ومسؤولا تجاه مؤسسة العلماء، والنقد هذه المرة، وان كان محسوبا بشكل أو بآخر علي فقهاء اسلاميين أو مقربين من حركات وأحزاب اسلامية، الا أنه يصيب في العمق الهدف الأسمي اللصيق بمهمة العلماء والفقهاء، والتي لا تخرج عن النطق بالحق، في وجه الكل، وعلي قدر المستطاع طبعا، خاصة في هذا الزمن الموحش علي اعتبار أن عدم احترام الخطوط الحمراء في الأزمنة الغابرة، كما قرأنا في كتب التأريخ الاسلامي، كان طريقا مباشرا نحو قطع الرؤوس والسجن والاعتقال والتعذيب.

للشيخ يوسف القرضاوي كل التقدير، لأن فتواه الأخيرة تسببت في الضغط علي علماء وفقهاء المغرب لأن يعلنوا صراحة عن مواقفهم واجتهاداتهم تجاه قضية جزئية وعابرة، ولكنها تقف وراء تقييم طبيعة هذه المواقف والاجتهادات، وهو تقييم يُخَوِّل للمتتبع أخذ نظرة علي دور العالِم في مغرب ما بعد تفجيرات الدار البيضاء. أهمية ردود الزمزمي والريسوني ـ وان لم نكن من المريدين الفكرانيين (الايديولوجيين) لهذين الشيخين، ولا يشرفنا ذلك بالمناسبة ـ تكمن في رد الاعتبار لمسؤولية العالِم/الفقيه، بصفته مثقفا دينيا مُطالبا بالوقوف الي جانب المعذبين في الأراضي العربية والاسلامية، بتعبير فرانز فانون هذه المرة.

ہ كاتب من المغرب8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية