القصة الكاملة لفيلم الجزيرة الوثائقي وراء الشمس عن التعذيب في مصر واعتقالي من قبل قوات الامن (الاخيرة):
عندما تكون قراءة الدستور وبيان لحركة كفاية تهما ويصبح برنامج تلفزيوني اساءة لسمعة البلادمرعب ومخيف عدد القضايا المرفوعة في المحاكم ضد ضباط شرطة.. في مصر لا يدخل المساجد والمحاكم إلا الفقراءالقصة الكاملة لفيلم الجزيرة الوثائقي وراء الشمس عن التعذيب في مصر واعتقالي من قبل قوات الامن (الاخيرة):هويدا طهہہ في غرفة الحجز وقبل أن يغلق علي الباب سمحوا للسائق بالدخول .. جاء ببطانية وكيس آخر فيه عصائر وساندويتشات.. وبدا عليه التأثر فانحني علي رأسي وقبلها وهو يكاد يبكي.. ضحكت وقلت له.. مفيش حاجة يا أيمن أنا حانام علطول.. خرج بينما سمعت ذلك الصوت المريع.. صوت ترباس (مزلاج) الباب وهو يجر بقوة ليغلق الباب..ہہ في البداية كان الشيء الأكثر إثارة للنفور هو رائحة الغرفة.. كنت وحدي فيها.. لكن لأن المبني كله حديث البناء كان بلاط الأرض جديدا نظيفا نوعا ما.. كان البرد قارساً إلي أقصي حد.. بدأت أرتجف.. بلاط الأرض شديد البرودة كأنه ألواح من الثلج المرصوص.. قمت بثني البطانية أكثر من مرة ووضعتها علي الأرض وجلست فوقها.. ما زالت الأرض باردة وأكتافي ترتجف من البرد.. لففت البطانية حول كتفي لكنني لم أحتمل برد الأرض.. كانت الساعة حوالي الثامنة.. قلت لنفسي: يا إلهي الثامنة.. ماذا أفعل هنا حتي التاسعة من صباح الغد؟ ليس بحقيبتي كتاب.. ليس معي جرائد.. ليس معي هاتف.. أبدل البطانية بين كتفي تارة والأرض تارة أخري.. منذ خرجت من الفندق صباح اليوم متوجهة إلي النيابة.. لم استعمل الحمام.. حانت مني التفاتة إلي الحمام الجانبي الموجود بغرفة الحجز.. ابتسمت.. الحكومة أصبحت تراعي مواصفات السجون الحديثة!.. قديما كنت أقرأ أن الزنازين وغرف الحجز لا يوجد بها حمامات وإنما جرادل! هذا إذن قسم حديث البناء يخضع للمواصفات الدولية.. أرضية سيراميك وحمام جانبي.. قمت إليه.. لكنني قررت العودة والتحمل حتي أذهب إلي النيابة في الصباح.. الحمامات هناك آدمية نظيفة بل أنيقة.. ہہ يمر الوقت بطيئا.. لا مفر من الخضوع للأمر الواقع واستعمال ذلك الحمام.. تحاملت واستعملته فأنهيت التفكير في مسألة الحمام.. الآن بدأ البرد القارس يهزمني.. رحت ارتجف وارتجف وارتجف.. وبدأ تفكيري يتشوش من البرد القارس.. أقف فلا احتمل الوقوف.. أجلس فلا احتمل الجلوس.. فكرت أن أدق علي الباب.. لكن كرامتي منعتني.. تذكرت أم كلثوم (عزة نفسي مانعاني)!.. حاولت الأكل لكن لم تكن لدي تلك الشهية.. شربت عصيراً.. ودخنت كثيرا.. أي إغفاءة لم تدم لأكثر من دقيقتين.. البرد شديد، حتي فوجئت حوالي الواحدة ليلا بأحدهم يفتح الباب ثم يتوقف قليلا قبل الدخول.. وقفت.. فسمعت صوته دون أن أراه.. يقول: هويدا؟ قلت.. نننعععممم.. كنت قد وصلت إلي درجة من الارتجاف من شدة البرد لا استطيع التحكم فيها.. عضلات وجهي وشفاهي ترتجف بعنف.. جسدي يرتجف.. أشعر بأن الأرض نفسها ترتجف حولي.. همهم الرجل.. يبدو أنه مأمور القسم.. رجل كبير السن نسبيا.. فتح الباب بالتدريج وقبل أن يظهر سأل أدخل؟ قلت له نعم.. دخل ونظر نحوي وسألني.. إنت هنا ليه؟ قلت له والكلمات تخرج مني غير مفهومة بسبب الارتجاف الشديد إن النيابة أمرت باحتجازي لاستكمال التحقيقات صباحا.. قال قضيتك إيه؟ قلت له: أأأمممننن ددددوووللة.. نظر نحوي ثم التفت نحو آخرين كانوا خارج الغرفة وقال بحنو بالغ: إيه ده.. إيه ده.. دي حتموت من البرد.. هاتوها أخذوني إلي مكتبه. وهناك راح يصب لي الشاي والقهوة مرة تلو الأخري وأخرج لي زميله من حقيبته قفازا من الصوف وغطاء رأس من الصوف أيضا وقال ضاحكا: دول جداد.. لو مراتي عرفت إني عطيتهم لواحدة ست.. حتخرب بيتي . ثم نادي علي أحد عساكره وقال له روح يا ابني اشتريلها بطانية جديدة .. كان الشريط الإخباري علي قناة الجزيرة يمر بعبارة نيابة أمن الدولة العليا المصرية تحتجز الزميلة هويدا طه لاستكمال التحقيقات معها غدا . سألني بضعة أسئلة ثم قال لي الرجل الأكبر سنا معلهش.. قانونا لازم تكوني في الحجز لكن واحد من العساكر حيفرشلك سجادة ويفرش فوقها بطانيتك ولفي نفسك بالبطانية الجديدة اللي حتيجي حالا . شكرته بصدق.. وعدت مع أحدهم إلي غرفة الحجز.. بالفعل تم ما قاله مأمور القسم.. الذي لحق بي ومرة أخري طرق الباب وانتظر لحظات قبل أن يدخل.. قال لي: لو عايزة أي حاجة خبطي علي الباب ثم خرج وأغلق الباب.. ہہ بدأت أشعر بالدفء.. بعد أن أخرجت البطانية الجديدة من كيسها.. كانت صحيح من النوع الرخيص الذي يترك وبرا علي ملابسك لكنها كانت جديدة نظيفة.. ثم ركنت علي الحائط ورحت أفكر فيما جري معي في النصف ساعة الأخيرة.. هؤلاء الضباط كانوا رقيقين معي للغاية.. بالطبع يبدو علي أنني لست نشالة أو هجامة أو داعرة أو مجرمة.. بالطبع تابع بعضهم علي الأقل الفضائيات خلال النهار وعرف طرفا من قضيتي.. لكنهم كانوا دافئين.. ما فعلوه معي لم يكن مطلوبا منهم أصلا.. رحت أفكر في هذا الشعب العجيب.. الشعب المصري.. كم كنا نغضب حينما نجده يوصف تاريخيا أنه (شعب طيب عاطفي).. كنا نظنها تقليلا من شأن المصري.. يا إلهي.. الشعب المصري بالفعل لا يميل إلي العنف والدموية.. فماذا حدث؟ لماذا يوجد هؤلاء الضباط المتوحشون؟ الذين يحرقون أجساد الغلابة ويقطعون أوصالهم ويقتلون بعضهم؟ الإحصاءات مخيفة.. عدد الشكاوي مرعب.. عدد القضايا المرفوعة في المحاكم ضد ضباط شرطة هو عدد مخيف.. الضحايا في غالبيتهم الساحقة.. من الفقراء البسطاء الذين لا يهتمون بالسياسة وإن زلزلت أرض السياسة زلزالها تحت أقدامهم.. تذكرت أحد اللقاءات التي سجلتها للبرنامج مع عالم اجتماع.. الدكتور علي فهمي.. سألته هل الطبقية تعكس نفسها في نوعية المواطن الذي يعذبه أو يذله أو يهينه ضابط الشرطة؟ فقال لي.. كان زمان فيه عبارة شهيرة قوي.. تقول.. لا يدخل المساجد والمحاكم إلا الفقراء ، قلت لنفسي.. ربما كنت علي حق حين كتبت في النص الذي أعده للبرنامج عبارة قد يجد المواطن من ينصت لشكواه.. لكن الشرطي أيضا.. قد تكون له شكواه فمن ينصت له؟ شعرت بالرضا أنني كتبت ذلك في نصي قبل أن أمر بتلك التجربة.. يا الهي متي ينتهي هذا الكابوس من مصر؟ تذكرت وصف أحد من سجلت معهم لجريمة التعذيب بأنها.. جريمة قذرة.. سري الدفء في جسدي.. سمعت ضوضاء بالخارج.. فتحت عيني.. فرأيت نور النهار من فتحات نافذة غرفة الحجز.. نمت إذن.. وبعمق.. انتهت إذن.. ليلة الحجز.. ہہ طرق أحدهم الباب وانتظر قليلا ليمنحني فرصة أن أقوم وأعدل ثيابي.. أخذني إلي مكتب القسم الرئيسي.. وهناك شربت شايا وأراني أحد الضباط جريدة الأخبار.. كان الخبر يقول (القبض علي معدة البرامج من قناة الجزيرة.. كانت تفبرك برنامجا يسيء إلي سمعة البلاد). ابتسمت.. ولمحت ابتسامة.. مماثلة تماما لابتسامتي.. كانت تتأرجح علي شفتي الضابط.. قال: ربنا معاكي..ہہ ومرة أخري وضعوني في سيارة الترحيلات الزرقاء للعودة بي إلي النيابة .. هذه المرة ركب معي في تلك السيارة المصفحة ثلاثة ضباط .. كلهم تقريبا من عمر ابني الذي بلغ العشرين.. يكبرونه بعامين أو ثلاثة.. تجاذبت معهم أطراف الحديث.. غلبتني الأمومة في حديثي معهم.. كانوا متحفظين.. يبدو علي وجوههم الذعر كلما حاولوا الفضفضة معي.. فيلوذون فورا بالصمت.. يا الهي ماذا يفعلون بهؤلاء الصغار؟ لكن عيونهم كانت تحكي الكثير.. قرأتها ثم ساورني سؤال.. ماذا سيكون عليه هذا الضابط الغض بعد عشر سنوات؟!.. الإجابة المتوقعة مخيفة.. لم أرد التفكير فيها.. واكتفيت بالغوص في عيونهم الشابة بل الغضة.. ثم لم استطع منع الشعور بالشفقة عليهم من يوم سيأتي عليهم يصبحون فيه.. متوحشين..استكمال تحقيقات النيابةہہ بنفس الطريقة التصقت سيارة الترحيلات المصفحة بمدخل مبني النيابة.. وصعد معي الضباط الشباب إلي الطابق الذي تتم فيه التحقيقات.. بقينا واقفين في الممر.. لم يوافقوا علي أن أجري اتصالا مع زوجي أو مع حسين عبد الغني.. يمر الوقت .. الشباب صامتون.. وما زالت عيونهم تروي لي قصتهم.. قصة خوفهم من باشوات لاظوغلي.. الذين يقهرون المواطن الضعيف ويقهرون الضابط الصغير.. يمر الوقت.. معزولة عن العالم.. عن الجميع.. إلي أن جاء المحامي أحمد حلمي.. قلت له أرجوك اسدي لي معروفا وانزل إلي الساحة أمام المبني ستعرف كيف تجد زوجي وأحضر لي الموبايل.. كان المحامي الخلوق سريعا في استجابته.. وعندما جاء بالموبايل قلت للضابط: تسمحلي طيب أتكلم من تليفون المحامي.. اعتذر بخجل.. قال له المحامي: روح استأذن من رئيس النيابة.. ذهب وعاد بالموافقة.. أخذت موبايلي من المحامي وكلمت زوجي وسمير عمر.. ثم التفت جانبا وألقيت بالموبايل في حقيبة يدي.. حسنا.. الواقعة ترضي الطرفين.. الضابط لم ير الموبايل وهو يسقط في قاع حقيبتي.. أو هكذا أراد.. وأنا لم أؤذه.. هذا الشاب الغض.. الذي سيكون وحشا في غضون سنوات..ہہ بدأت التحقيقات حوالي الواحدة ظهرا.. كنت قد اكتسبت خبرة وثقة من تجربة الأمس.. بمجرد جلوسنا.. كان الجاكيت الذي أرتديه قد امتلأ في كل زواياه بوبر بطانية قسم القاهرة الجديدة.. قلت للمحقق وأنا ابتسم ولا أنظر نحوه يا محمد بيه.. إمبارح بالليل وأنا في.. صومعتي.. رتبت عدة نقاط أريد تسجيلها في المحضر . ضغطت علي حروف كلمة صومعتي.. وصلت إليه رسالتي المشاكسة.. استجاب ببسمة محسوبة.. لكنه ظل محتفظا بهيبته طوال الوقت، قال : عايزة تقوليها دلوقتي ولاّ في نهاية التحقيقات؟ قلت له: أفضل في الآخر.. وبدأت التحقيقات والتي دارت أغلبها هذا اليوم لا علي المشاهد التمثيلية وإنما علي تقرير لجنة المصنفات الفنية.. بالفعل استفزتني (تفاهة وركاكة) هذا التقرير.. حتي أنني استشعرت أن المحقق نفسه وهو يقرأ لي من تقرير لجنة المصنفات يشعر تجاهه بنفس الشعور.. لكنه كان يقول لي كل مرة: يقول تقرير لجنة المصنفات كذا.. ما قولك؟ وكنت أجيب بحجج قوية لا لشيء إلا لأنه تقرير تافه أصلا يفتقر حتي إلي الحبكة.. هيافة ما بعدها هيافة.. قال المحقق ورأسه منخفض يقرأ من ذلك التقرير: يقول التقرير إنه قد تم (ضبط) نسخة من الدستور المصري علي جهاز الكمبيوتر الخاص بك إضافة إلي مادة بحثية عن حركة كفاية وعدة أفكار لبرامج أخري .. ما قولك؟ بالفعل لو كنت مكان المحقق لألقيت بمثل هكذا تقرير إلي أقرب سلة مهملات.. لكن الرجل يؤدي عمله.. بدأت أشعر بالغضب من هيافة تقرير الصنف هذا.. حانت مني التفاتة إلي المحامي فرأيته يستعمل الجاكيت لأول مرة منذ أوصاه حسين.. أشار بأصابعه أن إهدأي شوية.. تجاهلته وتجاهلت كل المحامين الذين راحوا يقولون مفيش داعي للتوتر إنت ماشية ممتازة وكل كلمة قلتيها كانت في صالحك.. تجاهلتهم جميعا والتفت نحو المحقق وقلت له بتحفز: يا سيدي أنا مش بياعة فجل.. أنا باحثة وكاتبة وقارئة ويحق لي أن احتفظ بما أشاء من بحوث علي الكمبيوتر بتاعي.. وبعدين لو فيه مادة أو قانون يحظر علي الاحتفاظ بالدستور علي جهاز الكمبيوتر فأعلموني بها الآن.. راح المحامون يشيرون لي بالهدوء.. فتوجه المحقق نحو الكاتب قائلا اكتب (أنا باحثة وقارئة و..) فأوقفته وقلت له : لأ.. اكتب ما قلت. اكتب أنا مش بياعة فجل أنا… نظر الكاتب نحو المحقق فأشار إليه مبتسما وقال له: أكتب ما تقوله لك .. فرحت أملي عليه ما أريد.. فقال أحد المحامين.. تمام .. إنت متوترة ليه.. كلامك ممتاز.. لم يعلق المحقق وترك الفرصة للمحامين للكلام معي كما يريدون.. التفوا حولي.. قالوا: ده تقرير المصنفات.. إنت ردودك رائعة وأكثر من ممتازة.. خلاص.. متوتريش نفسك.. حجتك أقوي.. كملي بهدوء.. ہہ لم يدرك أي من الحاضرين أن ما شعرت به لم يكن توترا.. كان (قرفا) من الهيافة التي صبغت تقرير لجنة المصنفات.. لا أدري أي مصنفات أو أصناف تلك التي يتعاملون معها.. استمر المحقق يتلو علي من التقرير ويقول ما قولك وأنا أجيبه.. حتي أوشكنا علي الانتهاء من التحقيقات.. راح يخرج إلي الغرفة المجاورة.. ويعود.. ويستكمل تلاوة تقرير الهيافة إياه.. حتي كدت أشعر بالشفقة عليه هو نفسه من هذا التقرير البائس الركيك.. لقد كان هذا الرجل دقيقا وذكيا طوال التحقيق.. وكنت استشعر ذكاءه وهو يستولد الأسئلة من إجاباتي ذاتها.. وبدأت أفهم خطته في التحقيق.. فدخلت معه في مباراة تذاكي متبادلة.. لكن سلاحي الأمضي كان هو قول الحقيقة.. لذلك شعرت بنفسي قوية.. ولذلك شعرت أنني أربأ بهذا الرجل أن يتلو مثل هكذا تفاهات فرضت عليه من تقرير أقل ما يقال عنه إنه (تقرير عبيط)! ہہ حوالي السادسة قال المحقق إنه انتهي الآن من التحقيقات وسألني: عايزة تقولي حاجة تاني هل لديك أقوال أخري؟ قلت نعم.. ثم توجهت نحو الكاتب ورحت أملي عليه مباشرة.. تراجع المحقق إلي الوراء في مقعده وراح ينصت مبتسما نصف ابتسامة.. وراح المحامون ينصتون.. وتعمدت ألا التفت إليهم.. حتي لا يوقفني أحدهم.. ورحت أقول.. أولا.. وأملي عليه بعض الأشياء ثم ثانيا وثالثا ورابعا وهكذا استمريت أملي عليه بينما يتدخل المحقق أحيانا ويقول لأ دي خامسا بقي.. أقول آه.. معلش.. سابعا ثامنا.. وهكذا حتي انتهيت، عاد إلي الأمام وقال: أظن خدتي حقك في الأجوبة فقلت له وإنت أخذت حقك في الأسئلة.. أشار لي المحامي حينها بعينه إشارة معناها أنني بهذا أتجاوز، ابتسمت وسكت.. قال المحقق: هل لديك أقوال أخري؟ قلت.. لا.إخلاء سبيل بكفالةہہ أملي علي كاتبه: وقد قررنا إخلاء سبيل المتهمة بكفالة عشرة آلاف جنيه.. . قفز المحامون وقال أحدهم: ياريت يا افندم يكون الإفراج من هنا مش من القسم.. قال: طيب بسرعة ادفعوا وهي تخرج مباشرة من هنا.. احنا أخلينا سبيل حسين عبد الغني مرة بعشرة آلاف .. المرة دي لازم نخلي سبيلها بعشرين ألف.. كان الجو قد بدأ ينفرج.. فقلت: ليه؟.. للذكر مثل حظ الأنثيين.. حسين أفرج عنه بعشرة.. إفرج عني أنا بخمسة..، حينها أشار لي أحد المحامين متوسلا أن (ألم الدور وأبطل كلام).. استسلمت لهم وخرجت معهم.. وجري أحدهم ليستعجل وصول المبلغ قبل مغادرة المحقق..ہہ بعد دفع الكفالة انتظرت قليلا في الدور السفلي إلي أن أبلغت أنني خلاص خارجة.. وجاء ورائي أحدهم يعطيني البطانية التي جاء بها زوجي إلي في القسم الليلة الماضية.. أخذتها منه وخرجت بها فكان أول من لاقاني هو السائق الذي ارتمي علي وأخذ مني البطانية ثم احتضنني.. توجهت مباشرة نحو زوجي.. الذي أخذني سعيدا إلي السيارة .. وانطلقنا مباشرة نحو الإسكندرية..ہہ طوال الطريق كنت أفكر فيما حدث واسترجع اللفتات والنظرات والتلميحات التي كانت تدور في غرفة التحقيقات .. تذكرت المحامين الذين أعطوا كل هذا الوقت ليحضروا معي التحقيقات متطوعين.. كانوا رائعين.. حتي المحقق نفسه كان رائعا.. لا أعرف لماذا لا أحصل علي أي تعليق عندما أقول عنه هذا.. لا بأس.. لعلني قليلة الخبرة في هذا الشأن.. بل أنا بالفعل كذلك..الشيء الوحيد الذي ضايقني حقا هو تقرير الصنف هذا.. الذي كان منتفخا عبطا وهيافة.. عاد حزني علي الكمبيوتر يعتصرني.. تذكرت لحظة قلت للمحقق بعد أن انتهت التحقيقات: كمبيوتري حيرجعلي؟ قال مبتسما: اللي اقدر اوعدك بيه.. إن أنا مش حاخده ! السفر إلي الدوحةہہ في اليوم التالي لم يتوقف هاتفي عن الرنين.. قلت للصحافيين أنني لم ألتق بعد بالمحامي حتي أعرف منه بم أصرح وما الذي يجب ألا أقوله إلي أن تنتهي هذه القضية.. وبدأت أفكر في الاستعداد للسفر.. لملمت حقائبي.. ما زال حزني علي الكمبيوتر يضغط علي رأسي.. حزينة أنا لفقدي كتبي.. هكذا ببساطة.. ألقيت كتبي في أحد أركان تلك (المصنفات). من المؤكد أن أحدهم لن يقرأها.. فمن يكتب كلاما مثل ما كتب في ذلك التقرير فاقدا لأي منطق وأي معني.. هو بالتأكيد شخص لا يقرأ.. فماذا سيفعلون بكتبي؟ ربما سيفرشونها علي مكاتبهم في الصباح ليضعوا عليها سندويتشات الفول والفلافل والمخلل.. لا بد أن هذا هو أقصي ما يعرفونه عن فوائد الكتب.. أما الكمبيوتر.. لا لا .. أنتفض.. لن أتركه لهم.. كل شيء في هذه القضية كوم.. ولاب توبي.. كوم تاني!ہہ توجهت من بيتي المجاور للمطار في الإسكندرية إلي المطار مباشرة.. لو أنهم أصدروا قرارا بمنعي من السفر فلن أعرف إلا وأنا أسافر.. هكذا هم.. يتلذذون بهذا الأمر.. ليس أمامي سوي.. المحاولة.. التجربة، في المطار سارت الأمور بشكل طبيعي.. ختم جواز سفري مرة أخري خلال أيام.. جلست في المقهي وزوجي ينتظر خارج المطار متوقعا إعادتي أو عودتي بقرار منع من السفر.. رحت أشرب القهوة وأنا أتذكر أسماء شركائي من الداخلية وأمن الدولة في جريمة (البرنامج) الذي لم ينته أصلا وبالتالي لم يبث من الأساس.. ومع ذلك صنعوا منه قضية (إساءة لسمعة البلاد).. ما أذكاهم! عنّ لي أن اتصل بأحدهم لأخرج له لساني في التليفون وأقول له: فشنك!.. قضيتكم فشنك! ولكنني تراجعت.. استرجعت خطتي التي كنت أعدها عند سفري أو محاولة سفري الفاشلة في المرة الماضية.. خطة النوم لعدة أيام..ہہ حتي وصولي إلي باب الطائرة وأنا أعتقد أنهم سيأتون.. لكن الطائرة أغلقت أبوابها وبدأت تزحف.. فأرسلت إلي زوجي رسالة أخيرة.. قبل إغلاق الهاتف بأمر طاقم الطائرة.. أحبك.. أنا خلاص.. مغادرة!ہہ في الطائرة رحت أقرأ في رواية (لا أحد ينام في الإسكندرية) التي أهدتها لي ابنتاي قبل مغادرتي.. قرأت قليلا قبل أن أكون أول المكذبين لإبراهيم عبد المجيد مؤلف الرواية!.. إذ أنني سكندرية.. لكنني رحت في نوم عميق وعلي حجري رواية.. لا أحد ينام في الإسكندرية..الدوحة.. الدوحةہہ هذه المدينة يربطني بها نوع خاص من العشق.. أحبها.. بلا سبب! أحب نسبها إلي.. أقول دوحتي.. أقول جزيرتي.. أحبهما كليهما.. الدوحة والجزيرة.. اشتقت إلي أصدقائي.. كانت الأحداث في مصر متلاحقة حتي ظننتها دهورا مرت علي.. تلك الأسابيع التي قضيتها أعد لهذا البرنامج.. دخلت إلي شقتي أتحسس أشيائي.. كم من الأزمنة غبت عنكم؟ كنبتي المفضلة.. كوبي المفضل.. حانت مني التفاتة إلي مكان الكمبيوتر.. عاد الألم يعتصرني.. سوف أشتري واحدا آخر غدا.. لكن موادي التي كان يحفظها لي الكمبيوتر الآخر.. لا بأس.. الحزن أول درجات الانكسار.. لن أنكسر.. بعد دقائق.. رن هاتفي وقال أحدهم إن اسمه طارق يونس معد برنامج القاهرة اليوم مع عمرو أديب من تليفزيون أوربت.. وإنني بعد دقائق سأكون معه علي الهواء للتحدث في الأمر.. وسيكون معي أيضا مدير إدارة البرامج في قناة الجزيرة عارف حجاوي.. لم أرفض.. وعلي الهواء حكيت في خمس وثلاثين دقيقة قصة (فخ الداخلية) العبيط الذي أعدوه لي.. بعد هذا اللقاء لا أعرف ماذا حدث.. كل ما أذكره أنني نظرت في الساعة فوجدتها الواحدة ظهرا.. اليوم التالي إذن..ہہ في الجزيرة سلم علي الأصدقاء بحرارة.. وبدأت التعليقات المازحة (أكيد الداخلية المصرية اتعرضت علي إيديكي لعملية تعذيب)! (إحنا كنا ناويين نرسل للداخلية المصرية نداء نناشدها بالإبقاء عليك)! (كنا خلاص علي وشك نجهز علي الشريط الإخباري عبارة تضامنوا مع هويدا طه ، وسامي الحاج وتيسير علوني) (إنت خرجتي إزاي من مصر.. أكيد الداخلية عملت نفسها مش شايفاك وإنت مسافرة عشان تخلص منك)! إلي غير ذلك من مزاح الأصدقاء الذي أعاد الدفء إلي أيامي.. ہہ بعد أيام أبلغني أحد الأصدقاء أن مقالا رهيبا في مجلة روز اليوسف كتبه أحدهم باسم أشرف محمود يقول عني أشياء غريبة.. ناولني المقال.. قرأته.. محاولة تسفيه لشخصي لا مبرر لها إلا أن أحدهم ينهش صدره الغل مني.. عرفت والكل عرف أنه لابد أن يكون شخصا عاملا في قناة الجزيرة منذ فترة.. لا بد أنه مصري يتعامل مع الأمن.. مرشد مباحث.. ففــــي قناة الجزيرة تزرع مخابرات كل الدول العربية عناصر لها.. وهو رجل يضيق ذرعا بوجود (أنثي متفوقة عليه) في مجال عمله.. أراد أن يقلل من قدري في مجلة معروف أنها (مجلة مباحث) فراح يضفر عدة معلومات حقيقية عني بهذيان.. كشف مدي ضيقه بتفوق امرأة عليه.. هكذا ببساطة.. انتقي أكثر الصفات التي عُرفت عني في الجزيرة وبين الأصدقاء وقلبها مئة وثمانين درجة.. فما الحل مع مرشد المباحث هذا ومجلة المباحث تلك؟ التجاهل هو الحل..ہہ نصحني الكثيرون ومنهم المحامون ألا أعود لكتابة مقالي الأسبوعي في جريدة القدس العربي إلي أن تنتهي القضية.. لا لا لا.. إلا الكتابة.. لا يأملن أحدكم أن يمنعني منها ولو خوفا علي.. كيف هذا؟ ما أنا إلا كاتبة وأشياء أخري.. هذه قضية فشنك! سوف ترتد علي باشوات لاظوغلي الذين فبركوها.. لم أفبرك أنا مشاهد تسيء إلي سمعة البلاد وإنما فبركوا هم قضية فضحتهم بجلاجل في العالم.. ہہ كتبت مقال العودة لعمودي الأسبوعي (فضائيات) في القدس العربي.. وبينما استعد للعودة به بتاريخ 7 كانون الثاني (يناير) عرفت أنه قد تمت إحالتي إلي المحكمة وهي محكمة جنح أمن دولة.. وأن الجلسة الأولي هي يوم 7 كانون الثاني (يناير).. يا للصدف.. لا .. الكتابة والمحاكمة.. لا لا .. هذه نقرة وتلك أخري… الكتابة هي شأني هي أنفاسي التي أشعر بقيمتي الوجودية من خلالها.. لتبدأ المحاكمة إذن.. ولكن بعيدا عن قلمي.. ہہ سألتني إحدي الصديقات: يا اختي ليه الغلب داكله.. إيه اللي يخليكي تهتمي بالتعذيب والداخلية وكل المواضيع الفتاكة دي.. ماانت دخلتي القسم وبتقولي الضباط كانوا طيبين معاكي يبقي مالك ومال التانيين اللي الضباط مش طيبين معاهم.. اعملي برامج سياحة.. برامج أزياء.. برامج مفيهاش وجع قلب ..الحقيقة أن تلك الصديقة أثارت في نفسي هذا السؤال بالفعل.. لم أجد إجابة مباشرة.. لم أجبها لحظتها.. بل ضحكت وقلت لها داء بعيد عنك .. لكنني كنت أقرأ ذات الليلة بعض أشعار أبو العلاء المعري.. استوقفني بيت.. لم أجد إجابة أكثر اختصارا منه.. رغم أن هدف المعري أصلا من هذا البيت كان مختلفا تماما.. نام هذا البيت في أحضاني..لو أني كلب.. لاعترتني حَمِية ٌ.. لجَروي.. أن يلقي كما لقي الإنسُفقط لو استبدلت كلمة (الإنس) بكلمة (المصري).. لعرفت لماذا بات هذا البيت في حضني.. لو أني كلبٌ .. لاعترتني حَمِية ٌ.. لجَروي.. أن يلقي كما لقي المصري..7