القصيدة بوصفها صراعا داخليا

ترجمة وتقديم: عبدالدائم السلامي
حجم الخط
0

يعد جان ستاروبينسكي (نوفمبر/تشرين الثاني 1920- مارس/آذار 2019)، السويسري ذو الأصل البولوني، أحد أهم مؤرخي الأدب ونقاده، وهو مختص في دراسة كتاب عصر التنوير، وقد جعل من النقد الأدبي ممارسة فنية.
يصف جان ستاروبينسكي منهجه القرائي الذي كشف عنه في كتابه «العلاقة النقدية» بأنه ينهض على دعامة التنسيق بين مجموعة من الطرائق في الآن ذاته، وهي طرائق الأسلوبية، وتاريخ الأفكار، والتحليل النفسي. ويطلق ستاروبينسكي على منهجه اسم «نقد العلاقة»، ومعلوم أن هذا المنهج الانتقائي يوصف غالبا بالموضوعية، وهو ينتمي إلى ما يسمى «مدرسة جونيف» في النقد.
***الصراع، بالنسبة إلى الشاعر، موجود في كل مكانٍ. هناك شيء ما يوجد حوله وفي داخله، يقمعه أو يخنقه، وليس له إلا أن يقوضه. هو شيء يتوجب تحطيمه أو أسْره أو التخلص منه (جاء في الميثولوجيا الإغريقية أنه لكي يتم تحييد الوحوش التي تحرس بوابات العالم السفلي، كان يرمى لها الكعْك المعسل، وتعزف لها الموسيقى لتنويمها). يوجد دوما هذا الخصم المجهول الذي يعيق الفم إذ ينطق، إنه هذا الفراغ الذي يسعى إلى الاستيلاء على الكلمات وهي تتجسد. هناك حدود يجب اختراقها بالقوة، وهناك كثافات يتعين الفوز بها رغم الفتور واللامبالاة اللذين يوجدان في الداخل أو في الخارج. كما يتوجب علينا التغلب على دفاعات هذه الحقائق الفظة التي نتطلع إلى صداقتها.
الصدام موجود في كل مكانٍ، وحده الأقصى هو التوتر البطولي. لكن ألا يبدأ الصدام بالفعل منذ الحركات الأولى للشعر، ومنذ أبسط تكونات النشيد، هناك حيث لا توجد بعد أي رغبةٍ قويةٍ في التوسع؟ منذ اللحظة التي يستقبل فيها الشاعر أول نداءٍ داخلي نازعٍ إلى التحقق صوتا، ومنذ الارتعاشات الأولى للكلام، عليه أن يعرف كيف يتغلب على كل القوى التي تقمع انهمار نشيده، وأن يتغلب على ذلك الصمت الذي يناقض انبثاق كلماته، وأن يحرر صور الشعرية من كل الموانع التي تكبح تناميها.

الصدام موجود في كل مكانٍ، وحده الأقصى هو التوتر البطولي. لكن ألا يبدأ الصدام بالفعل منذ الحركات الأولى للشعر، ومنذ أبسط تكونات النشيد.

لا يمكن أبدا أن يوجد النشيد الأكثر سذاجة، والخط النغمي الأكثر بساطة، إلا مقابل انتصارٍ – يظل مهددا بالهزيمة دوما- على «مادةٍ» مضادةٍ تعارضه. إن القصيدة لتنحفر على تلك المادة الشحيحة والتافهة، وفيها أيضا تلسع كما لو كانت شعلة نارٍ في ليلٍ دامسٍ أو في عدمٍ هائلٍ. يحتاج الكلام إلى هذه الخلفية السالبة التي إذ هي تصده تخلقه في الآن ذاته: وهكذا يمكنه أن يصير مرئيا بالنسبة إلينا، ومنفصلا عن ذاك الذي يأباه وينفيه، إنه الحرف الأسود على بياض الصفحة. هذه المقاومة الصامتة هي الداعم الأصيل للقصيدة، وعلى غرار تجلي الأشكال على الشاشة، تتكون الكلمات على سطح هذا الغموض المنيع الذي يبدو مصنوعا من رماد كل الكلام الضائع. هناك يوجد شيء ما يراوغ، ويتماسك، ليتصدى للنشيد، هو حد لا يني يتجدد دوما، وبعيدا، في الوقت الذي نظن فيه أننا قد تجاوزناه. ربما ما يتجاوز ذاك الحد هو الصمت ذاته فقط، ذاك الذي تخلقه القصيدة لكي تستشري فيه، إنه صمت ما بعد الكلمات الذي نتابع انتصاره في الفكر… لكن الجحيم (أو السماوات) هو دوما أكثر اتساعا من حلم أورفيوس.
هناك منْطقة غير منْتهكةٍ تطوق أكثر الكلمات رفْعة. إن دفع الكلمات داخل الفضاء الروحي لن يذهب بها بعيدا (في هذه المرة على الأقل) ولكن هناك حيث تفنى آخر موجةٍ للحلم أمام هذا الساحل الرملي الغريب الذي لا تقدر على اجتياحه، وهناك حيث ينطفئ النشيد أمام ما لم يعدْ ينتمي إليه، وحيث هو يلتقي بـ«الآخر» الذي يتعذر عليه رفضه، هناك فقط تظهر الحدود الحقيقية للشعر، وهناك فقط يتجلى الملْمح المثالي الذي يحدد وجه الشاعر.
يظل ما لا يمكن التغلب عليه يتمدد على الواجهة، ويحولها إلى صورة له مثل حجاب القديسة فيرونيك. إن صورة الشاعر توجد على تخوم نشيده؛ وبالنسبة إلينا، تبقى هذه النهاية سرية. هل يوجد هناك شيء ينتهي بشكل قاطع؟ ألا يبقى المستقبل مفتوحا على تلك الموسيقى التي تنمو مثل شجرة تعانق السماء؟ يجوز القول إن للأعمال العظيمة موهبة النمو في الزمن، إنها تنمو في الوقت ذاته الذي تكون فيه اليد التي شكلتْها قد فنيت.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية