القشة التي كسرت ظهر العراق

حجم الخط
0

القشة التي كسرت ظهر العراق عماد فؤاد مسعود لأن الهزيمة يتيمة والنصر له ألف أب كما يرى نابليون غاب مفهوم الدولة عن العراق وأصبحنا نتحدث عن ماقبل الدولة والمجتمع فوق أرض العراق، فلا يمكننا اليوم أن نراهن على القوى السياسية الحالية لانجاز مشروع سياسي لدولة مدنية ديمقراطية حقيقية، ومن البديهي ان المجتمع المدني لا يمكن أن ياخذ أي شكل من الأشكال بدون حضور الدولة، ومع ظهور تشكيلات عشائرية وطائفية وعوائل تمتلك ميليشيات خاصة وتابعة في ادارتها للغرب وأضحت بمثابة دويلة داخل الدولة وانتشار سماسرة أوطان وايتام اضافة إلى عمليات تهريب النفط وخلق فوضى في بنية المجتمع، بحصر المنفعة على طبقة معينة تسعى لبيع العراق بالتجزئة، هنا نحن أمام دولة مفككة وعاجزة وفي قمة هرمها لان الدولة الهرمة وفي ذروة شيخوختها التي أذكرها دائما على حد تعبير ابن خلدون هي الدولة المنقسمة في داخلها فلم نشاهد في أرض العراق مشروعا واحدا يخرج عن إطار المشروع الأمريكي العام وعن الأيديولوجيات المستوردة، وسياسة الفتنة الداخلية الحالية التي هي احدى المدارس الغربية المتعاقبة الى يومنا هذافعندما احتل البريطانيون العراق 1914 سبق هذا الاحتلال بعثة ارسلتها شركة الهند الشرقية التي كان مقرها في دلهي استطلعت مسار ومصب نهري دجلة والفرات ودرست احوال العشائر التي كانت تعيش على ضفاف النهر ودوّنت تفاصيل حياتهم وتاريخهم… وعندما دخل البريطانيون لم يحاصرهم الاتراك فقط وانما العشائر العربية في الجنوب وتحاصر الجنرال تاوزنت في مدينة الكوت، مركز واسط وسُجّلت بطولات نادرة لابطال المقاومة في ذلك الوقت بعدها قام البريطانيون بالتعامل مع المسالة بالمكر والدهاء فبدأوا بجمع العشائر وقاموا بتذكيرهم بالهزائم والثار والمهانة مع العشائر الأخرى لخلق الانقسام وتأجيج نيران الفتنة مما ادى إلى مساعدة الجيش البريطاني بالصعود من منطقة الفاو الى بغداد واليوم اذا نظرنا إلى مقاومة الجنوب الشيعة لهذا الاحتلال نلحظه في غاية البؤس والضعف والسبب ان المرجعية الدينية وهم رجالات الدين الشيعة لم يقدموا فتوى بجواز مقاتلة هذا العدو وهذا ما خلق البلبلة والتفرقة في داخل حركة المقاومة العراقية وسط الشيعة لأن المواطن الشيعي في الجنوب يقبل برأي المرجعية الدينية حتى لو لم يكن متديناً، وهذا كان أهم اسباب تعطيل النضال الوطني في العراق ومن الأسباب الأخرى لاستلام السنة لمراكز السلطة في العراق هو ما ناقشه د.

علي الوردي في كتابه لمحات اجتماعية في تاريخ العراق أن الحوزة العلمية المقدسة (رجالات الدين) افتوا ايضاً بعدم جواز الدخول في المعاهد والجامعات وعدم توجه المرأة للدراسة أيضاً ليحافظوا على سيطرتهم في المجتمع، والسنة أتيحت لهم فرصة التعليم وبالتالي تبوأوا مراكز رفيعة في الدولة. قد يكون أكبر الأسباب للندم هو التخلي عن المبادئ والانتماءات ولا بد لنا من الندم على خسارة العراق كندامة الكُسعي الذي أمضى شهوراً وهو يزرع الشوحط داخل الصخر وعندما اغلظّ وكبر صنع منه رماحا وقوساً وفي مساء قرر فيه أن يصطاد الغزلان قرب البحيرة قام برمي ثلاثة غزلان واعتقد انه لم يصبها فقام بكسر قوسه ورماحه وعندما استيقظ في يومه التالي وجد الغزلان مرمية على الأرض والذباب حولها، وكان ذلك قرار اصطياده في العتمة التي حوّلت البصير إلى أعمى فلم يميز بين الاصابة والاخفاق وها نحن امام أعظم العواصم العربية نتأمل القشة التي تقصم ظهري دجلة والفرات. حزب البعث العربي الاشتراكي كان له غلطتان الأولى 1963 عندما طرح مسالة الحزب الواحد ولم يعترف باطراف الحركة الوطنية التي شاركت بالثورة ولأن رؤيتهم كانت غير واضحة أدت إلى اختلاف بينهم وبالتالي فشلت التجربة، والثانية كانت في تموز/يوليو 1968 عندما طرحوا فكرة الحزب القائد وليس الحزب الواحد وعلى أثرها بدأت المفاوضات بين الأحزاب الوطنية وبعدها ولدت الجبهة الديمقراطية التي كانت تضم الحزب الشيوعي والحركة الناصرية واذرعها، والديمقراطي الكردستاني واستبعد من هذه الجبهة جناح حزب البعث الذي كان يمثل سورية وقتها، والنظام البعثي عموما عند استلام السلطة كان لديه اتجاهان، احدهما يمثله عبد الخالق السامرائي وكان منظر قومي وكان يدعو إلى بقاء الحزب بعيدا عن السلطة وجناح آخر كان يمثله صدام حسين والذي كان يدعو الى ان يكون الحزب والسلطة يدا واحدة، وانتهى الصراع بين التيارين إلى اعدام السامرائي واستمر الحزب بالطرح النظري رغم اقتناع صدام وقتها بفكرة عبد الخالق لكن تلك الطروحات لم تكن تخدمه كونه يريد السلطة وعبد الخالق يدعو الى ديمقراطية مركزية بالحزب وانتخابات وقيادات جديدة.. صدام كان يريد تكريس الزعامة للحزب ولإنجاح هذا العمل عطل المؤتمرات القطرية والقومية والانتخابات وأصبحت المواقع الحزبية يجري فيها التعيين فقط وكان هذا المبدأ قاتل بالنسبة للحزب لانه كان يُغلّب الموضوع الأمني على المبدأي فلم يكن يكترث اذا كان القائد قريبا من الشارع أو مثقفا أو لا المهم كانت الولاءات، بالتالي تشوهت التجربة لأن المؤتمرات كانت صورية وليست حقيقية وكلها مؤيدة لفكرة القائد الضرورة والبريطانيون عندما استلم حزب البعث واستلم السلطة تقاطعوا معه وبدأوا بالمضايقة بحيث حكموا سيطرتهم على نفط العراق من خلال تحكمهم في تصدير النفط عندما كانت الشركات في العراق معظمها بريطانية وفي موجه الستينات بطرح الطروحات الوطنية والوحدة العربية وقضية فلسطين وشعار الوحدة طريق فلسطين وفلسطين طريق الوحدة، وحتى تُسقط بريطانيا هذه التجربة الوليدة بدأت انقلابات في الداخل العراقي يقودها عبد الغني الراوي بدعم من بريطانيا وايران وعندما امسك به النظام وقاموا باعدامه قامت بريطانيا بتقليل صادرات النفط وبالتالي تقليل العائدات فأصبح التناقض واضحا بين تطبيق شعارات الحزب وبين الواقع الاقتصادي الحقيقي. المشكلة الحقيقية الان ان العراق لا يحمل شكلا واحدا من الطروحات السياسية التي لا يمكن من خلالها بناء دولة، لأن المحاصصة الطائفية والعرقية لا يمكن ان تحقق للعراق حضور نظيف لا بالساحة المحلية ولا الاقليمية ولا الدولية وحزب الدعوة لا يمتلك برنامجا سياسياً يستوعب طموحات وفسيفساء الشارع العراقيوعندما استلم حزب البعث السلطة، كان يجمع بداخله خيرة مناضلي الأمة وقاموا ببناء تجربة جميلة تتمثل ببناء أكبر جيش في المنطقة تسليحا وعدة وقاموا بتأميم النفط وكانت مواقفهم مشرفة تجاه القضية الفلسطينية وكان احتياط العراق عند استلام صدام حسين بعد أحمد حسن البكر ما يقارب 50 مليار دولار وهذه كلها بُدّدت في الحروب والجيش وغيرها لذا على المراقب السياسي أن يفصل بين مرحلتين تاريخيتين، مرحلة استلام حزب البعث والسلطة في العراق وعلى رأسها أحمد حسن البكر وتقييم المرحلة بشكل موضوعي وعقلاني وبين ما قام به صدام حسين من مغامرات ومواقف غير محسومة النتائج ولا أعلم كيف يليق بالعراق الحرة أن تلاحق ضباط الجيش العراقي السابق وتقوم بقتلهم وترويعهم فقط لأنهم قاتلوا ايران وحاولوا اسقاط تجربتها الهمجية. كانت متوالية احتكار الهزائم تعلّمنا أن القمر يضيء الليل إلى حد ما ثم اكتشفنا أن السماء تُضاء دون الحاجة للقمر، فقط بليلة تُصادف يوم ميلاد الحاكم أو احد ابنائه الذي يحمل الجينات الوراثية منذ الولادة أو باحتفالات بائسة لاستقلال دولٍ ما زالات أحلام شعوبها مرتـهـنة بـمـوظف في الـسفارة الأمـريـكـيـة والـبريـطـانية والأسرائيلية قبل كل ذلك. كم مرّة سنخسر العراق الذي لطالما ملأنا قبضة اليد بهوائه ورمله وشممنا رائحة الحرية والكرامة العربية وقرأنا الشعر والعلم وسمعنا الموسيقى وتأملنا فنّهم الذي ما عادت لوحاته حاضرة في عتمة صباحاتهم المغطاة بالدم، وكم بكينا على عراق هاجر منه كل من كان نخلة في أرضه إن شاخت انبتت من حولها مئة نخلة ونخلة وعراق… كم مرّة سنخسر العراق؟ ‘ كاتب وشاعر عربي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية