بغداد ـ «القدس العربي»: كشف إعلام مجلس القضاء العراقي، أمس الأحد، اعترافات المتهم سامي جاسم الجبوري، أو الملقب بـ«حجي حامد» الذي شغل عدة مناصب في تنظيم «الدولة الإسلامية» (داعش) من بينها «والي بيت المال» وآخرها نائب زعيم التنظيم «أبو بكر البغدادي».
والجبوري عراقي الجنسية من قرية الشرقاط في صلاح الدين، تخرج من إعدادية صناعة الشرقاط، من مواليد عام 1974 يكنيه التنظيم بـ«حجي حامد» أو «أبو آسيا» انضم لما يسمى «حركة التوحيد والجهاد» منذ 2004، ليتدرج في حركات متطرفة عدة آخرها تنظيم «الدولة» ترأس أهم مؤسسات ودواوين التنظيم في العراق وسوريا، وأدار موازناته المالية.
الاستيلاء على الأسلحة
وجاء في نص اعترافات الجبوري، أمام قاضي التحقيق: «بعد حصول الفراغ الأمني جراء أحداث عام 2003 جرى الاستيلاء على العديد من الأسلحة الخفيفة والمتوسطة، وحتى الثقيلة من المعسكرات، وقمت بإخفائها في القرية التي أسكن فيها، وفي عام 2004 عند ظهور ما يقرب لـ12 فصيلا مسلحا تدعو لقتال القوات المشتركة والجيش والشرطة العراقية، اشتركت مع إحداها وكانت تدعى حركة (التوحيد والجهاد) بقيادة (أبو مصعب الزرقاوي) وزودت الحركة بالأسلحة والمقذوفات التي أخفيتها وبدأت بالعمل مع مجموعتي في زرع العبوات الناسفة وتجهيز السيارات المفخخة».
وزاد: «بعدها، صدر توجيه بتكفير كل مواطن يلتحق بالأجهزة الأمنية أو يروم ذلك باعتباره مرتدا وخائنا ويحل قتله، كما صدرت فتاوى تكفر مذاهب أخرى، فعملنا على قتل وخطف من يخالف الفتاوى والتوجيهات وتم تفجير عدد من السيارات المفخخة على القوات الأمنية والأسواق والمناطق المكتظة بالمواطنين، وبعد فترة تم توحيد كل الفصائل تحت راية (تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين) بإمرة أبو مصعب الزرقاوي».
عفو من البغدادي
وكشف الجبوري عن أن «أبو بكر البغدادي أمر بقتلي في عام 2013 كوني اتهمت بالعمل لجبهة النصرة بإمرة الجولاني المنشق عن التنظيم، وبعد تدخل عدد من القيادات وتزكيتي أمام البغدادي، أصدر عفوا بحقي وألحقني بمفصل المالية في ولاية نينوى كـجابي أموال مع مجموعة من الجباة، وكنا نأخذ الأتاوات من ميسوري الحال وأصحاب محطات الوقود والشركات والتجار والأطباء بحجة مساعدة مقاتلي التنظيم، وتم قتل عدد من الميسورين لامتناعهم عن الدفع والبعض الآخر فجرنا داره أو خطفناه هو أو أحد أفراد عائلته، وكانت تصل قيمة أتاوات ولاية نينوى إلى حوالي (500.000 دولار) شهريا يذهب النصف إلى البغدادي، والنصف الآخر يوضع تحت تصرف والي نينوى».
ويطلق التنظيم على عملية السيطرة على ثلاث محافظات عراقية عام 2014 بـ«عمليات الفتح» كأنها أراضي «الدولة» وأعاد فتحها. ويضيف: «القيادات العليا وجهتنا بالإعلان عن أن التنظيم هدفه تحرير سنة العراق من القوات الكافرة ورفع القيود والحدود بين الدول المسلمة وتوحيدها، وبعد الإعلان، بفترة وجيزة، أبلغني أحد المتهمين المقربين من الأمير (البغدادي) بالاستعداد للمشاركة في عملية فتح محافظة نينوى، وفعلا جهزنا الأسلحة والمعدات وتم احتلال المحافظة، وبعدها تمكن التنظيم من محافظة صلاح الدين والأنبار ومناطق من ديالى، وتم الاستيلاء على أثاث الدوائر الحكومية ومنازل الميسورين، كما قمنا بإطلاق سراح جميع المتهمين والموقوفين وصادرنا بقايا الأسلحة في مراكز الشرطة، كما صدر توجيه بجمع قوائم أسماء منتسبي الأجهزة الأمنية ليتسنى لنا ملاحقتهم».
وأوضح «حجي حامد» أن «أمير التنظيم حضر إلى الجامع النوري بعجلات مضللة برفقة الإرهابي عبد الله قرداش وعدد من القيادات، واعتلى المنبر القيادي أبو محمد العدناني ليقدم البغدادي معلنا أنه خليفة للمسلمين، وعند صعوده المنبر أعلن قيام الخلافة وحرضنا على الاستمرار بالقتال واحتلال باقي المحافظات والمناطق لنشر الإسلام، بعدها غادر إلى جهة مجهولة، وأصدرت القيادات بعد مغادرتي توجيها بنصب السيطرات الأمنية في الولايات والبدء بإنشاء الدواوين لعمل هيكلية إدارية للتنظيم وإنشاء ديوان القضاء والجند والتعليم والصحة والدعوى والحسبة وبيت المال والركاز والزكاة والغنائم، وتم تعيين مسؤولي الدواوين وتسلمت في فترة من الفترات ديوان بيت المال والركاز».
وديوان «بيت المال» يعد من الدواوين المهمة في التنظيم، حيث يختص ببيع المشتقات النفطية وعمل الآبار والحقول النفطية وكل ثمر يخرج من الأرض وباطنها، حسب الجبوري، الذي تابع: «عُينت مسؤول الركاز في التنظيم بعد عملية الفتح، ومن هذا الديوان بدأت باستغلال احتياطيات الوقود الأحفوري في العراق وسوريا لضمان استمرار التنظيم وتطويره، حيث يتكون ملاك الركاز من (2500 فرد) موزعين حسب الحقول والمحطات النفطية، إذ يتم استخراج النفط وباقي المشتقات من حقلي (القيارة وعلاس) في القسم العراقي وحقول (التنك وعمر والشولة وصعيوة وكوناكو) في الجانب السوري، وباستخدام الآليات الموجودة أصلا في الحقول لتجهز الصهاريج النفطية من الخزانات، ويباع النفط العراقي إلى الأفراد من أصحاب المعامل ومحطات التكرير الصغيرة، وجزء يهرب إلى خارج الولاية ليصل إلى دول مجاورة (يتحفظ ذكرها) والجزء الأخير يباع في السوق السوداء عبر ميناء ضمن الأراضي المسيطر عليها في سوريا بـ(180 دولارا) للطن الواحد، حيث أوصلت واردات التنظيم خلال سنتي عملي في الركاز لما يزيد عن مليار وربع المليار دولار سنويا تسلم إلى ديوان بيت المال للتصرف بها».
قال إنه أعد خطة التصدي لقوات الأمن في «القائم»… وكشف عن إيرادات التنظيم
كما بين الجبوري أنه خلال تلك الفترة «كنت على تواصل مستمر مع البغدادي وأتلقى التوجيهات منه حيث التقيته ثلاث مرات لغاية عام 2016 مرتين في ولاية نينوى ومرة استدعيت إلى سوريا للقائه. غالبها تناول أهمية عمل الديوان وإصدار بعض التوجيهات لتطوير العمل كون التنظيم في حاجة متزايدة للسلاح والعبوات والسيارات المفخخة».
في غارة لطيران التحالف عام 2016 قتل أبو علي الأنباري وكان مسؤولا عن أهم دواوين التنظيم وهو (ديوان بيت المال). ووفق الجبوري، «قتل الانباري أحدث فراغا كبيرا في إدارة التنظيم، وعلى إثرها تم استدعائي عاجلا إلى الرقة وبأمر من البغدادي كلفت بشغل منصب أمير بيت المال، وهنا أصبحت مقربا وعلى تواصل مستمر مع القيادة العليا، كون أمير بيت المال يجب أن يتسلم آلية توزيع موازنة الولايات والعديد من الأوامر من الأمير شخصيا، ويتكون بيت المال من هيئة النقد والمحاسبة والرقابة، وبعد المباشرة تبين أن خزينة التنظيم فيها (250 مليون دولار و3000 كغم ذهب) مخزنة وموزعة في منازل وأنفاق تحت أمرة عدد من منتسبي بيت المال، أغلبها عن صادرات النفط والجزء الآخر عن الغنائم المستحصلة من السرقات خارج حدود التنظيم والأتاوات وخطف بعض رؤوس الأموال والتجار ومساومتهم بالفدية، لأتوجه بعدها إلى أمر سك عملة ذهبية وفعلا قمنا بإصدار (دينار إسلامي) صنعناه من الذهب الخالص ليستخدم في التداول وعمليات البيع والشراء داخل أراضي التنظيم، وفعلنا تزويد منتسبي ديوان الجند بمبلغ يصل لأكثر من (30000 دولار) عن كل سيارة مفخخة تجهز للتفجير على القوات الأمنية، وكانت مسؤوليتي الأساسية كأمير لهذا الديوان تتمثل بجمع الإيرادات ومنح الموازنات للولايات ولديوان الجند لتستخدم في شراء التجهيزات المطلوبة لضرب القوات الأمنية في العراق وسوريا».
نقل الأموال
وكشف الجبوري عن بدء عمليات التحرير من قبل القوات العراقية عام 2017 قائلا: «عند وجودي في ولاية الفرات ولحصول تقدم للقوات العراقية اضطررت لإصدار أوامر بنقل جميع أموال التنظيم من العراق إلى سوريا وتحويل الأموال إلى حسابات شخصية خارج مناطق سيطرة التنظيم ودفع مبالغ إلى الولاة لانقطاع طرق التواصل».
بعد تقدم القوات العراقية وانحسار أراضي سيطرة التنظيم وقطع أغلب طرق الإمداد من العراق، أشار الجبوري، إلى «صدور أوامر عليا بحل كل الدواوين والإداريين في العراق والحاق المنتسبين بديوان الجند لصد تقدم الجيش العراقي، وعند تواجدي في الولاية (ما تسمى بولاية الفرات التي كان يديرها في حينه المتهم أبو حسين الأعور) حدثت معركة بين القوات الأمنية العراقية وأفراد التنظيم، ولكوني موجودا واعتبر في منصب مقرب من القيادة العليا قمت بوضع خطة لهذه المعركة كون القوات الأمنية كانت تتقدم في اتجاه مركز ولاية الفرات (القائم) ووضعت خطة الهجوم على القوات الأمنية لصدهم، وكانت تتكون من ثلاثة خطوط الأول للمقاتلين الهجوميين والانتحاريين والانغماسيين، والثاني يتشكل من المقاتلين المؤازرين لغرض تشكيل خط صد ودفاع في حالة الانسحاب، والثالث يتكون من مفارز الإسناد لإطلاق قنابر الـهاون والصواريخ وتم التنفيذ ونجحت في تأخير التقدم فقط».
وأكمل: «بعدها، ازداد الحصار وتقدمت القوات العراقية في اتجاه (القائم) بمختلف الاتجاهات وبقصف جوي ومدفعي، وعلى أثر وصول القوات وجه أمير التنظيم بانسحاب جميع المقاتلين إلى داخل الأراضي السورية، وفعلا استطعت وعدد من المقاتلين العبور إلى سوريا، وعند وصولي التقيت مباشرة بالبغدادي وحجي عبد الله قرداش ليتم التشاور على تنصيبي نائبا للأمير، وبث إعلان داخل التنظيم بأنني أعفيت من مناصبي كافة تحسبا لإلقاء القبض علي لأكون غير معرف، لامتلاكي المعلومات الحساسة عن أفراد التنظيم وآلية عمله ومفصله الاقتصادي الحساس». وتابع: «عند تقدم القوات السورية في عام 2018 وانقطاع أغلب طرق التواصل وهرب العديد من مقاتلي التنظيم وتسليم البعض الآخر نفسه إلى قوات سوريا الديمقراطية (قسد) أرسلت زوجاتي الأربعة وأفراد عائلتي إلى أحد الدول المجاورة بعدها بفترة وجيزة قمت بالتنسيق مع أحد المهربين السوريين لترتيب خروجي واللحاق بهم، وفعلا تجاوزت الحدود بصورة غير مشروعة وبعد وصولي لهم اتخذت إجراءات أمنية للتخفي في تغيير مظهري وقمت بشراء مكائن خياطة كغطاء لعملي الفعلي تخفيا من القوات الأمنية، فمكافأة من يقدم المساعدة في القبض علي وصلت إلى (5 ملايين دولار)».
اعترف «دون إكراه»
وأكد قاضي أول محكمة تحقيق الكرخ المختصة بقضايا «الإرهاب» أن «المتهم اعترف بجرائمه دون أي ضغط أو إكراه وبحضور المدعي العام ومحاميه، حيث قام بقتل العديد من أفراد القوات العراقية من خلال زراعته للعبوات الناسفة كونه انتسب إلى حركة التوحيد والجهاد الإرهابية، إضافة إلى مشاركته في خطف ميسوري الحال وغيرهم بعد عام 2014».
وأضاف أن «المتهم الإرهابي تسلم مناصب عليا في التنظيم كأمير لديوان الركاز وبعدها ديوان بيت المال إلى نائب للأمير تنظيم داعش الإرهابي، ومن خلالها قام بوضع الخطط العسكرية وجهز التنظيم بالعدد والعدة وطور المنظومة المالية ليستخدم تلك الموارد في تنفيذ العمليات الإرهابية وصرفها في ضرب القوات العراقية والسورية، وتجهيز العجلات المفخخة وتوزيعه مكافآت عن هذا النوع من العمليات» وأكد أن «المحكمة بصدد إحالته إلى المحكمة المختصة لإصدار الحكم العادل بحقه».
وفي 13 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، تعاونت الاستخبارات التركية مع قوات الأمن العراقية في عملية إلقاء القبض على الجبوري. ونقل تقرير حصري لوكالة رويترز، عن مصادر أمنية، قولها، إن الجبوري كان مختبئاً في منطقة شمال غربي سوريا قبل أن يُعتقل في عملية تشير إلى تعاون وثيق بين تركيا والعراق ضد من تبقى من عناصر التنظيم في المنطقة. وأعلن العراق أن قواته الأمنية ألقت القبض على الجبوري، وهو مواطن عراقي، في ما وصفه بـ «عملية خارج الحدود». ولم يعط تفاصيل حول مكان وزمان اعتقاله.