كمال زايت:
برأت محكمة آقبو بولاية بجاية (240 كيلومتراً شرق العاصمة الجزائرية) 10 أشخاص من تهمة الاستهزاء بالدين الإسلامي، والمعاقب عليها في المادة 144 مكرر 2 من قانون العقوبات، وذلك بعد إلقاء القبض عليهم متلبسين وهم في ‘حالة إفطار’ خلال شهر رمضان الأخير، وقضت المحكمة بالبراءة بعد جلسة استمرت أكثر من ساعتين وشهدت إقبالا كبيرا من المواطنين الذين حضروا للتضامن مع المتهمين.
وبدأ القاضي المحاكمة بتوجيه أسئلة للمتهمين بخصوص الوقائع المنسوبة إليهم، وفي مقدمتهم المتهم الرئيسي أعراب شكاوي صاحب المحل الذي داهمته الشرطة يوم 29 آب/أغسطس الماضي، وألقت فيه القبض على المتهمين وهم غير صائمين، قبل أن تحرر لهم محاضر وتطلق سراحهم، باستثناء صاحب المحل الذي بقي رهن الحبس المؤقت لمدة أسبوع.
وأكد المتهم الرئيسي أمام القاضي أنه لم يكن صائما، ولكنه لم يقدم وجبات للمتهمين الآخرين، مشيرا إلى أن المحل الذي يمتلكه حصل عليه في إطار المحلات التي منحها الرئيس عبد العزيز بوتفليقة للشباب العاطل عن العمل، وأن الشرطة لما داهمت المحل بينما كان مغلقا، ولم يكن هناك أي رائحة للطعام أو الشواء مثلما ورد في محاضر التحقيق. وركز القاضي في أسئلته للمتهمين على مسألتين أساسيتين، الأولى تتعلق بصحة ‘انتهاكهم’ لحرمة رمضان أمام الملأ، وهو ما نفاه المتهمون مؤكدين أنهم أكلوا وشربوا بعيدا عن الأعين احتراما لمشاعر الصائمين، أما السؤال الثاني فيخص المتهم الرئيسي ومدى تحريضه المتهمين الآخرين وسكان منطقة ‘أوزلاقن’ على الإفطار في رمضان وعدم احترام شعائر الإسلام، وهو أيضا ما نفاه المتهمون في أقوالهم.
واعترف كل المتهمين أمام القاضي أنهم لم يكونوا صائمين، إلا المتهم فريد آيت أوقاسي الذي أكد أنه كان صائما، وأن تواجده في عين المكان لم يكن الهدف منه هو تناول الطعام والشراب.
من جهته ركز محامو الدفاع وتجاوز عددهم 15 محاميا، أغلبيتهم تأسسوا في حق المتهمين تطوعا على أن القانون لا يعاقب على عدم الصيام، لأن المادة 144 مكرر 2 من قانون العقوبات تخص الاستهزاء بالدين، بينما أجمع المتهمون كلهم أمام المحكمة على أنهم كانوا يأكلون خفية، وأنهم لا يتجرؤون على الإفطار علانية، حتى لا يجرحوا شعور المواطنين الصائمين. واعتبرت هيئة الدفاع أن عدم الصيام يدخل في صميم العلاقة بين العبد وخالقه، وأنه لا يمكن للقضاء أن يلعب دور العدالة الإلهية، التي حددت عقابا في الآخرة لكل من لا يحترم تعاليم الدين الإسلامي، وأن المشرع لما وضع المادة 144 مكرر 2 كان يقصد حالات أخرى تتعلق بالاستهزاء والإساءة إلى الدين، مثلما حدث في قضية الرسوم الكاريكاتيرية المسيئة للرسول محمد (صلى الله عليه وسلم) والتي صدرت في الدانمارك، أو كتاب آيات شيطانية الذي ألفه سلمان رشدي.
ودعا المحامون والمتهمون معا هيئة المحكمة إلى تكريس حرية المعتقد والحكم بالبراءة، وهو ما استجاب له القاضي بعد مداولة لم تستغرق إلا بضع دقائق. وخرج ‘غير الصائمين’ من المحكمة وسط هتافات عشرات المواطنين الذين حيوا القضاء الذي حكم على أساس ما يمليه الدستور فيما يتعلق بحرية المعتقد.
وأعرب اسماعيل شامة أحد محاميي المتهمين في تصريح لـ’القدس العربي’ عن ارتياحه للحكم الصادر عن محكمة آقبو، مؤكدا أن هذا الحكم يرضي هيئة الدفاع لأنه لا وجود لنص قانوني واضح يدين غير الصائمين، وأن المادة 144 مكرر 2 التي تعاقب على جنحة الاستهزاء بالدين لا تخص أولئك الذين لا يصومون في رمضان، لأنها مسألة بين الفرد وخالقه ولا دخل للقضاء فيها.
جدير بالذكر أن محكمة عين الحمام بولاية تيزي وزو (120 كيلومتراً شرق العاصمة) كانت قد حكمت قبل أيام ببراءة شخصين من تهمة الاستهزاء بالدين الإسلامي، وذلك بعد أن صرحا أمام هيئة المحكمة أنهما مسيحيان وغير معنيين بصيام شهر رمضان.