القاهرة ـ «القدس العربي»: مع نهاية إجازة الأسبوع وعلى مدار يومي السبت والأحد 17 و18 ديسمبر/كانون الأول، كانت الأغلبية في واد والحكومة في واد آخر، فبينما الجماهير في طول البلاد وعرضها تخوض معركة الأمعاء الخاوية، بعد أن واصل التجار إشعال الأسعار، زار الفرج أخيراُ مجلس الوزراء عقب إعلان صندوق النقد الدولي موافقته على البرنامج المتفق عليه بين الإدارة التنفيذية للصندوق والدولة المصرية، ممثلة في “الحكومة والبنك المركزي المصري” بشأن برنامج الإصلاح الاقتصادي المصري الوطني الشامل، والممتد لمدة أربع سنوات، الذى سيدعم تقديم تسهيل ائتماني ممتد للدولة المصرية. ويتيح الاتفاق حصول السلطات المصرية على حزمة تمويل خارجية إضافية، من خلال عدد متنوع من المؤسسات الدولية والإقليمية، وكذلك من خلال أسواق المال العالمية، كذلك يتيح الاتفاق القدرة للدولة المصرية على التقدم للحصول على تمويل إضافي من خلال “صندوق المرونة والاستدامة”، الذي تم إنشاؤه حديثا في صندوق النقد الدولي. وبدوره أكد الدكتور محمد معيط وزير المالية، أن تعديلات قانون الإجراءات الضريبية، لا علاقة له من قريب ولا من بعيد بسرية حسابات المصريين والشركات المصرية علي الإطلاق، بل يأتي تنفيذا للاتفاقية الدولية التي وقعتها مصر.
ومن أخبار البرلمان: وافق مجلس النواب في شكل نهائي على مشروع القانون المقدم من الحكومة، بتعديل بعض أحكام قانون الإجراءات الضريبية الموحد الصادر بالقانون رقم 206 لسنة 2020. وأكد المستشار الدكتور حنفي جبالي رئيس مجلس النواب، أن مشروع القانون يقتصر مجال إعماله على تبادل المعلومات بين الدول بهدف مكافحة التهرب من الضرائب وإخفاء المتهربين لثرواتهم وأصولهم المالية على مستوى الدول، ولا يمس المعاملات المصرفية الخاصة بالمواطنين داخل الدولة أو الأسرار التجارية أو الصناعية أو المهنية لهم. وأضاف وزير المالية خلال الجلسة العامة في مجلس النواب أمس الأحد أثناء مناقشة تعديلات قانون الإجراءات الضريبية، أن هذا الأمر ليس جديدا علينا، مستشهدا بقانون “الفاتكا” وهو قانون الامتثال الضريبي الأمريكي، وهو القانون الذي صدر في الولايات المتحدة الأمريكية، ويهدف إلى التصدي لعمليات التهرب الضريبي لبعض الأشخاص الأمريكيين، من خلال استخدام حسابات تفتح في مؤسسات مالية أجنبية خارج الولايات المتحدة..
ومن الأخبار التي تهم الأغلبية: أكد الدكتور علي المصيلحي وزير التموين والتجارة الداخلية، أنه سيتم تشكيل لجنة عليا من اتحاد الصناعات واتحاد الغرف التجارية وحماية المستهلك، لوضع سعر عادل للسلع الاستراتيجية والأساسية، التي سوف يصل عددها إلى ما يقارب 10 إلى 15 سلعة استراتيجية وأساسية. وأشار المصيلحي إلى أنه لا يوجد تسعير إجباري للسلع باستثناء الأرز. ومن أخبار الرئاسة: تابع الرئيس السيسي مستجدات الموسم الحالي لزراعة القمح 2022 /2023 على مستوى الجمهورية، موجها بأن يتم تحديد سعر توريد القمح، بحيث يحقق عائدا اقتصاديا مجزيا للمزارعين والفلاحين، ويدعم زيادة كميات توريد القمح. ومن أخبار الراحلين: توفي رجل الأعمال محمد الأمين في مستشفى السلام الدولي. الأمين كان يقضي عقوبة السجن الحبس 3 سنوات في قضية الاتجار بالبشر في سجن 15 مايو وتم نقله إلى مستشفى السلام منذ عدة أشهر بسبب مرضه.
عنوانها الألم
البداية مع رسالة تكتسب مصداقيتها من كون صاحبتها جرى تكريمها من القصر الرئاسي، وتتبوأ منصبا أمميا مرموقا وهي الدكتورة سهير قنصوة المسؤولة الأولى للسياسات والتخطيط الاستراتيجي لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي سابقا، التي ألقت الضوء في “المصري اليوم” على صرح طبي مهدد بالإغلاق: الأولويات تتزاحم… والطلب على الموارد في تزايد وتنافس والاقتصاد يترنح من الضغوط المعيشية والأزمات الخارجية، والضرورة الأمنية والتقلبات المناخية. بسبب مرض السرطان اللعين، نأمل ونرجو ونطالب بإنقاذ مستشفى سرطان الأطفال 57357 المهدد بالإقفال في القريب العاجل، إذا لم يحصل على الدعم المادي اللازم لاستمراره في تأدية رسالته، وقام بها بجدارة واستحقاق حتى أصبحت نجاحاته على الصعيد الدولي قصة ملهمة، رغم الصعوبات والتحديات. ومنذ أن فتح 57357 أبوابه عام 2007 لاستقبال أول الأطفال المصابين بالسرطان، حتى الآن وهو يعمل بالمجان، يستهدف غير القادرين، وإذا استدعت حالة طفل قبوله وكانت أسرته مقتدرة، فالأسرة دوما تقوم بالتبرع، حيث العلاج بالمجان للجميع. وسوف أذكر ما نشرته الأستاذة الجليلة غادة والي حينما كانت تتولى منصب وزيرة التضامن الاجتماعي، بعد زيارتها لحفيدتي أمينة مراد، التي كان عمرها 13 عاما عندئذ، وكانت تتلقى العلاج الكيمياوئي المكثف في المستشفى لإصابتها بسرطان الدم. وقتها عنونت جريدة «المصري اليوم» تصريحات على لسانها بـ”غادة والي في 57357 الغذاء نفسه والبطانية نفسها.. هنا العدالة الاجتماعية».. كان ذلك عام 2017. وهذا لأن أمينة كانت تتقاسم الحجرة مع طفل مريض آخر كان واضحا أنه من أسرة بسيطة. ومرت الأيام وتماثلت أمينة للشفاء تماما من السرطان ونجحت بامتياز في مدرستها بعد غياب وعاد بريقها وحبها للحياة والمرح.
باسم أمينة
النمو البيولوجي الذي كانت تمر به الطفلة أمينة في هذا العمر أنهك، كما أوضحت الدكتورة سهير قنصوة قواها، فعاد المرض الخبيث بعد عامين من التوقف، ولقيت ربها قبل أن تتم السادسة عشرة. ومنذ أن تركت المستشفى حتى وفاتها كانت تعمل جاهدة للحث على التبرع لـ57357 التي شعرت أنها مدينة لها بشفائها وتغلبها على المرض، كانت تصنع بعض الحلوى وأعمالا صغيرة أخرى كانت تقوم بها هي وزملاؤها وأصدقاؤها لبيعها في المحيط الأسري وترسل حصيلتها إلى المستشفى، كان هدفها إنقاذ طفل من المعاناة التي عاشتها، وربما إعطاء فرصة حياة له. ولأسباب يطول شرحها بعضها بسبب الأزمات المالية التي أصابت البلاد، وبعضها بسبب إعلام غير منصف في وقت سابق.. تابعت المسؤولة الأولى للسياسات والتخطيط الاستراتيجي لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي سابقا: أدى كل ذلك للأسف إلى توقف التبرعات. إصابة الأطفال بالمرض اللعين لم تتوقف بالطبع، ولن يستطيع 57357 تكملة رسالته، إلا إذا توافرت الموارد، المتاح لن يكفي لأكثر من ستة أشهر، علاوة على صعوبة الاحتفاظ بالموارد البشرية ومنهم المتخصصون والفنيون والممرضون والباحثون؛ فهم صانعو النجاح. باسم أمينة وباسم كل طفل مصاب بالسرطان انقذوا هذا الصرح، ولن أقول إن 57357 يمثل قصة نجاح مصرية حسب، فذلك مهم، ولكن رسالته وتميزه في أدائها هما الأهم. وإذا كان الدين بالمقاصد فلن يجد دافع الزكاة أو المتبرع أنبل من إعانة هذا الصرح.
ارحموا هوانه
وافق صندوق النقد الدولي على الاتفاق الجديد مع مصر، وأول بنود هذا الاتفاق الأربعة الأساسية، التي اهتم بتفاصيلها عبد القادر شهيب في “فيتو” هو انتهاجنا سياسة سعر صرف مرن للجنيه.. وهذا يعني توقف البنك المركزي عن حماية الجنيه وترك سعره يتحدد طبقا للعرض والطلب للعملات الأجنبية.. وما دام هناك طلب على النقد الأجنبي أكبر من مواردنا منه، فلنا أن نتوقع استمرار اتجاه الجنيه للانخفاض.. صحيح أنه لم يحدث ما روجه البعض لمآرب سياسية، حول هبوط كبير وضخم في سعر الجنيه يوم الخميس الماضي، ولن يحدث مستقبلا، لكن هذا لا يعنى أن الجنيه بات معصوما من الانخفاض بعد الالتزام بسياسة السعر المرن له في الاتفاق الجديد مع صندوق النقد الدولي. وحتى إذا رغب البنك المركزي المصري، في إطار سياسة التحرير المدار لسعر الصرف أن يحمي الجنيه من الانخفاض، فإن قدرته في هذا الصدد ستكون محدودة، لأن الاتفاق مع الصندوق يتضمن أن يعمل على استعادة مستوى مناسب لاحتياطيات النقد الاجنبي لديه، وهذا ما يقوم به خلال الأشهر الأخيرة. لكن البنك المركزي مطالب أيضا في اتفاق الصندوق بمواجهة التضخم والسيطرة عليه، وتعرض الجنيه للانخفاض يحد من تأثير ما يتخذه من إجراءات لتحقيق ذلك، لأن أي انخفاض للجنيه يترجم تلقائيا بزيادة في أسعار كل السلع المستوردة، أو التي تدخل في إنتاجها مستلزمات إنتاج مستوردة، بل إن السلع المنتجة محليا بالكامل تصاب أيضا بعدوى ارتفاع الأسعار.. ولعل إدارة صندوق النقد الدولي تتفهم ذلك وهي تراجع مع الحكومة المصرية تنفيذ الاتفاق الأخير معها، الذي يتيح لمصر الحصول على ثلاثة مليارات دولار من الصندوق ونحو 11 مليار دولار من شركاء آخرين.. بقي القول إن كل تلك الأموال سنكون مطالبين بردها، بالإضافة للفوائد خلال السنوات المقبلة، أي إنه حل مؤقت لفجوة النقد الأجنبي، أما الحل الدائم فإنه يكمن كما نكرر القول في زيادة مواردنا من النقد الأجنبي وتخفيض إنفاقنا منه في الوقت ذاته.
يصعب على الكافر
نبقى مع مستقبل الجنيه وحاله الذي يشهد كل طلعة شمس مزيدا من التدهور، حيث ربط مصرفيون، تحدثت إليهم منال المصري في “مصراوي” مؤكدين قدرة مصر ممثلة في البنك المركزي المصري على اتباع نظام سعر صرف مرن للجنيه مقابل العملات الأجنبية، بوجود تدفقات دولارية قوية لضبط السوق، وتطويع اشتراطات صندوق النقد الدولي، بما يتناسب مع الوضع في مصر، بعد تخصيص دفعة أولى منخفضة لصرفها لمصر من إجمالي القرض. ويرى مصرفيون، أن قيمة الدفعة الأولى منخفضة للغاية، كما جاءت أقل من توقعات وزير المالية محمد معيط الذي رجح في وقت سابق أن تكون 750 مليون دولار. وقالت سهر الدماطي، نائبة رئيس بنك مصر سابقا، لـ”مصراوي”، إن البنك المركزي يستطيع اتباع سعر صرف مرن للجنيه مقابل باقي العملات الأجنبية الأخرى بشرط وجود اتفاقيات مع الدول الصديقة مثل، دول الخليج والمؤسسات الدولية للحصول على تدفقات دولارية تساعده في ضبط السوق. وأضافت أن تحرير سعر الصرف يلزمه توافر موارد دولارية، بهدف تجنب صعود مفاجئ للدولار مقابل الجنيه، ما يؤدي إلى زيادة الأسعار وارتفاع معدل التضخم. وقال أيمن ياسين الخبير المصرفي، إن تحرير سعر الصرف أو تعويم الجنيه ليس هو الحل للخروج من الأزمة الراهنة، تجنبا للعودة إلى الأزمة نفسها وانخفاض سعر الجنيه ووجود سعرين لسعر الصرف. وأضاف أن الدفعة الأولى من قرض صندوق النقد تعد منخفضة للغاية “بل قد تزيد من أزمة العملة وعدم ضبط سوق الصرف، ولا تناسب احتياجات السوق المصري، وربما يؤدي ذلك إلى الدخول في دوامة من تعويم سعر الصرف أكثر من مرة.
دفنوهم مرتين
الكثيرون يعيشون تجربة دفن الأحبة مرتين، كما أوضح محمد درويش في “الأخبار”: الصديق الدكتور حمدي هاشم الخبير البيئي عاش الأحد الماضي يوما كان، كما وصفه، كقسوة الصخر عندما ذهب ليجمع رفات نجليه الشابين عبدالرحمن ويوسف بعد وفاة الأول في مارس/آذار 2020 عن عمر 32 عاما والآخر 26 عاما ورحل في سبتمبر من العام نفسه، كان قد دفنهما في مقبرة العائلة في السيدة نفيسة، وجاءه الإخطار بإخلاء المقبرة طبقا للمخطط العمراني الجديد للمنطقة. ما حدث مع الدكتور حمدي تعرض له أيضا الكاتب عبدالقادر شهيب ووصفه في مقال له في “الأخبار” تحت عنوان “دفنت زوجتي مرتين”. الموقفان قاداني إلى استعراض تخطيط الجبانات في القاهرة، وكيف أنه تنقصه رؤية بعيدة المدى على مدار أكثر من قرن. تعالوا نتفق على أن المقابر تقام دائما، سواء بتخطيط عمراني أو حتى دونه على أطراف المدن، عندما كانت المنطقة تسمى صحراء العباسية، احتلت مقابر الغفير والمماليك وباب النصر وغيرها الطريق المؤدي من السيدة نفيسة والسيدة عائشة والخليفة، الذي عرف بعد ذلك باسم طريق صلاح سالم. هناك أيضا مقابر زين العابدين في السيدة زينب وهذه ملاصقة لها مقابر الصدقة أمام مبنى مصلحة الطب الشرعي «مشرحة زينهم “وكل هذه المقابر كانت تقع على أطراف القاهرة والانتقال إليها سهل إما على الأقدام، أو لو طالت المسافة قليلا فإن عربات الكارو صباح يوم العيد مثلا تمتلئ بالسيدات المصريات الحريصات على زيارة المقابر بعد صلاة عيد الفطر مباشرة وثاني أيام عيد الأضحى.
مسلمون وأقباط
كان من الطبيعى والكلام ما زال لمحمد درويش أن تحدث زيادة سكانية، لكن معدلها بهذه الكثافة لم يكن في الحسبان، تركت الدولة التي ارتخت قبضة يدها لتظهر العشوائيات تحيط بالمقابر من كل جانب، حتى لو ظهرت على هيئة بنايات فخمة وضخمة مثل مقابر المعصرة عندما أقام أهالي المعصرة البلد مقابرهم في المنطقة الجرداء على الجانب الآخر من الطريق، وأصبحت الآن تقع وسط الأبراج في حدائق حلوان. حتى الدولة عندما أقامت مساكن زينهم الشعبية في منتصف الخمسينيات من القرن الماضي، لم تخطط لنقل المدافن التي تسبقها بأقل من كيلومتر وأصبحت هي الآخرى محاطة بالبيوت من كل جانب، كان التخطيط ضيق الأفق وأقل استيعابا للمستقبل، وهو ما يتجسد في المقابر المعروفة باسم الوفاء والأمل التي أصبحت الأبراج الشاهقة تطل عليها، ولجأت الشركات إلى تغطية السور الخارجي، ولكن ماذا عن سكان الطوابق العليا والكل يطل عليها ليلا ونهارا بمجرد أن يفتح شباك غرفة واحدة، المشهد أيضا يتكرر في القاهرة الجديدة، أمام مساكن الشباب، حيث مقابر للمسلمين والأقباط. عمليات إنقاذ القاهرة من تجمد حركة المشاة والسيارات فيها بإنشاء المزيد من المحاور تتخللها الكباري، وهو مخطط كان يجب أن يتم منذ عقود بعيدة وعندما أصبحنا مضطرين له، لم يعد أمام المخطط سوى إزالة جبانات تقع في طريق ما يخطط له، نتفق أن الحي أبقى من الميت، ولكن نتذكر أن نتدارك ما تتعرض له هذه المقابر، خاصة إن كانت فيها أضرحة من الرموز والعلامات في حياة مصر والمصريين، فلنبدأ بنظرة أبعد ولنتذكر دعوة الراحل الدكتور عبدالرحيم شحاتة محافظ القاهرة في خطاب له أمام الرئيس الراحل مبارك في عيد العمال، عندما أشار إلى أن قاهرة المعز هي الوحيدة في العالم، التي يسكن بعض من أهلها أحواش المقابر، مشيرا إلى أن العلاج يتطلب قرارا بوقف الدفن 15 عاما وتعويض أصحابها بمقابر بديلة تنشأ في إطار مخطط بعيد المدى يجنبنا نقل الرفات والموتى ومعاودة الأحزان كل حين.
المهم النتائج
أخيرا.. والكلام لمحمد راغب في “الوفد”، طالعنا رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي، بقرارات انتظرها الناس بلهفة، على أمل أن يجري تطبيقها، من دون أي تأخير، بعد أن بلغ الإحباط الشعبي، إلى ما كان الظن، أن الحكومة تخلت عن المواطنين، وتركتهم فرائس للتجار الانتهازيين، يتلاعبون بأقواتهم ويقررون أسعارا، تتجاوز أعلى حدود المغالاة، لكن بقرارات الأخيرة ترقب الناس ظهور الحكومة في الأسواق في أجهزتها المعنية كافة، وفي المقدمة منها الأجهزة الرقابية، حتى تكون ساعة الصفر، لإطلاق حرب واسعة، تضرب مافيات التجار والمحتكرين للسلع الغذائية وغير الغذائية، وأولئك الذين يتعمدون تعطيش السوق، حتى يفرضوا ما شاءوا لها من أسعار. وحذر الكاتب من عواقب الاحتكار، وطلب من الحكومة أن تنزل من الغيمة إلى الأرض، وأن تستدعى كل أجهزة الدولة، وكل من يحمل الضبطية القضائية، لإطلاق حرب شاملة، تنقذ البلاد من مؤامرات هذا الكارتل، وهو بالضبط ما فعله الدكتور مدبولي، في اجتماعه يوم الاثنين الماضي، مع كل من وزير التموين، ورئيس جهاز حماية المستهلك، ونائب وزير الداخلية للقطاع الاقتصادي، وجميع المسؤولين في الأجهزة المعنية، وقد قرر التعبئة العامة للأجهزة الرقابية، وتكليفها بعد انتهاء مهلة الأسبوعين، بإغلاق منافذ البيع والمتاجر، التي لا تعلن الأسعار على السلع، والتهديد العلني للذين يخفونها، بهدف تحقيق مكاسب حرام. لقد قوبلت هذه القرارات بارتياح حذر، حتى يشعر الناس بالنتائج.. أن تستقر الأسعار، وتتوافر السلع في الأسواق، وأظن أن الحكومة جادة هذه المرة، خاصة أنها استشعرت المعاناة القاسية، التي يعيشها عموم المواطنين، وبالذات الأسر الفقيرة والفئات الأكثر احتياجا، الذين تدعمهم الدولة، من خلال برامج الحماية الاجتماعية، مثلما كان الحال، في شهر مارس/آذار الماضي، عندما خصصت الحكومة، مبلغ 130 مليار جنيه، لمواجهة تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية، ومن قبل السيناريو الناجح، لتخفيف الآثار الاقتصادية لجائحة كورونا، وهي أحداث تفرض – بالطبع- أعباء على ميزانية الدولة، بسبب التغيرات في الأسعار عالميا.
حلحلة الأزمة
يتساءل البعض تحت وطأة الوضع الاقتصادي الحرج والغلاء الذي أصاب السلع كافة: هل على الحكومة، مبادلة برامج الحماية الاجتماعية، بأي من الأزمات الطارئة، وأخطرها فوضى السوق، وموجات الغلاء؟ بدروه يرى محمد راغب أن مخصصات هذه البرامج، تمثل ضغوطا على الموازنة العامة، وفي الوقت نفسه، ليست أكثر من كونها حلولا وقتية، لا تنتج حلا للأزمة، لأنه كلما تدخلت الحكومة بحزمة مساعدات اجتماعية جديدة، بغرض تخفيف أعباء غير القادرين، إلا وسبقتهم المافيات المستفيدة بخطوات، وهم في حالتنا الراهنة، التجار والمحتكرون للسلع والأسواق، عندما يمارسون ألاعيبهم الشيطانية لرفع الأسعار، بأضعاف قيمة هذه المساعدات، ومن ثم تنتقل الأزمة إلى مستوى جديد.. وهكذا. إذن والكلام ما زال للكاتب، تفكيك هذه الأزمة – الغلاء والاحتكار- مرهون بتفعيل قرارات الدكتور مصطفى مدبولي على الأرض، على أن يتحمل الشعب مسؤوليته، في مساعدة الأجهزة الرقابية، في مطاردة المستغلين من التجار، والإبلاغ عن المخازن السرية، حتى يمكن ضبط ومحاكمة، كل من يحتكر السلع أو يتلاعب في الأسعار.. أمر آخر، أن تهتم الحكومة بضبط المنظومة الاقتصادية، بدءا من دعم الفلاحين والمنتجين لأى سلع استراتيجية، مثلما تفعل أغنى دول العالم الرأسمالية، وكذلك العمل على تضييق الحلقات الوسيطة، لتداول السلع بين المنتج والمستهلك، ما من شأنه، تخفيض التكلفة النهائية، وبالتالي تتراجع الأسعار.. وأظنها إجراءات ليست صعبة على الحكومة.
الابداع القطري
ضمن العرب مقعدا مغربيا بين الأربعة الكبار، ليسطروا على حد رأي حسن القباني في “المشهد”، نسخة استثنائية ولا أروع ولا أجمل منها، في الشكل والمضمون، ما يستحق التوقف والرصد. قدمت قطر تجربة عربية مبهرة في التنظيم والتشغيل، بشكل عزز الإنجاز العربي بامتياز، وضرب عقدة الخواجة في مقتل، وأرّق مضاجع المنهزمين حضاريا وأقلامهم، وأعاد للهوية العربية والحضارة الإسلامية أوج تألقهما وتوجههما. وكشفت البطولة عن أن الوحدة العربية، دواء رئيسي لعلاج أزماتنا العربية جمعاء، وأن هذا الحلم وإن كان عزيز المنال، إلا أنه سيظل أملا يراود الأجيال القادمة حتى تحقيقه، وقد شاهد الجميع كم كان إعلان جامعة الدول العربية دعمها قطر، ثم اتحاد جميع الدول العربية في منظومة عربية داعمة للمونديال العربي سببا رئيسيا في النجاح، بعد رحمة الله عز وجل بنا، وتأليفه لقلوب وجب تصالحها. وقدّم المنتخب المغربي عروضا كروية كسرت كل التابوهات القديمة بشكل يستحق الفخر، ويحفز كل فريق عربي في الكرة أو أي مجال، لبذل كل ما في وسعه، لاستعادة أمجاد العرب واحراز تقدم حضاري جديد في كل المجالات. وقد كانت لفرق العرب وافريقيا الأخرى المشاركة في المونديال جهود ملموسة في بعض المباريات، تؤكد أن كل الأحلام ممكنة وأهمية استمرار الجهد مثل المنتخب السعودي في مباراة الأرجنتين، ومنتخب تونس في مباراة فرنسا، ومنتخب السنغال في مجمل مبارياته.
فلسطين فازت ايضا
مضى حسن القباني مستخلصا المزيد من دروس المونديال الذي اعاد اكتشاف قطر بالنسبة للعديد من سكان المعمورة: قدم الشعب العربي كذلك دروسا قاسية للكيان الصهيوني الغاصب من المدرجات وجوارها، وجدد رفضه للتطبيع مع المحتل الغاصب، وسجلت القضية الفلسطينية حضورا فريدا وعظيما في المونديال، ليعلم المحتلون وذيولهم جيدا أن القضية الفلسطينية ما زالت في قلب كل عربي، مسلما كان أم مسيحيا. وعزز الرفض العربي لمحاولة التطبيع الاجتماعي مع الشذوذ، الذي قاده منتخب الألمان وقياداته السياسية في الملاعب القطرية، قوة المناعة العربية في مواجهة التمرير المشبوه لذلك المرض، وشكّل فرصة لرافضيه في الغرب لتسجيل مزيد من اعتراضاتهم على تلك الانتكاسة. وأبرز حضور أمهات اللاعبين المغاربة في المشهد، قيمة العائلة في المنطقة العربية، ومكانة الأم في الأسرة العربية والسياق الاجتماعي، رغم الضربات المتطرفة التي تتعرض لها من المنهزمين حضاريا، والمطففين اجتماعيا، والمطبعين في كل أشكالهم، لنذهب إلى ما ذهب إليه بايدن قبل أيام. إننا نسجد لله شكرا على هذه النعم وغيرها التي أسبغ علينا بها طوال فترة المونديال، ونشكر كل من كان سببا ولو بسيطا في صنعها، ونأمل أن تتواصل الجهود لإنجاز نجاحات عربية أخرى تصلح القلوب والجيوب والعلاقات والمعاملات، وما ذلك على الله بعزيز، وما ذلك عن عقول الحكماء والنبلاء في كل وطن عربي ببعيد أو غريب.
لا يليق بالسامبا
من بين محبي كرة القدم لا يذكر، كما يرى الدكتور وحيد عبدالمجيد في “الأهرام”، كافو ورونالدو وريفالدو وروبرتو كارلوس ورونالدينيو؟ جيلُ ذهبى في منتخب البرازيل لامس السحاب. فاز بكأس العالم عام 2002. وبعضُهم كانوا في بداية مشوارهم مع المنتخب، الذي فاز بها عام 1994 أيضا، مثل كافو الذي لعب بديلا للكبير جورجينيو. أظهرت الكاميرات الحاضرين منهم في المقصورة الرئيسية عدة مرات في المونديال الحالي. أعطى حضورُهم مشجعي البرازيل حماسة إضافية، قبل أن يغادروا محبطين، ليفقد المونديال شيئا مهما في غياب الجمهور الأكثر عشقا لكرة القدم في العالم. جمهورُ البرازيل ليس كغيره، جمهورُ الأرجنتين الأقرب إليه، ولكنه لا يماثله. لا شىء يُعوض مغادرة راقصي السامبا الكروية في منتصف المونديال، أو بعده بقليل كما حدث في دورة 2022. عشراتُ الآلاف من المشجعين يذهبون وراء منتخبهم أينما أقيم المونديال، ومهما بعُد. قطعوا نحو 12 ألف كيلومتر هذه المرة من مدن البرازيل المختلفة إلى قطر. يفقدُ المونديال شيئا مهما حين يغادرون. طرقُهم في تشجيع منتخبهم لا تُضاهى، سواء وهم ينتظرون فوزا، أو يحتفلون به. يبتكرون في كل دورةٍ أساليب جديدة بالأخضر والأصفر والأزرق على إيقاع موسيقى السامبا. حضورهم مُميز لا يمكن تعويضه. وكيف لا، وهم يفهمون اللعبة جيدا، ويعشقونها، بعد أن تربوا عليها. أطفالُ البرازيل يلعبون الكرة في كل مكان. في شوارع مُمهدة، وطرق وعرة، على حد سواء. على أسفلت أو تراب، أو حتى طين من أثر الأمطار. يذهبُ كثيرُ منهم إلى أنديةٍ محلية في بلداتهم، ولكن أقل القليل منهم ينتقلون إلى أحد الأندية المعروفة. يروى قائدُ عام 2002 كافو دى مورياس، كيف كان يستيقظُ في الرابعة صباحا ليلحق التدريب في التاسعة، بسبب بُعد المسافة بين بلدته ومدينة ساوباولو. قصة نجاحه وتألقه، كما رواها في كتابه «ملحمة كافو» مدهشةُ وملهمة. ما زال هو آخر من حمل الكأس، إذ أخفق البرازيليون بعد ذلك في الفوز بها. لكنهم لا يخسرون وحدهم. مغادرتُهم أي مونديال قبل نهايته خسارةُ له أيضا. ولو أنهم موجودون اليوم لجعلوا الساحات والطرق، وليس ملعب لوسيل فقط أكثر نشاطا وحماسة وحيوية.
زمن مارادونا
عاد بنا الدكتور محمود خليل لأربعة عقود للوراء، حيث حقبة عدها كثيرون ذهبية كما أوضح في “الوطن”: خلال فترة الثمانينيات بدأت الحقبة المارادونية في حياة المصريين، حين سطع نجم الشاب الأرجنتيني مارادونا، وقدم أسلوبا جديدا في لعب الكرة، يعتمد على مهارة المراوغة، والقدرة على تسجيل الأهداف من أي مكان في الملعب. عندما ظهر مارادونا في كأس العالم 1982 لم يلفت الأنظار بشدة. كان فريق الأرجنتين ككل يعاني من أزمة بعد أن تكشفت الفضائح التي وقعت في البطولة التي نظمتها الأرجنتين، وفازت فيها عام 1978، وسعي رئيس الأرجنتين المحموم ـ حينذاك- إلى فوز فريق بلاده بالكأس، عن طريق التربيطات والرشاوى، بهدف التغطية على عمليات الاستبداد الممنهج التي كان يقوم بها ضد الشعب الأرجنتيني، التي انتهت إلى التخلص منه في إطار ما عرف بثورة الأمهات. تابع الدكتور محمود خليل: السطوع الحقيقي للنجم الأرجنتيني كان في كأس العالم عام 1986، فقد تألق مارادونا في ذلك الوقت بشدة، وأحرز أهدافا شديدة التنوع والجدة، بما في ذلك هدف أحرزه بيده في غفلة من الحكم التونسي علي بن ناصر. ومع تألق مارادونا بدأ المصريون في الانقسام ما بين حزب يستدعي النجم البرازيلي بيليه، ويتحدث عن أدائه الفذ وإنجازاته الكبيرة، وفريق آخر يناصر مارادونا صاحب أجمل المراوغات والأهداف، وانقسموا إزاء ذلك إلى حزبين.
ركوب البحر
طبعا والكلام للدكتور محمود خليل هدف مارادونا الذي أحرزه بيده في مباراة الأرجنتين وإنكلترا شكّل مادة جيدة للعراك ما بين الحزبين، فمنهم من كان يقسم بالله أن مارادونا أحرز الهدف بيده، ومنهم من أقسم أن الهدف برأسه، ومؤيدو رأس مارادونا، لم يقتنعوا بما تم تداوله خلال هذه الفترة من أن اللاعب أحرز الهدف بيده، وحتى بعد أن اعترف مارادونا نفسه بذلك، ربما لم يصدقه بعص أنصاره من المصريين. عالج الكاتب محمد دوراة والمخرج علي عبد الخالق، الجدل الذي فار في مصر بين الحزب المارادوني والحزب المعارض له بخفة ظل راقية في بعض مشاهد فيلم “أربعة في مهمة رسمية”، وقد أنتج عام 1987، أي بعد عام من انتهاء بطولة 1986، ويظهر فيها البطل أحمد زكي وهو يقف متأففا في طابور طويل لا يتحرك أمام أحد الموظفين، بسبب مناقشة حامية بين الموظف وبعض المواطنين حول الهدف الذي أحرزه مارادونا، وهل دخلت الكرة الشباك بيده أم برأسه، وكيف تمسك الموظف برأيه في أن الكرة برأسه، وتمسك آخرون أن الكرة بيده، ونسي الجميع مصالحهم التي يتوجب قضاؤها، لكنها الحزبية المصرية التي تجد لنفسها متنفسا في التحيزات الكروية. كانت الحال كذلك في مصر طيلة حقبة الثمانينيات، في وقت شاركت فيه دول عربية وافريقية عديدة في كأس العالم، وعجز المنتخب المصري عن ذلك، حتى شاء الله أن نتأهل للمشاركة على يد الكابتن محمود الجوهري رحمه الله، حين نزلت عدالة السماء على استاد باليرمو بالهدف اليتيم الذي أحرزه الكابتن مجدي عبد الغني لنتعادل مع هولندا، لينخرط المصريون بعدها في احتفالية رائعة، لكنها عجيبة، لأن كل الهتافات فيها تأسست على سب نجوم فريق هولندا حينئذ، وكان للنجم رود غوليت والنجم فان باستن نصيب وافر منها. والعجيب أن هذه الكأس شهدت أولى موجات الهجرة غير الشرعية من مصر إلى إيطاليا، حين بادر بعض الشباب المصري إلى ركوب البحر والتسلل إلى إيطاليا، لمشاهدة مباريات كأس العالم، وقرر بعضهم المكوث والعمل هناك بعد انتهاء المنافسات.
أبو عجيلة
لا حديث بين ليبيا وواشنطن حاليا وفق ما أشار سليمان جودة في “المصري اليوم” إلا عن ضابط المخابرات الليبي السابق، أبوعجيلة محمد المسعود.. والقصة تعود إلى يوم 16 نوفمبر/تشرين الثاني عندما كان أبوعجيلة في بيته في العاصمة الليبية طرابلس، فجاءت قوة من جهاز تابع لحكومة عبدالحميد الدبيبة، واصطحبته معها إلى مدينة مصراتة، ومنها إلى مالطة، ثم إلى واشنطن. وعندما ظهر لم يعرف أحد كيف وصل إلى هناك، ولكن ما عرفناه أنه ماثل أمام القضاء، وأن جلسة محاكمة أولى انعقدت له فور وصوله، وأن الثانية في 27 من هذا الشهر، وأن الاتهام هو مسؤوليته عن تفجير الطائرة الأمريكية بان أمريكان في سماء اسكتلندا البريطانية. وكانت الطائرة في طريقها من لندن إلى الولايات المتحدة، وكان ذلك يوم 21 ديسمبر/كانون الأول 1988، فسقطت بتفجير قنبلة في داخلها، وكان سقوطها فوق منطقة لوكربي في أسكتلندا، واشتهرت من يومها بأنها طائرة لوكربي، وراح ضحية العملية 270 شخصا، غالبيتهم من الأمريكيين. بعدها تبين أن وراء العملية شخصين ليبيين، هما عبدالباسط المقرحي، والأمين خليفة فحيمة، وقد خضع الاثنان لمحاكمة في هولندا، برأت الثاني، وحصل الأول على حكم بالسجن، ودفع العقيد القذافي تعويضات بمئات الملايين من الدولارات لأسر الضحايا، وتم إغلاق الملف نهائيا باتفاق بين الحكومتين، أيام بوش الابن. ولكن لسبب غير مفهوم، جرى فتح الملف من جديد، ولسبب غير معلوم، تم خطف أبوعجيلة إلى الولايات المتحدة، ومما قيل، في يوم الجلسة الأولى للمحاكمة، أنه خضع للتحقيق في بلده عام 2014 على يد الحكومة التي جاءت بعد القذافي، وأنه اعترف في التحقيق بأنه هو الذي صنع القنبلة التي فجرت الطائرة. وهذا صحيح، كما أنه لا أحد يقر عملية تفجير بان أمريكان، ولا أي طائرة سواها، ولكن لا أحد في الوقت نفسه يقر اختطافه بهذه الطريقة، ولا أحد يقبل أن تتصرف الولايات المتحدة بهذا الأسلوب، ثم تتحدث بعد ذلك عن قيادتها للعالم.. فقيادة العالم لا تكون بالقوة وحدها، ولكنها تكون بأشياء أخرى إلى جوار القوة، فإذا غابت هذه الأشياء، وفي المقدمة منها احترام القيم والشعوب، صارت القوة غطرسة مجردة.