القصيدة الملتبسة!

حجم الخط
0

القصيدة الملتبسة!

أمجد ناصرالقصيدة الملتبسة!ان لم يقع ما ليس بالحسبان سأكون، مع نشر هذه الكلمة، في بيروت للمشاركة في مؤتمر حول قصيدة النثر العربية تقيمه الجامعة الامريكية هناك بمشاركة عدد كبير من شعراء ونقاد هذه القصيدة التي شغلت الساحة الشعرية العربية عقودا في سجالات بعضها عارف بها ومعظمها جاهل بأصلها وفصلها.اهمية هذا المؤتمر، ان جرت الامور حسب ما هو مخطط لها، استثنائية.فهو الاول من نوعه الذي يتناول هذه الظاهرة الشعرية من خلال تخصيص ثلاثة ايام محتشدة بالمحاور والعناوين التي تتعلق بواقع هذه الكتابة والاسئلة التي طرحتها علي الشعرية العربية، اضافة الي خصوصيتها علي صعيد الشكل والبنية والتلقي.ورغم ان التمثيل العربي بحسب البرنامج المعلن، لا يتناسب مع حجم انتشار هذه القصيدة في بلدان كبيرة (مصر، العراق، المغرب)، وهو امر علله القائمون علي المؤتمر بضعف الامكانات المادية، الا ان المدعوين العرب (سواء الذين سيشاركون ام اولئك الذين اعتذروا) هم في صميم هذه القصيدة كتابة وسجالات، من دون ان ننسي ان اللبنانيين (وهم الاغلبية) يمثلون، الي حد كبير، واقع هذه القصيدة واطوارها المتعددة.وليس سؤال الشاعر اللبناني في قصيدة النثر مختلفا، علي صعيد المشاغل الشعرية، عن سؤال الشاعر المصري او المغربي او السوري.اما الخصوصيات علي هذا الصعيد، فأظن، انها تتعلق بمشاغل الاشخاص والأمكنة، اكثر مما تتعلق بالمشاغل الجمالية والتداولية.وسيواجه مؤتمر بيروت، اغلب الظن، سؤال (أصل القصيدة) وواقعها في منبتها الاول (الغرب) وواقعها وطرق كتابتها في الشعرية العربية.وقد يحاول البعض (تأصيل) هذه القصيدة عربيا، وربما، سيسعي لايجاد سند لها في الموروث العربي، وهذا مسعي التفافي، نعرفه جيدا، وذود مُؤرَقٌ عن حياض (ديوان العرب).غير ان الواقع يكذب ذلك.فلهذه القصيدة اصل اوروبي (وامريكي) وانتقالها الي العربية تم من خلال (التثاقف) الذي عبر عن استعداد في الشعرية العربية للانفتاح والتطور. ولو لم يكن هذا الاستعداد قائما، في صلب شعرية النصف الثاني من القرن العشرين، لما كتب لهذه القصيدة ان تتجذر وتتحول الي شكل، يكاد ان يكون وحيدا، فيها.قد لا تكون الاسباب التي ادت الي ولادة قصيدة النثر من رحم الشعرية الغربية هي ذاتها عربيا، ولكنها، في كل حال، لا تختلف عنها كثيرا. وبحسب الناقد الامريكي جوناثان مونرو فقد ترافق الانتقال الي النثر في الآداب الاوروبية مع تحولات طبقية واجتماعية. كان الشعر هو فن الارستقراطية، ومع تخلخل هذه الطبقة وبروز البرجوازية، كقوة اقتصادية واجتماعية صاعدة، في المجتمعات الاوروبية الصناعية، اخذ النثر يشكل مجالها التعبيري الحيوي. الشعر، اذن، فن الارستقراطية.النثر هو فن البرجوازية.الاول ابن القصور الآيلة الي الخواء. والثاني ابن المدينة التي راحت تحتضن طبقة اجتماعية جديدة وتؤذن بولادة الحداثة.كان هناك، علي ما يبدو، ضجر من الشعر الغارق في الشكلية والتأنق وميل الي رحابة النثر وقدرته علي التعبير عن التحولات العميقة في المجتمع.وليس بعيدا عن ذلك ما يقوله روبرت بلاي احد رموز قصيدة النثر الامريكية الحديثة، فهو يحدد الاطوار الثقافية التي عرفتها البشرية، انطلاقا من رزنامة الايطالي جياما باتستا فيكو، بثلاثة هي:طور الآلهة بخطابهم المقدس، والابطال بخطابهم الارستقراطي، والناس العاديين بخطابهم الديمقراطي. في الطور المقدس الكلمات رموز، وشكلها الطبيعي هو الابتهالات (او سجع الكهان)، اما في العصر الارستقراطي (عصر النهضة انطلاقا من اليونان) فكان الشعر الموزون والنحو المعقد، اما في الطور الثالث الافقي الطابع (عصر الناس العاديين) فإن الشكل الطبيعي للخطاب هو النثر.فهل حدثت تطورات كهذه في الحياة العربية، خصوصا، في توصيفة جوناثان مونرو لولادة (عصر النثر) في المجتمعات الاوروبية الصناعية؟ ليس بالضبط.ولكن اذا اعتبرنا منتصف القرن العشرين، بما حمله من تغيرات في الحياة العربية، اهمها ولادة ما يسمي بـ(الدولة الوطنية)، او دولة ما بعد الاستعمار، ووقوع كارثة احتلال فلسطين، بما ولاّده (الدولة الوطنية والنكبة الفلسطينية) من وعي جديد لآفاق الصراع الداخلي والخارجي، نكون امام لحظة فاصلة في التاريخ العربي تشبه ذلك الوعي الذي رافق ولادة البرجوازية في المجتمعات الاوروبية.فهل هذا يفسر ولادة (قصيدة التفعيلة) من رحم العمود الشعري بوصفها كسرا للعمود وليس انقلابا تاما عليه؟ليس الامر مستبعدا.لكن الكسر (او الخلخلة) الذي احدثته (قصيدة التفعيلة) لم يكن كافيا، الامر الذي افضي، علي نحو او آخر، الي ولادة ما يسمي (قصيدة النثر) التي لم تكن، بمعظمها، وحسب اصلها الاوروبي، قصيدة نثر حقيقية، وانما اقرب ما تكون الي القصيدة الحرة (Free Verse)، منها الي قصيدة النثر التي لها عالم خاص قائم بذاته ان علي صعيد الشكل او اللغة او التعبير.اظن ان مؤتمر بيروت سيواجه، ايضا، هذا السؤال الذي طرحه، قبل يومين في هذا المنبر، عبد القادر الجنابي جامعا ومقدما انطولوجيا لثلاثة عشر شاعرا عربيا، بوصفها تمثيلا لقصيدة النثر العربية.0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية