تونس – «القدس العربي»: أحبطت السلطات التونسية هجومًا إرهابيًا ثالثًا في العاصمة، بعدما تمكنت من القضاء على الرأس المدبّر لعمليتي شارل ديغول والقرجاني، في عملية أمنية ناجحة أثارت أسئلة كثيرة حول كيفية «نجاح» الحركات المتطرّفة في استقطاب الشباب التونسي، فيما نفت الداخلية التونسية ارتداء «الإرهابي» الذي تم القضاء عليه في العاصمة «النقاب».
وأصدرت وزارة الداخلية التونسية بلاغًا أكدت فيه القضاء على «العنصر الإرهابي الفار، أيمن السميري، على إثر عملية مطاردة مطولة في حي الانطلاقة في العاصمة التونسية»، مشيرة إلى أن السميري «عمد إلى تفجير نفسه (بعد إطلاق النار عليه)، باستعمال حزام ناسف كان يرتديه، ولم يتم تسجيل أية خسائر بشرية».
وكان شهود عيان قد أكدوا أن السميري كان متنكّرًا في زي امرأة منقّبة، فيما تحدث آخرون عن وجود امرأة بصحبته. إلا أن الوزارة أكدت أنه «لا صحة للإشاعات التي يتم تداولها بخصوص وجود امرأة كانت ترافقه أو ارتدائه لزي نسائي».
وشهدت تونس، قبل أيام، ثلاث هجمات إرهابية؛ اثنتان منها استهدفتا دورية أمنية في شارع شارل ديغول ومركزًا للشرطة في منطقة الفرجاني في العاصمة، وأسفرتا عن مقتل شرطي وجرح ثمانية أشخاص؛ خمسة أمنيين وثلاثة مدنيين.
وأشارت مصادر أمنية إلى أن السميري (23 سنة) يعتبر من الرؤوس المدّبرة لعمليتي شارل ديغول والفرجاني، لافتة إلى أنه كان يستعد لتنفيذ هجوم جديد في العاصمة، قبل أن تتمكن السلطات من إحباطه.
وجاءت العملية الأمنية في حي الانطلاقة بعد أيام من بلاغ لوزارة الداخلية تدعو فيه التونسيين للإبلاغ عن أيمن السميري باعتباره «عنصرًا إرهابيًا فارًّا»، وهو ما اعتبره البعض نجاحًا أمنيًا جديدًا للسلطات التونسية.
لكن العملية الأمنية الأخيرة أثارت أسئلة عديدة حول كيفية «نجاح» الحركات المتطرّفة في استقطاب الشباب التونسي، خصوصًا في المناطق الشعبية الفقيرة والمهمّشة.
ودوّن الباحث القيادي السابق في حزب الحراك، طارق الكحلاوي، قائلًا: «أعتقد أننا بصدد عملية أمنية ناجحة: الكشف عن إرهابي (إعلان مكثف عن هويته، وطلب من المواطنين للإعلام عليه، خصوصًا الأمس)، ومحاصرته، وعزله، ومن ثم انتهى إلى تفجير نفسه. على الأرجح أنها خلية واحدة، عملية القرجاني ووسط العاصمة، وحديث عن إرهابي آخر في حالة فرار. بالمناسبة إغلاق السفارة الأمريكية، الإثنين، ومنذ قليل تأخير احتفالات عيد الاستقلال الأمريكي المبرمجة يوم الخميس، يمكن أن تكون في علاقة بالكشف عن الخلية ذاتها».
وأضاف الكحلاوي أن «الصراع مع الإرهاب الذي يستهدف الاستقرار والتجربة الديمقراطية معركة طويلة. كل التحية لقواتنا الأمنية والعسكرية. كلما نقترب من الانتخابات سيقوم الإرهاب باستهداف الوضع الأمني ومحاولة إرباكه. هذه خطة معلنة من قبل تنظيمي القاعدة وتنظيم «الدولة». يبقى الآن ضرورة فتح ملف الإستراتيجية الوطنية لمكافحة الإرهاب ومدى فاعلية الخطة الإستراتيجية الشاملة، خصوصًا مع تواصل قدرة الإرهاب على استقطاب عناصر غير معروفة بتطرفها المعلن، وتجنيدها وتوجيهها داخل المدن، رغم أنه إقليميًا في حالة تراجع. المعطيات الأولية عن الإرهابي الذي فجر نفسه تستوجب الانكباب على الفئة المستهدفة من قبل التنظيمات الإرهابية في السياق الراهن».
ودوّن الباحث الحقوقي، طارق الشنيتي: «جولة في صفحة الإرهابي على موقع «فيسبوك»، الذي مات الليلة في حي الانطلاقة، أثارت لدي كثيراً من الأسئلة: شاب عمره 23 سنة، صوره وتعليقاته منذ ثلاث سنوات تدل على كل شيء، إلا على أنه سينتهي بهذا الشكل. أود أن أعرف كيف يستقطبونهم بهذه السرعة، إذا لم نفهم آلية الاستقطاب بالتفصيل ونعالج المشكلة من جذرها، لن نستطيع القضاء على ظاهرة الإرهاب».
وعلّقت النائبة جميلة ديبش على ما دوّنه الشنيتي بقولها: «لا أصدق أن عاقلًا يقتنع بفكر داعش، وأقول في نفسي قد يكونون تحت وطأة مخدر أو شيء من هذا القبيل. كيف تهون النفس؟»، مضيفة: «عقلي لا يستطيع هضم هذا الفكر ولا الممارسة، وهذا الصنف الإرهابي من البشر يظل ظاهرة غامضة ومحيرة».
وكتب الحقوقي جمال الدين الهاني: «السميري يطرح أسئلة مباشرة حول طريقة معالجة الإرهاب: هو لم يتدرب في مسجد، لم يقرأ كتبًا صفراء. هذا الشاب المحبط، المصاب بمتلازمة الكآبة، استقطبته مجموعة استخباراتية. التفجير انتحار، والانتحار آخر مراحل فقدان الأمل والثقة في المستقبل، داخل متلازمة الكآبة. يجب أن يدرك مجتمعنا أن ما تسميه المجموعات المحترقة استخباراتيًا «ذئبًا منفردًا» ليس إلا وصفًا إكلينيكيًا لمرحلة كآبة خطرة يؤولونها دينيًا كمرحلة «قربانية».
وأضاف: «الحل ليس في محاربة التدين؛ لأن ذلك يعطي النتيجة العكسية، فالجهل بالدين هو ما ينتج الإرهاب، وليس العكس. الحل ليس في جلد المجتمع؛ بعض الحل في فك الارتباط بين الكآبة والإرهاب، أي تركيز شكل من أشكال الوقاية والمتابعة النفسية داخل كل بلدية، بالتعاون بين ممثلي المؤسسة الأمنية والمؤسسات التربوية والصحية والدينية. لقد بدأ هذا المجهود في فرنسا، قبل أن يتراجع تحت ضغط هوليغانز الإسلاموفوبيا، وأغلبهم من مهاجري الحركات اللابكية المتطرفة، وفيهم تونسيون. ولكن فرنسا تعود هذه الأيام إلى هذه المقاربة؛ لأن الهدف من محاربة الإرهاب هو تحقيق الأمن والوقاية وحماية الأفراد، وليس التنفيس الأيديولوجي في وسائل الإعلام!».
وكانت سفارة الولايات المتحدة الأمريكية قد أعلنت إغلاق أبوابها في تونس بسبب «مخاوف أمنية»، لكنها لم تحدد طبيعة هذه المخاوف التي تأتي في وقت تستعد فيه البلاد لإجراء انتخابات عامة، يُفترض أن تتوج مسار الانتقال الديمقراطي المستمر منذ سنوات.