محمد معتصمتفاجئنا القصة القصيرة عند سامية العطعوط بجدتها على مستويات عدة؛ على مستوى الموضوعات التي تبرز أن القصة القصيرة من حيث حجمها الصغير وعدد كلماتها القليل ليست عاجزة عن حمل ثقل العالم وهموم الفرد، وعلى مستوى البناء فهي مركبة تماما كشبكة العنكبوت، تتكون من عقد عديدة لكنها متواصلة فيما بينها عبْرَ موضوعاتها وفضائها المشتركين.
ترصد مجموعة سامية العطعوط القصصية ‘قارع الأجراس/ ‘أنثى العنكبوت’ ‘حالات الفرد المعاصر في مواجهته للتحولات البنيوية التي شملت الحياة والأفكار والمواقف والقيم، وشملت الأدوات التي يستعملها الإنسان وسائط بينه وبين تحقيق أعماله ومشاريعه الفكرية والميدانية. وتعكس القصص بفنية رفيعة حالات التناقض التي أصبح الفرد المعاصر يعاني منها، وموقفه السلبي من المآسي الذي يصبح تعبيرا حادا عن حالات الشعور القوي بالهبوط النفسي والاستسلام السالب والمصاحب بالشعور الحاد كذلك بالغثيان والعبث، فلا شيء عند الفرد المعاصر يستحق أن يُفَكَّرَ فيه، وكل شيء يصبح أمام حالاته السلبية متشابها ومتساويا وبلا قيمة.’ابتسمتُ في سري، وأدرتُ ظهري للمشهد كله…!’ ص (22(ليست هذه ابتسامة تعبير عن الفرح والطمأنينة بل هي تعبير عن حالة هبوط نفسي، وعبثية تفوق حتى الشعور بالغثيان أمام مشاهد غير طبيعية ولا إنسانية، مشاهد جديدة على الحياة العربية وعلى الإنسان المعاصر؛ إنها حالة جديدة ولَّدَتها الظروف القاسية والمآسي المحيطة بالفرد المعاصر، الفرد الذي وجد نفسه مرة أخرى تحت سماء خفيضة واطئة تطبق على الأنفاس لكنها سماء لغير الحماية، لقد وجد الفرد العربي المعاصر نفسه مرة أخرى معزولا ووحيدا ومتروكا لأقداره يقاسي عذاباتها وآلامها لوحده بدون ‘آلهة’ تحميه كما كانت تفعل ‘الآلهة’ في جبل الأولمب وهي تقف إلى جوار مخلوقاتها: أنصاف الآلهة.
في قصة ‘مشاهد من مسرحية فكاهية’ وهي ثلاث متواليات سردية أو هي ثلاث وحدات قصصية (سردية) كل واحدة بنية مستقلة بذاتها ومترابطة فيما بينها دلاليا في الآن ذاته، تروي الساردة مشاهد لا تثير الضحك بمعناه الحرفي بل ‘الضحك الأسود’ الذي يقوم على عكس المعاني وقلبها، كما يبرز المجتزأ الآتي: ‘كل ما أعرفه، أنني رأيت بعيني الأجساد تتناثر باتجاهات مختلفة.. اللحم يلتصق بالحديد، والحديد يتلون بالدماء.. ورأيتُ من بعيدٍ، تلك السيدة تمسك أحشاءها السائبة بين يديها… وتجر نفسها بتعب.
ابتسمتُ في سري، وأدرت ظهري للمشهد كله…!’ ص (22(يختزل المشهد الفاجعة برمتها، لقد أصبحت مشاهد العنف والقتل عادية كأنها مشاهد تحدث بعيدا وتتناقلها شاشات التلفزيون عبر القنوات الفضائية التي تؤثث سماواتنا الحديثة والمعاصرة. ولتأكيد هذه الظاهرة غير الطبيعية وغير السوية في سلوك الإنسان المعاصر تصور القاصة في المشهد الأول من القصة ذاتها ‘مشاهد من مسرحية فكاهية’ حالة ‘شخص/ شخصية قصصية’ يفاجأ بأمه في الشارع وقد اندلقت أحشاؤها فيشعر بالغثيان لكن ذلك الإحساس يتحول بسرعة ‘هستيرية’ إلى مرح وضحك فتمحي صورة التقزز والنفور دون أن تترك أثرا أو تأثيرا في نفسه: ‘شعر بالغثيان/ وفجأة التمعت برأسه الأصلع فكرة. تناول الموبايل من جيب سرواله. اتصل مع خدمات المشتركين بسرعة. أجابه الصوت بنعومة فائقة، للاستفسار اضغط واحد، لتعبئة رصيدك اضغط اثنين، لخدمات الـ.. اضغط ثلاثة،.. لتعبئة.. ، وقبل أن يكمل خياراته، جاءته لقطة عبر البلوتوث لـ (لقرد العطشان). استقبلها على عجل، وحين فتحها، لم يتمالك نفسه وانفجر بالضحك. ضحك كثيرا وطويلا حتى استلقى على قفاه الأصلع كرأسه أيضا… ولم يتردد أبدا بإرسالها على وجه السرعة لعدد من الأصدقاء…!’ ص ص (19-20(هكذا هي نفسية الفرد المعاصر المحاصر بالتفاهة والقلق الوجودي والاضطراب السلوكي والنفسي، إنها الإنسان ‘الصغير’ المقيد بحبال واهية وهمية لكنه عاجز عن إدراكها بل عاجز عن التفكير في التخلص منها وتكسيرها من أجل حريته، إنه إنسان ‘فيلهيلم رايش’ الصغير العاجز الخانع الذي استمرأ حياة الذل والعبودية، الإنسان الذي أصبح جزءا من الآلة، أصبح جزءا من التقنيات والوسائط الحديثة يفضل الحياة داخل ‘علبة’، الإنسان المسير والمسرنم الخالي من كل ما هو إنساني وجوهري: المشاعر والعواطف، والمواقف، والقيم، وروح المقاومة. إنه الإنسان الشيء. إنه الإنسان البضاعة والسلعة القابلة للتحويل إلى قيمة مادية/ مالية. هذه حال الفرد المعاصر في قصص سامية العطعوط، قصص قصيرة وقصص قصيرة جدا لكنها عميقة وحادة وجارحة ومؤلمة لأنها تخض الكيان وتصفع الوعي وتحفز الفكر على الوقوف في موقع مضاد لما يجري، الوقوف بموقع مضاد ومعارض لكل هذا التشييء.
ليس التناقض السلوكي والهبوط النفسي هما الملامح المميزة للشخصية القصصية عند سامية العطعوط بل هناك فقدان الذاكرة وغياب الحدود الفاصلة بين الأشياء، الحدود الكلمات، الحدود الوجود، لذلك رسبت الشخصية القصصية في اختيار الجغرافيا وحتما سترسب في امتحان التاريخ وامتحان الهوية، يقول النص القصصي القصير المعنون بـ’إرهاب’ حتى يبقى الاستشهاد التالي من فضاء وموضوع واحد:’ سقطتُ في مادة الجغرافيا، لأنني لم أعرف حدود الوطن…! هل هي حسب القرار 242 أم 338، وهل العراق عراق أم عراقيا؟ وهل السودان خرطوم أم نهران، وهل لبنان شمال أم جنوبان..! حاولت أن أستعين بصديقفقبض عليَّ متلبسةً بالإرهاب..!’ ص (121(تكتب سامية العطعوط بوعي قصصي حاد ومن خلفية أكثر حدة وقلقا على الوضعية العربية سياسيا وثقافيا، أي أنها تطرح سؤال الهوية وسؤال المصير، سؤال الوجود العربي اليوم، وكيف تتلاعب به الأيادي الخفية والسياسات ‘الحولاء’ العابثة، وترسم حيرة الفرد العربي المعاصر، أمام ‘القرارات’ المجحفة والبهلوانية، وكيف يتم دفع الكيانات الكبرى إلى حافة الانتحار والانهيار والتشرذم والتفكك والتفرقة ثم التلاشي، وكيف يتم من خلال ‘القرارات’ ذاتها تقوية الكيانات الصغرى والأقليات والعرقيات والنعرات والملل والنحل والنَّزَعَاتِ، وكيف تبعث المومياوات من أجداثها لتزج بها في صراعات وهمية لا منتصر فيها ولا منهزم ولكنها تترك الرماد وراءها والخراب.
سامية العطعوط كاتبة موهوبة، وقلم يصوب جيدا فوهته نحو الهدف الصحيح، الهدف الجوهري الذي يحدث الآن في الذات العربية خاصة. وقارئ النصوص القصصية القصيرة والقصيرة جدا في مجموعتها الموسومة ‘قارع الأجراس’ وبعنوانها الفرعي ‘أنثى العنكبوت’ يكون تماما كما وصفته هي (القاصة) في العتبة التالية:’ أنتَ الآن في مصيدة الأنثى. أنثى العنكبوت والخيوط تلتف على جسدك… خذْ نفَسا عميقا.
أغمضْ عينيكَ قليلا وحاول أن تغفو بانتظارها أن تحررك…!!!’ ص (13)نعم القارئ يقع في حبال العنكبوت الحريرية، يدخل المجموعة بنية قراءة ‘قصص’ للاستراحة والمتعة وتزجية الوقت، لكنه لا يشعر متى تنزلق به القدم نحو الأسئلة الجوهرية المقلقة حول الوجود والحق والحقيقة، وحول طبيعة الأدب وحول هوية الكتابة القصصية، وما معنى أن يكون قارئا فاعلا متفاعلا مع النص، ومتى تبدأ آلة التأويل في الاشتغال، ومتى تبدأ القصة القصيرة والقصة القصيرة جدا في التخفف من ثياب ‘قشور’ الألفاظ. سامية العطعوط كاتبة مبهرة بطريقتها السلسة في اقتحام العوالم الداخلية لشخصياتها القصصية المتخيلة، وبارعة في تعرية التناقض السلوكي لدى الإنسان المعاصر، وهي كذلك قادرة بنباهتها اللغوية والفنية على وضعه وجها لوجه مع سلوكه الانتهازي، ومع نفاقه الاجتماعي. والأهم أنها كقاصة استطاعت أن تقول للفرد المعاصر كم أنتَ ‘صغير’ أيها الإنسان.
العطعوط، سامية: ‘قارع الأجراس.. أنثى العنكبوت’. قصص. منشورات أمانة عمان الكبرى.