القرمطي الذي واجه الموت اثنين وسبعين عاما
د. محمد عبيد اللهالقرمطي الذي واجه الموت اثنين وسبعين عاما أخيرا حقق محمد الماغوط رغبته في مواجهة الموت لمرة أخيرة، وهو الذي سخر منه وتلاعب به في شعره ونثره، كما لو كان الموت كائنا أو شيئا ملموسا قابلا للتجريد وللمحاورة. هكذا مضي الماغوط الي المقبرة لا ليخطف منها بعض جمله الشعرية بل ليستقر جسده فيها نهائيا، أما روحه فمن المؤكد أنها لن تجد مستقرا الا في عالم الشعر والسحر الذي يختلط بحالة من النبوة المجروحة المخذولة التي أتقن الماغوط رسمها ومعاودة النظر في تفاصيلها.العودة الي السلمية في مطلع شبابه غادر الماغوط (السلمية) الي دمشق ومنها الي بيروت ثم عاد الي دمشق مجددا، واستقر فيها معظم سنوات حياته. ولكن ها هو يلوذ بالسلمية من جديد كأنه يعود لأمه التي كثيرا ما كرر الحديث عن حنانها، وفي رواية (الأرجوحة) التي تشبه أن تكون سيرة للسجن وللحب، وكتبها في مطلع حياته ولكن نشرها تأخر الي سنوات قريبة، رسم للأم الريفية صورة مضيئة من الحنان والجرأة، وكيف ظلت تبحث عنه من مكان الي مكان لتنقذه من السجن والمعاناة، لتعيده الي الرحم مجددا وتنصره علي معذبيه وسجانيه.ولد الماغوط كما هو معروف في قريته السلمية (من قري الريف السوري قرب حماة) عام 1934، وتتميز هذه القرية، فضلا عن فقرها وبؤسها كشأن الريف السوري والعربي ، بأنها من القري القليلة المتبقية للطائفة الاسماعيلية التي يعد الماغوط واحدا من أبنائها. وفي مدارس قريته نال تعليمه البسيط، كما تعرف علي الأحزاب الشائعة آنذاك وخصوصا حزب البعث والحزب القومي السوري الذي أسسه أنطون سعادة، وحقق شيئا من النجاح في أوساط المثقفين السوريين واللبنانيين في أوائل الخمسينات، وقد انتمي الماغوط الي الحزب القومي السوري في بداية شبابه، ولكنه ظل يواري حكاية انتمائه ويغلفها بتسويغات ساخرة كلما سئل عنها، فيعيدها مثلا الي أسباب طريفة مثل وجود مدفأة في مقر الحزب القومي، وغياب المدفأة عن مقر حزب البعث، ولأن الحزب القومي أقرب الي مسكنه من الحزب البعثي، ولكن مثل هذه الاجابات والتعليلات الساخرة لا تكفي القارئ المدقق، ونستطيع أن نلاحظ أن انتماء الماغوط الي حزب أنطون سعادة لا يبتعد عما جذب المثقفين الي هذا الحزب دون غيره، كأدونيس وسعيد عقل وهشام شرابي وغيرهم في الفترة نفسها. ونتيجة لذلك الانتماء الحزبي يدخل السجن لمدة تسعة أشهر منتصف الخمسينات، ويكتب أبرز قصائده الأولي في سجن المزة الشهير، وكان أدونيس من السجناء السياسيين في الفترة نفسها، ولكن أدونيس لم يحوّل الشهور القليلة التي قضاها مع آلاف مؤلفة من السجناء الي مشكلة تهز الوجود كله كما فعل الماغوط، بل سرعان ما تجاوز هذه التجربة منطلقا الي آفاق أرحب من الشعر والفكر والمعرفة والحياة.من العجيب أن تجربة التسعة أشهر التي عاشها الماغوط في السجن، تتقدم عنده علي كل اعتبار أو مؤثر آخر في تجربته، وكأن السجن قدم له فرصة نادرة لاستكمال رؤية كوارثية رثائية كان مستعدا لها منذ تكوينه الأول، فظل دائما مرتبطا بها لا يكاد يغادرها الا ليغرف منها. ويبدو لمن يقرأ شعره مرة بعد مرة أنه ذو تكوين شعري نادر يستدعي المأساة ويبث فيها مزيدا من الكارثية لتغدو ملائمة للشعر، أي أنه تدميري ومعذّب بطبعه ربما أكثر من وجود مسببات حقيقية في حياته أو ظروف بلده.هامشية وصعلكة أصيلةهامشية السلمية في الريف الفقير وهامشية الاسماعيلية كطائفة محدودة في محيط مغاير نسبيا ربما تكون وراء انحيازه المبكر والأبدي للهامش، حتي لو كان يمتلك فرديا كل مباهج المتن وحقوقه، انها هامشية مغروسة في الداخل العميق ولا سبيل للتخلص منها، وأبرز ما فعله الماغوط أنه نجح في تحويلها الي شعر طازج حي ومغاير لشعر عصره، فعندما حذفته الهامشية والفقر الي الشعر ظل رافضا لاغراءات الذوبان في المجموع ليس التزاما بموقف سياسي واضح (وهو الذي يسخر من الحزب والحزبية ويردد أنه فردي بطبعه)، وانما لأن الهامش هو أضمن منطقة يمكن أن يمارس فيها مغامراته المواربة التي لا تتطلب أي التزام. كأنه يطلب حرية مستحيلة، لأنها حرية الشاعر العائد الي العالم الغجري الخالي من أي تنظيم، وهكذا اختار منطقة النثر دون أن يمر بالوزن، وربما دون أن يكون في نيته كتابة نصوص سيصنفها (تجمع شعر) أواخر الخمسينات ضمن قصيدة النثر التي كانت معركتها قد نشطت كعنوان لحداثة مجلة شعر في بيروت الخمسينات.اشتهر الماغوط في حقل الشعر بأعماله الثلاثة الأولي: حزن في ضوء القمر 1959، وغرفة بملايين الجدران1961، والفرح ليس مهنتي 1970. ورغم أنه لم ينل تعليما متقدما وليس في سيرته أو حواراته أية مصادر ثقافية واضحة انطلق منها أو تأثر بها، فان تلك الأعمال كانت أمرا جديدا علي الساحة الشعرية، وفي سيرة الماغوط أن أدونيس هو الذي قدمه الي تجمع شعر في احدي جلسات الخميس التي كانت تعقد أسبوعيا، وتروي الشاعرة الراحلة سنية صالح (زوجة الماغوط ورفيقة روحه) هذه الحادثة في تقديمها لأعمال الماغوط فتقول: عندما قدمه أدونيس في أحد اجتماعات مجلة شعر المكتظة بالوافدين وقرأ له بعض نتاجه الجديد الغريب بصوت رخيم دون أن يعلن اسمه، وترك المستمعين يتخبطون: بودلير…؟ رامبو…؟ لكن أدونيس لم يلبث أن أشار الي شاب مجهول، غير أنيق أشعث الشعر وقال: هذا هو الشاعر . لا شك أن تلك المفاجأة أدهشتهم وانقلب فضولهم الي تمتمات خفيضة، أما هو ،وكنت أراقبه بصمت، فقد ارتبك واشتد لمعان عينيه. بلغة هذه التفاصيل وفي هذا الضوء الشخصي نقرأ غربة محمد الماغوط. ومع الأيام لم يخرج من عزلته بل غير موقعها من عزلة الغريب الي عزلة الرافض .الشاعر المطبوعللماغوط دهشة نادرة في شعره، الذي يبدو شديد الارتباط باليومي والتفاصيلي والمنسي، ورغم أنه لم يحظ الا بمستوي تعليمي بسيط ، حيث ترك المدرسة الزراعية في صباه المبكر مثل كثير من طلبة الريف، فقد غلبت عليه الموهبة والاستعداد للشعر، ولكن ذلك لا يعني أنه لم يسع لاستكمال عدة ثقافية وشعرية مناسبة، ويمكننا من خلال شعره، أن نلمس ولو بصورة متوارية آثارا للثقافة المذوّبة في قصيدته، ولكن الشائع والظاهر في قصيدته أنها نتاج التجربة الخالصة، لا الثقافة والقراءة، ويبدو أن الماغوط نفسه كان له نصيب كبير في اشاعة فكرة الشاعر الفطري الذي ولد موهوبا، نسيج وحده، دون مؤثرات.. ولكنها مسألة تحتاج الي نظر ومراجعة قد لا يكون هذا السياق ملائما لها.الماغوط شاعر موهوب حقا، تجري في شعره أنهار من العذوبة المسننة، والعفوية الجارحة، وقد تمكن في مجموعاته الشعرية الثلاث أن يثبت اسمه في صورة أحد أعلام الحداثة الشعرية وقصيدة النثر تحديدا. في هذه الأعمال رؤية متكاملة تصدر عن قوس واحدة (كما يقال) تأخذ صورة رؤية كوارثية تنطلق من الواقع ومن اليومي والسياسي ولكنها تفككه وتحطّمه علي نحو صارم مراوغ، وتبدو قضية الحرية محركا أساسيا لكتابته، حتي دون أن يبلغ بها شعر الماغوط الي مستوي مستقيم من الوضوح كمعطي معرفي انساني. وعلي المستوي التقني للشعر، يبدو معجم الماغوط معجما مألوفا بسيطا، ينتزع مفرداته من الشائع المألوف، وليس فيه أية ميزة أسلوبية من ناحية الانتقاء، بل يمكننا القول ان واحدا من أسرار قصيدة الماغوط أنها دمرت فكرة (اللفظ المنتقي) ومبدأ (المعجم الخصب) معجمه علي مستوي الكلمات محدود جدا وشديد الفقر، بمعني أنه يستخدم كلمات شائعة مما هو مطروح علي الطريق ويتجنب الارتفاع بلغته الي مستويات أعلي، ولكنه عبر تلك الكلمات المحدودة، يمتلك مهارة نادرة في بناء الجملة الشعرية والمشهد الشعري، انه مثل قناص ماهر وحكيم، يمتلك طلقات قليلة لكنه يتقن التصويب، فيصيب بطلقاته القليلة ما لا يصيبه صياد أو قناص آخر يحمل سلاحا حديثا كثير الطلقات، لكنها تتناثر ولا تصيب أهدافها. الجملة عند الماغوط تركيبيا ودلاليا، هي سر حرفته الشعرية، جملة تميل الي القصر، تشبه الطلقة أو السهم، وهو عموما لا يميل الي الجملة الطويلة، ولا القصيدة الطويلة، انه يوحي للقارئ بالضجر من الاطالة في أي شيء، انها مرة أخري: مهارة القناص في اطلاق الجملة ـ السهم، قصيرة ومدببة وجارحة، تصيب هدفها بقوة، أما كيف يتشكل ذلك فغالبا من خلال وضع الكلمة في سياق غير متوقع، وهو ما يقترب من مفهوم (الانزياح) أو (الانحراف ) عند الأسلوبيين، يفاجئك بجمل غير مألوفة، مبنية من الشائع المألوف، ويعتمد غالبا علي تراكيب العطف والاضافة والصفة والنداء نحويا، وعلي التشبيه في مجال الصورة ..العلاقات بين الكلمات هي الجديدة عنده وليست الكلمات نفسها: كنت أود أن أكتب شيئا عن الاستعمار والتسكع عن بلادي التي تسير كالريح نحو الوراءفي هذا المقطع يتداخل المألوف بغير المألوف، الكلمات العادية والتراكيب المألوفة، ولكنه يبث في بساطتها روحا جديدة متدفقة، كما في تركيب العطف الذي يجمع بين الاستعمار والتسكع، ولو اكتفي باحداهما لكان التعبير من المألوف العادي، والجملة الثالثة فيها تشبيه: كالريح (دلالة السرعة) ثم السير المعاكس الي الوراء، مع أن السير المألوف الي الأمام .. هذه الطريقة في كسر التوقع باستخدام لغة شائعة محببة هي من ميزات أسلوب الماغوط، الذي استخدم اللغة اليومية البسيطة وبث فيها شاعرية عالية.منذ (حزن في ضوء القمر) وقصيدة (القتل) التي تمثل أول قصيدة عبرت بصاحبها الي هذا العالم المدهش، اكتشف الماغوط طريقه، البساطة والصدق ومظهر العفوية، مع المحافظة علي عنصر الادهاش الذي لا يتأتي من السخرية أو الغرابة، بل من كسر المألوف بالمألوف، ومن خلال تغيير العلاقات بين الكلمات والأشياء. كثير من جمل الماغوط تظل في الذاكرة أشبه بحكم مجنونة حادة: (انني مليء بالحروف، والعناوين الدامية) أو (أيها الحزن، يا سيفي الطويل المجعّد) أو (سئمتك أيها الشعر، أيها الجيفة الخالدة)، هذه الطريقة الحادة في تكثيف الجملة الشعرية وفي غرابة المعني لا تتأتي من غموض التعبير ( كما هو الشائع في الشعر الحديث ) بل من جدة المعني، المعني الجديد، الاكتشاف الجديد هو ما يستهويه ، وليس الغموض.. الغرابة كما يبدو عند الماغوط تختلف عن الغموض، وهو يميل الي الغرابة وينفر من الغموض، وهكذا يجمع بين الشاعرية والبساطة، ويسمح لبؤرة الشعر ولنصاله أن تلمع أو تضيء.الخارجي المتمردورغم أن الماغوط وفق شهادة سنية صالح ( رفيقة عمره وشقيقة خالدة سعيد ) قد انطلق كاسم شعري من تجمع شعر ، فان الماغوط خرج مبكرا علي هذا التجمع، وسخر منه، بما يذكر بسخريته من الحزب القومي السوري الذي انتظم في صفوفه وسجن بسبب انتمائه اليه، ويومئ في نقده اللاذع الي ابتعاد تجمع شعر عن التراث وولعهم المفرط بكل ما هو قادم من الغرب، يقول الماغوط ” قل لأحدهم ثلاث مرات : المتنبي.. يسقط مغشيا عليه، بينما قل له وله علي مسافة كيلو متر : جاك بريفير.. فينتصب ويقفز عدة أمتار عن الأرض كأنه شرب حليب السباع، لأن هذا غربي وذاك عربي”.ولا شك أن هذا النقد الساخر ليس الا أحد أسلحة الماغوط في مواجهة التجارب والأحوال التي تمر به، حتي لو انتفع منها ، ورغم ما يواجهنا في شعره وكتاباته من صدق حاد وعفوية انسانية ، فان تكوينه النفسي، ومزاجه الحاد المتعكر، اضافة الي اغراقه في الخمر كان يحوّله الي انسان فيه شيء من شبهة الاستعلاء وقلّة الوفاء. حتي للأصدقاء والمقربين منه .. ولكن لأن الجميع يعرف مزاجه ويقدر شعره وموهبته فلم يحاسبه أحد علي اغراقه في السخرية ممن أعانوه وساعدوه في مسيرته. ولعل الماغوط القادم من الهامش ( طبقيا وثقافيا ) كان يري قوّته القصوي في كلمته وجملته، وينتظر أن ينهض الجميع بواجبهم تجاه موهبته، كل من في العالم ينبغي أن يحتفل الي ما لا نهاية بالشاعر النادر صاحب الكلمة الجبارة.. هذا الاحساس المتواري بالتفوّق هو الذي يفسّر ما سميناه بقلة الوفاء، اذ يكشف شعره عن اجتماع الهشاشة المرتبطة بالتكوين (تعليما وفكرا وحياة وانتماء) مع قوة الشعر وسلاطته، ومن هذه الثنائية تتشظي الروح الباحثة عن مستقر لها في عالم لا يسير حسب هواها ووفق متخيلها، وهكذا يحول الماغوط العالم الي كرة خرقاء يركلها في الحلم كيفما يشاء ، يسيطر عليها باللغة والجملة الشعرية القاسية المدببة.الماغوط والمسرح وكتابات أخريلم يكن الماغوط شاعرا فحسب بل كان مسرحيا مميزا في مشواره مع دريد لحام في مسرحيات نالت شهرة شعبية واسعة: غربة، ضيعة تشرين، كأسك يا وطن..وآخر أعماله مسرحية عرضت مؤخرا في دمشق هي مسرحيته: قيام جلوس سكوت، كما أعدت بعض الأعمال المسرحية عن كتابه الشهير: سأخون وطني. وقدم مع دريد لحام أفلاما معروفة: التقرير، الحدود. وكتب للتلفزيون دراما: وادي المسك، و وين الغلط وغيرها. وله مسرحيات أدبية نخبوية منها: المهرج، العصفور الأحدب. أما آخر كتبه فصدر مؤخرا باسم: البدوي الأحمر. من عناوين كتبه يمكن الاطلالة علي عالم الرعب الذي رسم ملامحه. في ديوانه: غرفة بملايين الجدران كتب الماغوط:سأعيش هكذازهرة يرويها الدم وتقصفها الريحلأروي ظمأي العميق الي الرمل والجنونللتشفي من بلاد حزينة تتأرجح أسنانها كالحبال علي مدخل التاريخهكذا كتب وهكذا عاش، ساخرا كئيبا يتقن بلاغة السخرية السوداء، ويحول الحياة اليومية الي شعر حاد مدبب، سيظل الناس يقرأونه زمنا طويلا ويتذكرون الماغوط شاعرا قرمطيا جديدا الي الأبد.0