القصص الشعبي بالمغرب لمصطفي يعلي: أدب عالمي يتوحد في الثوابت ويختلف في التفريعات

حجم الخط
0

القصص الشعبي بالمغرب لمصطفي يعلي: أدب عالمي يتوحد في الثوابت ويختلف في التفريعات

الطاهر الطويل القصص الشعبي بالمغرب لمصطفي يعلي: أدب عالمي يتوحد في الثوابت ويختلف في التفريعاتبمقابل الثراء الذي يميز الأدب الشعبي في المغرب، فانه يعاني الاهمال والغبن، ويقع التعامل معه بنظرة دونية تحطّ من شأنه، وتعتبره أقل قيمة وابداعية من الأدب الرسمي.انها الخلاصة الجوهرية التي يستنتجها الأديب والناقد المغربي الدكتور مصطفي يعلي في كتابه القصص الشعبي بالمغرب: دراسة مورفولوجية الواقع في 341 صفحة من القطع المتوسط، والصادر عن دار المدارس للنشر والتوزيع بالدار البيضاء.يشغل المؤلف سؤال مؤرق: كيف لأمّة أن تتجاهل الكنوز الثمينة الموجودة في الأدب الشعبي، التي اغتنت بتجارب وحكم وابداعات الأجيال المتوالية علي مر القرون والعصور، وهي مستودع هويتها، ومصدر حيوي من مصادر الحفاظ علي تكامل شخصيتها واستمرار انسجامها، وضبط توازنها، ومجال مهاراتها الابداعية؟ويقرّ المؤلف حقيقة أن الأدب الشعبي لا يقلّ فنيةً وقيمةً عن الأدب الرسمي، وأن المفاضلة بينهما المتحيزة لصالح الأدب الرسمي هي عملية مفتعلة، ولا تقوم علي أي أساس علمي أو فني مقنع. ويضيف قوله ان العلّة في هذا النوع من المفاضلة تعود الي الرواسب الطبقية التي فصلت بين النخبة والرعاع، والي الارتباك الذي حصل في فترات عديدة حول مفهوم الشعب.خمسة مصطلحات لمحاولة ازالة اللبس الذي طالما وقع فيه كثير من الباحثين العرب كلما تعلق الأمر بدراسة ظاهرة من ظواهر السرد الشعبي، يتولي المؤلف حصر المصطلحات المتعلقة بهذا المجال، مشيرا الي أنه توفرت لدينا خمسة مصطلحات سردية شعبية، وذلك علي النحو التالي:ـ القصص الشعبي: ويشمل جميع الأنواع السردية الشعبية بلا استثناء.ـ الحكاية العجيبة: هي النوع السردي ذو العوالم العجائبية.ـ الحكاية الشعبية: النوع السردي الشعبي القائم علي مفارقات الحياة اليومية الواقعية، بأسلوب جاد ولغاية أخلاقية.ـ الحكاية الخرافية: النوع السردي الشعبي الدائر في عالم الطبيعة بأسلوب رمزي، لغاية تعليمية محض.ـ الحكاية المرحة: النوع السردي الشعبي القائم علي مفارقات الحياة الاجتماعية الواقعية، لكن بأسلوب مرح يسلّي وينتقد.ويؤكد المؤلف علي عالمية الأدب الشعبي، الذي يُعتبر ـ علي مستوي التلقي ـ أدب الجميع، يتداوله الناس في كل زمان ومكان، وهو علي المستوي الجمالي موحَّد المظاهر والأشكال والوظائف بين الأمم المختلفة. ويستطرد الكاتب قائلا: ان القصص الشعبي تحكمه معادلة الوحدة والتنوع، اذ يتراوح بينهما في كل أنواعه الرئيسية، حيث تتفاعل نصوصه وتتوحد، علي مستوي أول، في الأشكال والموضوعات والشخوص والوظائف والمقاصد التعليمية. وعلي مستوي آخر، يضفي التغاير بين الجماعات والأمم المتباينة اختلافا واضحا علي الركام الهائل من القصص الشعبي المتداول في جهات العالم، فيجعله يُخترق في كثير من التفاصيل والتفريعات والجزئيات.ثم يسوق ملاحظة تَرِدُ علي لسان كثير من المتمرسين بالأدب الشعبي، مؤدّاها أن الحكاية الشعبية أكثر نزوعا الي المحلية من الحكاية العجيبة ذات الامتداد العالمي الغالب. ويضيف مصطفي يعلي أن التماثل الذي يهيمن ـ بالحاح ـ علي النصوص المختلفة للحكاية العجيبة العربية والأوروبية وغيرها، يصيبه كثير من الشحوب عندما يتعلق الأمر بنصوص الحكاية الشعبية ، ويرجع ذلك الي ارتباط هذا النوع أكثر بواقع مجتمعه وتاريخه وشخصيته، بدليل أننا نجد كثيرا من الحكايات الشعبية المغربية لا مثيل لها في أوروبا مثلا، ولا توجد متشابهاتها ـ في أحسن الأحوال ـ سوي في التراث الشعبي القومي العربي. ومع ذلك، فعند المقارنة بين متن الحكاية الشعبية المتداول في هذا القطر أو ذاك من أقطار العالم العربي، يمكن للمرء أن يستشعر التنوع الناتج عن التأثير المحلي المختلف من قطر الي قطر، علما بأن هذا الاختلاف لا يعني أبدا غياب الوحدة بين نصوص الحكاية الشعبية. بين المحلية والعالميةبعد ذلك، يقوم الكاتب بتحليل نصوص من القصص الشعبي المغربي، اعتمادا علي المنهج المورفولوجي كما طبّـقه فلاديمير بروب علي الحكاية العجيبة الروسية. وينطلق يعلي في ذلك، من اعتبار ندرة الدراسات الأدبية ـ بما فيها المغربية ـ المتوسلة، علي المستوي الاجرائي، بالمنهج المذكور في هذا القطر أو ذاك من أقطار العالم العربي، وأيضا من اعتبار الارتباك الحاصل في التطبيق العربي للمنهج اياه كالمزج بينه وبين غيره من المناهج. ولذلك، يركز المؤلف علي تحديد الوحدات الوظيفية للنصوص المدروسة، فضلا عن نوعية أبطالها ومستوي أفعال شخصياتها. ويتوخي من هذا الاجراء ابراز خصوصيات القصص الشعبي المغربي وما يربطه بالقصص الشعبي العربي والعالمي من عناصر مشتركة.انطلاقا من تحليل نصوص من الحكاية العجيبة ، يستنتج أن المتن المغربي أفلت من سلطة الوظائف المحددة من لدن فلاديمير بروب ، الي حرية الفعل والتعدد الوظائفي وفق ما يقتضيه الموقف، وفي ذلك اغناء للحدث وتعميق للبعد الانساني الذي يستعصي علي الضبط. كما يؤكد علي مدي متانة الحكاية العجيبة بالمغرب وما تتصف به من تنوع وتعدد. وبالنسبة للوظائف، يلاحظ أن الرواة الشعبيين بالمغرب قد حافظوا علي الشكل العالمي لبنية الحكاية العجيبة ، لكنهم مارسوا حرية ملحوظة ـ بوعي أو دون وعي منهم ـ سعيا الي تشكيل بنية الحكاية بالصورة التي ترتضيها الذهنية الجمْعية وحساسيتها العامة. ويبرز، أيضا، مدي احتفال الحكاية العجيبة المغربية بمعظم الشخصيات الضرورية، اضافة الي سماحها بتبادل المواقع بين الشخصيات واحتداد الجدل بين مواقفها، مما يساعد علي تطوير الحدث عبر علائق الشخصيات المتوترة. ولم يكتف الكاتب بتطبيق المنهج المورفولوجي علي الحكاية العجيبة مثلما فعل بروب ، بل نجده يغامر بتطبيقه علي نصوص تنتمي الي باقي الأنواع السردية الشعبية بالمغرب: الحكايات الشعبية و الخرافية و المرحة ، ملاحظا أن كل صنف يشترك مع غيره في نوعية الوحدات الوظيفية، ويعمل علي تحوير بعض الوحدات وتغيير طبيعة علاقات بعضها الآخر، وكذا اضافة وحدات أخري أصيلة.ومن بين حسنات الجانب التطبيقي في الكتاب الذي بين أيدينا، أنه يتميز بتنويع المتون المدروسة، اذ يغطي انتماؤها الجهوي معظم أنحاء المغرب، من سوس وباعمران ومراكش جنوبا، الي تطوان وجبالة شمالا، ومن الدار البيضاء والرباط غربا، الي فاس والأطلس شرقا. وبهذا، يكون مصطفي يعلي قد عكس الأمر بالنسبة لما فعله فلاديمير بروب ، ففي حين اتجه هذا الأخير من التخصيص (الحكاية العجيبة الروسية) نحو التعميم (التنظير الشامل للحكاية العجيبة العالمية)، نجد مؤلف هذا الكتاب ينطلق من التعميم (التنظير العالمي البروبي ) نحو التخصيص (بحث القصص الشعبي المغربي أساسا). والخلاصة أن هذه الدراسة تجسيد عملي لاعادة الاعتبار للقصص الشعبي المغربي، الذي ينأي به المؤلف عن أن يكون خرافات عجائز أو عبثا لتزجية الوقت ولا ثرثرة عشوائية ، بل هو ـ كما يقول ـ بالاضافة الي وظائفه المتعددة، مجمع حكمة الشعوب وحضاراتها ومثلها وفنها . كما أن الدراسة تدق ناقوس الخطر ازاء شروع القصص الشعبي بالمغرب في التراجع، نتيجة ظروف التحديث ووسائل الترفيه والاتصال المعاصرة التي بددت المناخ الملائم لتداول هذا القصص داخل الأسر المغربية، فلم يعد يجد طريقه الي الشعب عامة والأطفال خاصة الا في أضيق الحدود، الأمر الذي يهدد تراثا قصصيا شعبيا كاملا بالضياع والاندثار.كاتب من المغربQMK0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية