هناك وشيجة بين القصيدة والإشهار، وهذه الوشيجة تَطُالُ شعرنا القديم. غير أن انْمِسَاسَ الشِّعْرِيّْ بالدِّعَائِيِّ مَعْقُودٌ في الخفاء ومَمْهُورٌ بالكتمان. وعلى الرغم من السِّرِّيَّة التي تَجُبُّ زواج الشِّعْرِيّْ والدِّعَائِيِّ، فإن تنقيبا في أسباب النزول ـ نقصد نزول الأبيات الشعرية ـ قَمِينٌ بأن يَجْلُوَ انغماسَ الشِّعْر في الإشهار، واقترافَ الشاعر للدِّعاية، بل إن بحثا في دواعي النَّظْمِ قَمِينٌ أن يصدمنا بحقائق تَقْلِبُ كل القيم التي يُبَشِّرُ بها الشعر كممارسة فنية تَبْغِي السُّمُوَ بالأرواح وتَعْمِيدَهَا في مياه الجمال. ولعل من هذه الحقائق أن شعرنا القديم ـ أو على الأقل عينات من هذه المدونة ـ هو إبداع تحت الطلب، وليس ـ كما هو دارج ـ إبداعٌ مُنْفَلِتٌ دوما ـ من الواقع، مَوْصُولٌ ـ حتما ـ بالوَحْي، بل هو إبداعٌ خاضِعٌ ـ أحيانا ـ للواقع، مَحْكُوٌم بالنَّفْسِ الأَمَّارَةِ بالخير آنَا وبالنَّفْسِ الوَلاعَةِ بالمال آنَا آخر. والحقيقة الأخرى أن شعرنا القديم أو على الأقل نماذج من هذا المتن ـ هو وَصْلَةٌ إِشْهَارِيَّةٌ، وليس ـ كما هو متداول ـ سِجِلٌّ يُوَثِّقُ ـ حتما ـ لهَزَّات النَّفْسِ في تَقَلُّبِهَا بين الأمل واليأس، الحب والزهد، بل هو ـ أحيانا ـ فَاصِلٌ إِعْلانِيٌّ يَبْغِي رَوَاجاً لِسَلْعَة، سواءٌ من باب التَّضَامن الذي تَفْرِضُهُ القَرَابَات العائلية والصداقات الإنسانية أو من باب الطَّمَع الذي تفرضه إكراهات الحياة. ولكي نُدَلِّلَ على هذه الحقائق نُورد هذه القصة التي يحفظها كتاب «الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني:
«إن تاجرا من أهل الكوفة قَدِمَ المَدِينَةَ بِخُمُرٍ فباعها كلها وبقيتْ السُّود منها، فلم تَنْفق، وكان صديقا للدارمي، فشكا ذلك إليه وقد كان نَسَكَ وترك الغناء وقَوْل الشعر، فقال له: لا تهتم بذلك فإني سأنفقها لك أجمع ثم قال:
قل للمليحة في الخمار الأسود ٭٭٭ ماذا صنعت براهبٍ مُتَعَبِّـــدٍ
قد كان شَمَّر للصلاة ثيابــــــه ٭٭٭ حتى وقفت له بباب المسجد
وغَنَّى فيه، وشاع في الناس، وقالوا: قد فتك الدارمي ورجع عن نسكه. فلم تبق في المدينة ظريفة إلا ابتاعت خمارا أسود حتى نفد ما كان مع التاجر منها».
الشعر مُنْكَتِبٌ في اللاوعي العربي، أو على الأقل في اللاوعي العربي القديم، كَفَكَّاكٍ للمَشَاقِّ ومُذَلِّلِ للصعوبات ووسيط في الأزمات (لم يكن التاجر ليلجأ للشاعر لولا إيمانه أن الشعر قد يحل أزمته التجارية).
إن هذه القصة تَجْلُو أسباب نزول هذه القصيدة، وهذه الأسباب تُنْجِدُنا ـ لا محالة ـ في فهم أو تأويل هذا الأثر الشعري على نحو مغلوط (لا بد أن منكم من أساء تقدير أو تأويل هذه الأبيات) بل إِنَّ هذه الأسباب تصدمنا بحقيقتين هما:
أولا: هذه الأبيات هي فاصل إعلانيٌّ أو هي وَصْلَةٌ إِشْهَارِيَّةٌ تماما كالفواصل الإعلانية التي تَضُجُّ بها الوسائط الجديدة. ونحن، هنا، لسنا نساوي بين الإشهار شعريّاً والإشهار إعلاميا من حيث المستوى الفني، أو من حيث الطاقة الجمالية، ﻷن غرضنا هو أن ننبه إلى أن هذه الأبيات هي إعلان تجاري تماما كالإعلانات التجارية الأخرى. إن هذه الأبيات تُعْلِنُ (بالمعنى الإشهاري) بضاعة (الخمار)، بل هي مقيمةٌ إغراءً حول هذه البضاعة (غواية الخمار الأسود) من باب ترويج هذه السلعة. وبالتالي إِنْجَادُ بائعها من الإفلاس وإنقاذُ تجارتها من الكساد. وغني عن البيان أن هذا العمل الإشهاري ليس مدفوعا أو مأجورا كما هو مَسْطُورٌ ـ عادة ـ في عُقُودِ الإعلانات، بل هو عملٌ مجانِيٌّ، أو هو عملٌ تطوُّعِيٌّ فرضته الصداقة (التاجر صديق للشاعر) من جهة، وأوجبه التضامن الاجتماعي من جهة أخرى. إن هذا الفهم البديل مُفَنِّدٌ ـ لا محالة ـ نظرية الانعكاس التي تنظر إلى النص الأدبي كمرآةٍ لهموم الذات وطموحاتها، أو كنشاطٍ يُنَفِّسُ عن الرغبات التي تَنْضَغِطُ في الوجدان، أو كَسِجِلٍّ يُوَثِّقُ هزات الذات وتقلبات أحوالها. ومُشَكِّكٌ ـ لا محالة ـ في الصدق كحكم يُبْنى عادة ـ دونما تدليل ـ حول المتون الشعرية أو كقيمة تُضْفى عادة ـ دونما تمحيص ـ على تعبيرات الأدباء. إن هذا الفهم البديل مُؤَكِّدٌ ـ بالمقابل ـ أن الأدب غير موصولٍ ـ بالضرورة ـ بالوجدان الشعري، وغير محاكٍ ـ حتما ـ لواقعٍ فعليٍّ. ومُثْبِتٌ ـ من زاوية أخرى ـ أن الأدب غير مشمولٍ ـ بالضرورة ـ بالصدق، وغير مَمْهُورٍ ـ حتما ـ بالأمانة. إن الشعر، والحال هذه، فَنٌّ منفلتٌ من إِسَارِ الواقعي، مَسْكُوٌن بالممكن والمحال، يُلْبِسُ الماديَّ الفانيَّ (الخمار كسلعة) بالمعنويِّ الأبديِّ (الحب كقدر جميل)، يَجُبُّ المدنس في المقدس، يُغَذِّي الزَّرْعَ (إنجاد التاجر من الإفلاس) بسماد الحب.
والشاعر، والحال هذه، عَلَّامٌ يُرِيكَ الجَمَالَ في المنبوذ والمهجور (ألم تهجر النساء ـ قبل هذه الأبيات ـ الخمار الأسود؟)، وَعَرَّافٌ يُسِرُّ لك بطلاسم الغواية (لا شك أن الخمار الأسود مُنْكَتِبٌ في اللاوعي النسائي، أو على الأقل في لاوعي النساء اللواتي تهافتن عليه ـ كسر للغواية أو كقانون للجذب).
ثانيا: هذه القصة هي وثيقة تختزل صورة الشعر في الوجدان العربي أو هي شهادة تستبطن منزلة القصيدة في العقل الخفي. فالشعر مُنْكَتِبٌ في اللاوعي العربي، أو على الأقل في اللاوعي العربي القديم، كَفَكَّاكٍ للمَشَاقِّ ومُذَلِّلِ للصعوبات ووسيط في الأزمات (لم يكن التاجر ليلجأ للشاعر لولا إيمانه أن الشعر قد يحل أزمته التجارية).
الشعر، من زاوية أخرى، مُنْكَتِبٌ في الوجدان العربي ـ الوجدان العربي القديم دوما ـ كمرادفٍ للسلطة، وكنظيرٍ للغواية، وكمعادلٍ للنفوذ (هل كان التاجر ليستنجد بالشاعر لولا إيمانه بسلطة الشعر ونفوذه؟). هذه القصة هي ـ من ناحية أخرى ـ سِجِلٌّ يُوَثِّقُ لصورة القارئ في العقل الشعري، فالقارئ مُنْكَتِبٌ في العقل الشعري ـ أو على الأقل في العقل الشعري القديم ـ في صُوَرٍ ثَرَّةِ مثل القارئ ـ المستهلك (لا شك أن الشاعر ينظر إلى قارئ هذه الأبيات كمستهلك)، والقارئ ـ الصَّوْتُ الانتخابيُّ، والقارئ ـ المُريد (من يدري أن شعراء العصر الأموي لا ينظرون إلى القارئ إلا كصوت انتخابي، خاصة أن هذا العصر احتدم فيه الصراع حول السلطة، ومن يدري أن شعراء التصوف لا ينظرون إلى القارئ إلا كمريد).
والحَقُّ أن هذه القصة تدعو الباحثين للتنقيب ـ بكثير من التفصيل والتدقيق ـ عن صورة القارئ وأنواعه في العقل الشعري. وفي الأخير، هذه القصة هي دليلٌ يؤكد أن لكل قصيدة ـ في المعمار الذهني للشاعر القديم ـ قارئا مقصودا أو جمهورا مستهدفا، فالقصيدةُ القديمةُ غير موجهةٍ ـ حتما ـ إلى جمهور القراء أو هي غير مستهدفة ـ بالضرورة ـ عامة القراء، بل إن القصيدة موجهةٌ ـ أحيانا ـ إلى جنس معين (هذه الأبيات مثلا موجهة حصرا إلى النساء)، ومقصورةٌ ـ أحيانا ـ على فئة عمرية محددة (ربما أبو نواس أشار إلى أن أبياته لا تصلح للجمهور الناشئ)، ومستهدفة ـ أحيانا ـ طبقة مخصوصة (المتنبي مثلا لا يخاطب المعدومين جاها وسلطة).
وختاما، إن هذه القصة مُسْتَفِزَّةٌ على إعادة تأويل تراثنا الشعري على ضوء أسباب النزول فلربما يفتح ذلك قارات ثرة ـ نقصد معان ووظائف شعرية لا نلتفت إليها عادة ـ في أدبنا القديم، ولربما يقود ذلك إلى كُشوفات شعرية وثورات تأويلية تقلب كل التأويلات التي تنكتب في وجداننا الجمعي حول هذا التراث.
٭ كاتب مغربي