القصة الكاملة لفيلم الجزيرة الوثائقي وراء الشمس عن التعذيب في مصر واعتقالي من قبل قوات الامن (3):
صرخت بيهم: أنا حرة.. أقرا اللي انا عايزاه مفيش قانون يمنعني ودي مش منشورات سرية.. شيل إيدكأخرجوني من المطار بعد أن سطوا علي كتبي وشرائطي وجهاز الكمبيوتر معتذرين: احنا بننفذ أوامر.. ملناش دعوة!القصة الكاملة لفيلم الجزيرة الوثائقي وراء الشمس عن التعذيب في مصر واعتقالي من قبل قوات الامن (3):هويدا طه ـ ہہ ربما هنا بدأت استشعر الخوف علي شرائطي.. تلك المادة التي استغرقت مني المجهود الشاق لأيام وليال.. وتصورت أنهم بعد أن تراجعوا عن التعاون سوف يأخذون مني شرائطي.. بطريقة ما.. حتي ينهوا احتمال أن يتم عمل هذا البرنامج.. وبدأت أسترجع (الوضع الطبيعي لنفسية المواطن المصري) وهو (عدم الثقة في العسكر أبدا).. هكذا يجب أن تكون الأمور.. قلت لنفسي.. تركتهم يخدعونني بهذا (الأدب الجم) بل (الأدب المصطنع).. ما هم إلا عسكر وما أنا إلا مواطن مصري.. والعلاقة (الطبيعية) التاريخية الأزلية هي .. عدم الثقة في هؤلاء.. أبدا..، لكنني .. يا للعجب لم أتصور أبعد من هذا..! كيف يقول عني أصدقائي أن لدي عقلا رياضيا متأثرا بدراستي للهندسة.. وأن ذلك العقل الرياضي يحلل الأشياء بطريقة رياضية.. يا للخجل.. هذا العقل الرياضي لم ينتبه حتي إلي تلك المعادلة من الدرجة الأولي.. عسكر وصحافة في مصر.. كم تساوي؟!ہہ أبدا.. كعادته.. العقيد علاء محمود.. إما أن يقول لي حاتصل بك ولا يفعلها أبدا.. أو يكون في اجتماع جد خطير.. لا يخرج منه أبدا، لكنه رد ذات يوم وقلت له.. واضح أنكم تراجعتم عن فكرة ترشيح مسؤول من طرفكم للرد.. لكن عموما أنا توصلت لرجال شرطة سابقين وسجلت معهم.. الآن وقد انتهيت من التصوير.. فإنني أستعد للسفر.. فإذا أردتم معاينة ما صورت.. فإنني أؤكد لكم أنني جاهزة.. هل يمكنك ترتيب لقاء لي مع الرائد محمد حامد ليري الشرائط قبل سفري؟ وعدني بترتيب اللقاء.. ثم قال لي حاتصل بك !ہہ لم يتصل.. فلم اتصل!! بل حاولت الاتصال بالرائد محمد حامد فلم يجب.. ليلا ونهارا.. قلت لا بأس.. لعلهم أدركوا أن ما بدأته تحت أعينهم وبعلمهم من البداية لا يعدو كونه مجرد عمل صحافي لا يستحق المتابعة فتجاهلوني.. أحسن.. بركة يا جامع!ہہ توجهت إلي الإسكندرية لوداع أبنائي قبل السفر.. لاحظت وأسرتي وأهل الشارع أن المراقبة توقفت.. توقفت تماما.. قلت لنفسي وللمرة الثانية.. آه.. أخيرا تبينوا بأنفسهم أن الأمر لا يعدو كونه مجرد تحقيق صحافي عادي لا يستحق منهم تعطيل مهامهم الأخري الجليلة لمراقبة صحافية.. ہہ أعددت حقائبي وعدت إلي القاهرة .. ومن باب الإغراق في حسن النية.. عاودت الاتصال بالعقيد علاء محمود.. الرجل كان مشغولا في اجتماع! كذلك لم يجب علي اتصالي الرائد محمد حامد.. أضف إلي ذلك أن المخبرين الذين حفظت وجوههم حفظا اختفوا من أمام مقر مكتب الجزيرة في ميدان عبد المنعم رياض.. حسنا .. إغراقا في حسن النية مع الداخلية المصرية حملت حقيبة الشرائط.. وكان عددها ستة عشر شريطا.. وتوجهت إلي لاظوغلي..ہہ سلمت هاتفي وبطاقتي الشخصية للأمن في الدور الأرضي وطلبت لقاء الرائد محمد حامد وجلست في قاعة الانتظار وبيدي الحقيبة.. ستة عشر شريطا عليهم كل ما سجلت طوال ذلك الشهر.. الأسماء تنادي الاسم وراء الآخر.. دوني.. بعد حوالي ثلث ساعة.. نودي علي اسمي فإذا بهم يقولون لي محمد بيه مش موجود وسلموني هاتفي وبطاقتي.. ووجدت نفسي أخرج من لاظوغلي.. وقد زاد يقيني بأنهم أخيرا أدركوا أنه مجرد تحقيق صحافي لا يستحق منهم كل هذا المجهود الذي بذلوه.. وعدت بحقيبة شرائطي إلي مكتب قناة الجزيرة..ہہ اتصلت ثانية بالعقيد علاء محمود ولكن هذه المرة لأشكره وأعلمه بموعد سفري ومعي الشرائط.. تماما كما فعلت مع المقدم طارق في الصيف بعد انتهاء المرحلة الأولي من جمع مادة البرنامج.. لم يقل الرجل الكثير.. قلت له.. إنني سأترك القاهرة يوم الاثنين عصرا وشكرته علي التعاون.. هذه المرة لم يقل لي: حاتصل بك .ہہ استخرج لي مكتب القاهرة تصريحا بخروج الخمسين شريطا التي دخلت بها.. كان منها الستة عشر شريطا المسجل عليها مادتي كلها وضعتها في حقيبة صغيرة.. وباقي الشرائط كانت ما زالت خاما.. أي فارغة.. ليست عليها أية تسجيلات .. لكن كان علي إعادتها لمخازن الجزيرة فهي (عُهدة).. وضعتها في حقيبة أكبر نسبيا.. وكان بتلك الحقيبة صور شخصية لأولادي وبضعة أقراص كمبيوتر وهاتف وبعض متعلقات خاصة.. ہہ ذهبت إلي التسوق واشتريت كتبا من وسط المدينة.. كتبا كثيرة.. عن التاريخ والسياسة والشرطة والموسيقي والتعذيب وبضع روايات لجمال الغيطاني وإبراهيم أصلان.. ثم اشتريت حذاء جديدا.. وبدأت أدخل في مزاج السفر.. الاستعداد للعودة إلي الدوحة.. المدينة الأخري التي أحب بعد الإسكندرية.. مدينتي الجميلة المسترخية بثقة علي شاطئ المتوسط.. هكذا إذن.. بدأت أنسي.. المخبرين والمراقبة وشد الأعصاب الذي عشته علي مدي شهر من العمل المنهك المرهق.. ہہ في اليوم التالي توجهت إلي المطار.. أقول لنفسي.. بمجرد وصولي إلي الدوحة سوف أنام بضع أيام قبل أن أستعيد طاقتي من جديد.. للعمل علي هذا الكم من الشرائط والشرائط السابقة التي تم تصويرها في الصيف.. حملت علي كتفي حقيبة أضع بها الكمبيوتر الشخصي المحمول.. وبه كل عملي وموادي البحثية ومشروعات المستقبل.. بينما حملت في يدي حقيبة الشرائط.. الستة عشر..بداية المواجهة الصريحة.. المطارہہ ودعت زوجي ووضعت حقائبي علي أجهزة الكشف.. قال لي المسؤول الجالس أمام الشاشة.. أرجعي هذه الحقيبة مرة أخري.. أعدتها.. كان بها بقية الشرائط الخام.. مرت الإجراءات كلها طبيعية.. تسلمت سلطات المطار تصريح خروج خمسين شريطا.. ختم جواز سفري بخاتم الخروج.. توجهت إلي مقهي السوق الحرة.. رحت أدخن وأشرب القهوة.. أعد الساعات المتبقية قبل أن أصل إلي الدوحة.. حيث خطتي التي أبيت لها النية.. النوم لعدة أيام..ہہ فتحت بوابة الخروج إلي حيث الطائرة.. بدأ الركاب يخرجون إلي أرض المطار حيث الطائرة.. كنت من ضمن الركاب.. السيدة هويدا طه متولي.. السيدة هويدا طه متولي.. سمعت اسمي في الميكروفون .. ثم سمعته للمرة الثانية.. توجهت إلي المسؤول علي البوابة.. ذلك الذي يسلم الركاب كعب تذكرة الطائرة.. قلت له.. عفوا أنا سمعت اسمي.. لم يرد إذ سارع أحدهم وكان يقف إلي جواره.. قائلا اتفضلي.. وأخذ جواز سفري.. ثم اصطحبني بعيدا إلي مكتب أمن المطار..ہہ بالطبع أدركت في تلك اللحظة أنها (غلاسة) من أجل شرائطي! مجرد غلاسة!.. لم أستطع أن أضع تصورا للقادم من الأحداث.. هذه هي المرة الأولي التي أتعامل فيها مع هؤلاء الناس منذ أيام الجامعة.. أيام كنا نتظاهر نحن الطلاب.. ويطاردنا أمن الجامعة وأمن غير الجامعة ونجري منه بعنفوان الصبا.. وبعد عدة دقائق اصطحبني شخص طويل.. وسط كل هذه الأحداث لفت نظري أنه طويل جدا ونحيف وأصلع ويرتدي بذلة رصاصية اللون.. اصطحبني إلي منطقة الجمارك.. وعلي كتفي حقيبة بها اللاب توب (الكمبيوتر المحمول) وفي يدي حقيبة الشرائط الصغري.. قال لي (بأدب جم): ممكن لو سمحتي نشوف شنطك قلت له تفضل.. أخرج اللاب توب ووضعه جانبا.. أخرج الشرائط الستة عشر من الحقيبة الأخري.. ثم قال فين باقي شنطك؟.. قلت .. علي الطائرة.. كنت أقف مقابلة له فقال رافعا رأسه نحو أحدهم الذي يقف وراء ظهري.. هات يابني الشنط دي هنا.. التفت فإذا بها حقائبي الأخري التي تم وزنها منذ ساعات ودخلت إلي الطائرة.. لكن كيف بهذه السرعة؟ هي لم تدخل إذن من الأساس إلي الطائرة.. فتح شنطي.. فتش بين ملابسي.. أخرج كتبي وراح يقرأ العناوين.. تاريخ الأوبرا؟ إنتي بتقري الحاجات دي؟ تجليات الغيطاني؟ إبراهيم أصلان.. الإمبراطورية الأمريكية؟ تناقضات الحداثة في مصر؟ إنت مثقفة بقي .. هنا فقط .. هنا فقط.. بدأت أتوتر.. أضيق ذرعا بهذا الغباء.. هنا فقط.. أدركت أن الطائرة أقلعت.. أنني لن أنام لعدة أيام كما كنت علي وشك أن أفعل.. غضبت من طريقة تقليبه في كتبي.. نبش باقي حقائبي وكأنه ينبش قبرا أو ينهش فرائس وقعت في يده بالجملة.. نحي حقائب الشرائط جانبا.. نحي اللاب توب جانبا.. وبدأ ينهش كتبي.. استخرج منها جانبا كتبا اشتريتها من وسط المدينة عن التعذيب.. تملكني الغضب.. لم أعرف إلي أي قدر كان صوتي عاليا.. أدركت أنه عال عندما وجدت الزحام يزداد حولنا.. زاد بروده من غضبي.. صرخت قائلة: أنا حرة.. أقرا اللي انا عايزاه في الوقت اللي انا عايزاه في المكان اللي انا عايزاه.. مفيش قانون يمنعني أقرا كتب اشتريتها من وسط البلد .. دي مش منشورات سرية.. شيل إيدك عن كتبي.. قال ببرود.. لأ مفيش قانون يمنعك تقري.. بس فيه قانون يمنعك تاخدي شرايط من غير تصريح.. . أدركت حينها أن ذلك الذي ظننته علي مدي أشهر (أدبا جما) ما هو إلا برود.. برود تدرب عليه جيدا هؤلاء الناس.. أبدا لم يكن أدبا جما.. ولا تهذيبا.. كان برودا يشبه برود الموتي.. نظرت في عينيه.. بدتا لي وكأنهما عينا ميت.. لا شيء فيهما.. قلت له: التصريح موجود وأخدته مني سلطات المطار قال: مين ده اللي خده؟ قلت له: اسمه أحمد عبد الله وده تليفونه إسأله.. قال : بعدين حنتأكد .. قلت له : لأ دلوقتي إسأله واتصلت أنا به وأعطيته التليفون.. راح يكلمه.. ثم أغلق معه وقال لي: شفتي؟ مش ده التصريح اللي احنا عايزينه.. احنا عايزين تصريح لجنة المصنفات الفنية. زاد غضبي .. قلت له: مصنفات إيه هو أنا بشتغل سينما ولاّ دراما؟ ده تحقيق صحافي.. راح ينحي جانبا بعض كتبي.. اتصلت وأنا غاضبة بالعقيد علاء محمود وقلت له: كده يا علاء بيه.. أنا مش اتصلت بيك وقلت لك رتب لي موعد معاهم عشان يشوفوا الشرايط؟ فرد بكلمة واحدة.. قال (حصل ).. قلت له أومال إيه الحركات دي؟ ياخدوا شنطي في المطار ليه؟ هو أنا مجرمة؟ قال إنتي فين دلوقتي قلت له : في المطار .. في المطار يا علاء بيه.. قال: طيب يا هويدا.. أنا حاشوف فيه إيه و… حاتصل بك ! أغلقت معه الهاتف.. ولاشعوريا اندفعت نحو من ينهش كتبي وقلت له.. سيب كتبي.. قال ببرود الموتي الذي يملأ أركان عينيه.. حناخدهم وناخد اللاب توب وناخد شنط الشرايط ونتصل بك بكرة أو بالكتير بعد 48 ساعة عشان تيجي تاخديهم.. ودلوقتي حنلغي ختم الخروج من باسبورك وحنتأكد بنفسنا إن التذكرة مراحتش عليكي .. اندفعت ثانية أعد الكتب التي أخذوها لأنني لن أتمكن من حفظ عناوينها كلها.. وجدتها تسعة كتب.. زاد غضبي من أجل كتبي.. قلت له إياك ينقص منهم واحد.. قال يا مدام كل حاجتك محفوظة بالكتير 48 ساعة وتاخديهم، صرخت.. واللاب توب تاخده ليه.. ده كمان مصنفات فنية؟ اللي بيحصل ده سطو وسرقة بالإكراه.. انتم لصوص.. هجامة.. ، لم يرف له جفن.. ما زالت عيناه ميتتين.. وجدت سيدة بزي المطار تقترب مني وتأخذني مع باسبوري وبقية حقائب ملابسي وهي تبتسم بحنو أو بخبث.. لم أعد أفرق بين الحالين.. تملكني حزن.. لم أتخيل نفسي عائدة بدون اللاب توب.. وكأنه طفل نزع نزعا من بين يدي أمه.. لم تهمني الشرائط فلدي منها عدة نسخ.. لكن كتبي.. تألمت لأخذها مني.. وأحرقني أسفي علي الكمبيوتر الذي يحتوي علي مواد جمعتها في سنين.. لحق بنا الرجل الطويل النحيف ذو الصلع والعينين الميتتين وقال لي بتراجع (مصطنع هو الآخر) إحنا ذنبنا إيه؟ إحنا بنفذ أوامر.. ملناش دعوة.. تأثرت لوهلة بتراجعه.. قلت له: أنا مقصدش أغضب منك كفرد.. إذا كنت تأذيت بكلامي وصراخي كفرد فإنني أعتذر لك كفرد.. لكن أبدا ده نظام بوليسي يسطو علي الناس ويسرقهم.. قال معلهش.. اتفضلي روحي.. وحاجتك إحنا اللي حنتصل بك عشان تخديها بعد 48 ساعة، وأشار لي بيده.. مشيت مع السيدة وكانت تحمل جواز سفري.. ثم حانت مني التفاتة إلي وجهه.. اللعنة علي غبائي.. كيف تصورت أنه تأذي بغضبي.. بل كيف تصورت أن عينيه ميتتان.. مع تلك الالتفاتة.. لمحت في عينيه بريق سخرية عابراً وسريعاً.. يا لغبائي.. شعرت فجأة بالانكسار.. أخرجوني من المطار مع حقائبي المتبقية بعد أن سطوا علي كتبي وحقائب شرائطي وجهاز الكمبيوتر .. اتصلت بزوجي وصوتي مجهد بعد كل ذلك الغضب في المطار.. كان قد أوشك أن يخرج من المحور إلي الطريق الصحراوي في طريق العودة إلي الإسكندرية.. ثم جلست علي الرصيف.. ليس أقل من ساعة ونصف علي الأقل حتي يعود مرة أخري إلي المطار.. بدأ الليل يزحف.. منهكة .. جائعة.. حزينة.. محبطة.. حائرة.. حتي أنني لم أجد مزيدا من الإحباط أشعر به عندما بدأت بطارية هاتفي تخبو.. هي الأخري بدأت طاقتها تذبل.. يوشك هاتفي أن يموت.. وأنا في الانتظار..ہہ وصل زوجي.. حملوني حملا إلي السيارة.. طوال الطريق إلي الإسكندرية كنت صامتة.. وفي غرفتي تكومت في طرف سريري.. نام جزء من جسدي وبقي جزء لا ينام.. رحت أسترجع أسماء الملفات المخزنة علي اللاب توب المصادر.. لا بل الذي سرق مني بالإكراه.. أصحو.. فإذا بأسماء الملفات وعناوين الكتب المصادرة تتزاحم علي حافة عيني.. أنام..فإذا بالزحام الذي أحاط بصراخي في المطار يطبق علي في السرير.. أصحو فإذا بعيني الرجل الطويل النحيف الميتتين تحدقان في وكأنهما تريدان أن تسحباني معهما إلي موتهما.. أنام.. أصحو.. أصحو مجددا.. أنتفض.. لأجد نفسي وقد بدأت أستعيد ذلك الجلد وتلك المثابرة التي اشتهرت بها بين أصدقائي.. أبدا لن أنكسر.. هكذا قلت لنفسي.. سوف أعيد من جديد جمع تلك المادة علي كمبيوتر جديد.. انتفضت.. كمبيوتر جديد؟ أبدا.. لن أفرط في حقي.. لن أترك لهم غنيمتهم.. سأستميت حتي أستعيد الكمبيوتر والكتب.. عدت من جديد إلي الانكماش.. دفنت رأسي بين الوسائد.. من جديد.. رحت أسترجع ذهنيا مادتي البحثية التي أخزنها علي الكمبيوتر المصادر.. ومن جديد عدت للحزن عليها.. ومن جديد رحت أنتفض.. ومن جديد رحت أقاوم الانكسار.. نمت…هواجس الساعات الثمانية والأربعينہہ صباح اليوم التالي.. توجهت إلي القاهرة مجددا.. نسخة أخري من شرائطي أخرجتها من مخبئها.. اكتشفت أن مادة واحدة من الشرائط المصادرة هي التي لم تنسخ.. وهي لقاء مع لواء سابق هو اللواء/ حازم حمادي.. قلت لا بأس.. لدي من مثله الكثير! قضيت اليومين أرتب لإخراج مادتي المسجلة.. نجحت.. اطمأننت أنها وصلت إلي خزانتي في مقر الجزيرة بالدوحة.. تفرغ حزني ليصب نحو الكتب واللاب توب.. رحت استقبل عزاء الزملاء في مكتب الجزيرة فيما فقدت.. فريق المكتب كله تعامل معي بدفء وتعاطف كبيرين.. كنا ننتظر اتصالهم الذي وعدوا به.. بعد مرور 48 ساعة.. لم يتصل أحدهم.. وأثناء ذلك قالت لي إحدي الصحافيات إنها كانت بالصدفة في مقر لجنة المصنفات الفنية.. وذهلت حين رأت حقيبتي البنية التي تحوي شرائطي الستة عشر مشمعة بالشمع الأحمر.. وحملها رجل طويل خارجا بها من المصنفات وبيده ظرف كبير.. قامت بالسؤال عنه فقيل لها باقتضاب ده تقرير رايح الأمن .. كان رأيها أن (شيئا ما يعد لي في الخفاء) ونصحتني بالإسراع في السفر.. قلت لها.. لأ أنا في انتظار مكالمتهم.. الرجل ذو العينين الميتتين وعدني بذلك.. إن لم يتصلوا سوف اتصل أنا.. لكن بمن اتصل.. انا لا اعرفهم.. لا اعرف لهم اسما ولا اعرف اسم ذلك الطويل النحيف ذي الصلع والعينين الميتتين.. ولم يعطني أي منهم إيصالا بما أخذوا.. وفي زخم غضبي في المطار لم أنتبه أن أطلب إيصالا.. لقد سرقت.. تعرضت للسطو من أناس ادعوا بلا أي سند أنهم (أمن دولة).. ہہ من مكتب الجزيرة بالقاهرة اتصلت بسلطات المطار وأنهكت حتي توصلت إلي قسم الجمارك.. رد علي أحدهم.. قلت له: لو سمحت حاجاتي اتصادرت من يومين وقلتم أنكم ستتصلون بعد 48 ساعة.. هي مرت الآن كان رده مفاجأة.. لم يسألني من أنت ما اسمك ما هي حاجاتك.. لم يسألني علي الإطلاق عن أي شيء بالضبط أتحدث.. كل ما قاله : يا ماما احنا مبنصادرش حاجة حد ثم أغلق الهاتف!ہہ حينها نقلت التطورات إلي مدير مكتب الجزيرة في القاهرة السيد حسين عبد الغني.. وتركت له الأمر.. يبلغ الجزيرة في المقر أي في الدوحة أو يذيع (خبر مصادرة السلطات المصرية لشرائط تخص الجزيرة) أو ما يراه مناسبا.. وعدت إلي الفندق.. لا أعرف هل أسافر وأسكت.. هل اتصل بهم مرة أخري.. لا أعرف ماذا يريد هؤلاء الناس بالضبط.. هل ذكاؤهم متواضع إلي درجة أنهم مثلا يفرحون باغتنام شرائطي دون حتي أن يضعوا في حسبانهم ولو احتمال ضئيل أن لدي منها نسخاً أخري؟ ماذا يريدون؟هل كان كل هذا فخا؟ہہ صباح اليوم التالي.. رن الهاتف في غرفتي بالفندق.. قالت لي عاملة الفندق إن ضابطا من قسم الأزبكية يلح علي مقابلتي.. كنت لم أنم منذ يومين.. لم استطع الخروج من السرير.. فوضعت الهاتف ونمت ثانية!.. لم أشعر وسط الجوع الشديد للنوم بأن ضابطا ينتظر في بهو الفندق.. رن الهاتف من جديد.. وأعطتني عاملة الفندق رجلا علي الهاتف قال لي إنه الملازم هشام حجازي من قسم الأزبكية ويريد أن يأخذ توقيعي علي بعض الأوراق.. جررت ساقي وارتديت ملابسي ونزلت إليه فإذا به يقدم لي أوراقا تنص علي أنني مطلوبة للتحقيق معي في القضية رقم 11 لسنة 2007 حصر أمن دولة عليا أمام المستشار هشام بدوي في نيابة أمن الدولة بالتجمع الخامس.. مدينة نصر وقعت له علي المحضر بالعلم.. وعند خروجه قال بأدب ودهشة.. هو انتي عملتي إيه؟! قلت له.. عملت برنامج! إنت مش عارف الحكاية؟ فشرح لي أنه يؤدي عملا روتينيا حيث هاتفه شخص اسمه الرائد حازم رشوان من أمن الدولة وطلب منه أن يتوجه إلي الفندق المسمي كابسيس الواقع بشارع رمسيس لإعلام السيدة المذكورة بمحضر إعلام بحضور تحقيــق.. وهذا كل ما يعرفه.. قلت له.. طيب مطلوب مني حاجة تاني غير التوقيع.. قال لا.. ربنا معاكي!ہہ كان ذهني من عدم النوم قد تبلد.. عدت إلي غرفتي ونمت.. صحوت بعد المغرب واتصلت بمدير مكتب الجزيرة وقلت له: حسين.. الصبح جاني ملازم من قسم الأزبكية ووقعت له بالعلم علي محضر كان مكتوب فيه القضية رقم 11 حصر أمن دولة عليا.. معناه إيه الكلام ده؟ الكمبيوتر مش حيرجع؟ صاح حسين: الصبح؟ ومقلتليش ليه؟ قلت له: أصلي كنت محتاجة أنام وذهني مجهد من عدم النوم صاح مرة أخري: عملوها قضية وإنتي رحتي نمتي؟ بدأت أشعر من لهجته ان الحكاية الظاهر أكبر مما توقعت.. ورحت أسأل نفسي… هو فيه إيه؟! أنا في فخ ولاّ إيه؟ كل ده كان مصيدة؟! عجيبة.. ليه؟!تحقيقات النيابةہہ أبلغ حسين عبد الغني الجزيرة في الدوحة بالتطورات.. واجتمع بالعاملين في المكتب.. وبدأت أعد الوثائق التي تثبت أن هؤلاء الناس تعاونوا معي منذ البدء ووافقوا منذ البدء وكانوا معي منذ البدء خطوة بخطوة.. لا لأنهم أذكياء وشطار ويقدروا يجيبوا التايهة.. ولكن ببساطة لأنني كنت أبلغهم بنفسي بخطواتي عن طريق منسق من طرفهم.. هم بأنفسهم من رشحوه أول مرة عندما كان المقدم طارق.. وثاني مرة عندما كان العقيد علاء محمود أو السيد (حاتصل بك) كما أسميته لاحقا وأنا أسخر من كل تلك الأحداث برمتها.. وضمن تلك الوثائق نسخة من التصوير في معهد الضباط.. إذ لا يمكن لعاقل أن يتصور أنني دخلت إلي قاعة امتحان طلابها ضباط شرطة داخل معهد تدريب الضباط ووقفت وسط القاعة أصورهم ويظهر معي فيها اللواء محمود شرف رئيس أو مدير المعهد ومعي معدات ثقيلة وفريق تصوير يضم مساعدتي وفني الصوت وفني الإضاءة والمصور.. كل ذلك بدون موافقة من الداخلية بأكملها.. كذلك كان كتاب الجزيرة الذي وجهته إلي الداخلية تشكرها علي التعاون في المرحلة الأولي من البرنامج في الصيف الماضي ثم تصريح المركز الصحافي بدخول وخروج الشرائط.ہ كاتبة وصحافية تعملفي قناة الجزيرة القطرية/ الدوحة.7