القضايا الكبري حينما تصبح عرضة للتهريج والتناول الساذج

حجم الخط
0

القضايا الكبري حينما تصبح عرضة للتهريج والتناول الساذج

فيلم السفارة في العمارة لعادل إمام:يحيي القيسيالقضايا الكبري حينما تصبح عرضة للتهريج والتناول الساذجرغم مرور 110 سنوات علي انطلاق السينما في العالم، ووصولها إلي درجات قصوي من العمق في المضامين، والتعبيرات البصرية والأدائية المذهلة، والتقنيات المبتكرة، والمؤثرات التي تحول الخيال إلي حقائق تدب علي الشاشة، فإن السينما العربية ما تزال تحبو رغم تاريخها الطويل، عدا عن وقوع غالبية أعمالها في النمطية والتكرار والاجترار، والضحك علي ذقن المشاهد العربي الذي لا يجد مناصا بين الحين والآخر من التورط في مشاهدة فيلم يعبر عن روحه باللغة والأجواء وعناصر الأداء، وهذا الأمر يجعل من الابتزاز النفسي لهذا المشاهد عنصرا أساسيا فيما لا يرقي التعبير الفني والأدائي غالبا إلي بعض درجات مما وصلته السينما الغربية و الهوليودية تحديدا، ولعل ما جعلني أفتتح مقالتي هنا بمثل هذا التشاؤم أو النقد الذاتي ما شاهدته مؤخرا من فيلم جديد للنجم المصري عادل إمام أثار الكثير من اللغط حوله وهو السفارة في العمارة وعده البعض فيلما تحريضيا ضد التطبيع مع إسرائيل، ورأي بعضهم فيه فيلما وطنيا يريد أن يجعل من إمام في شيخوخته مناضلا عتيدا، في حين ذهب عدد من النقاد إلي عكس ذلك، ولكن قراءة متأنية لهذا العمل تجعلنا ربما نخرج بنتائج غير محمودة علي صعيد بنية الفيلم وخطابه، ففي ظل النقد المتهالك، والحماس المبالغ فيه لبعض النجوم، ورغبة بعض الكتاب في جعلهم ملائكة لا يأتيهم الباطل من بين أيديهم ولا من خلفهم، وفي ظل الشعور في اغلب الأحيان بأن الأمور قد اختلطت لا يملك الباحث المتأني عن الحقيقة، إلا أن يؤشر علي مواطن الضعف والقوة بدلا من استعراض تفاصيل الحكاية المبذولة للراغبين، أو المدح المجاني بسبب الوقوع تحت سطوة الوطنية الآنية أو التاريخ الطويل للنجوم…!دونجوان رغم شيخوختهولكن ما الذي يدور في هذا الفيلم الذي كتب قصته يوسف معاطي، وأخرجه عمرو عرفة، وقام ببطولته المطلقة عادل إمام ؟، وكيف تمت معالجة موضوعه الشائك ؟هنا نمر قليلا علي حكايته، إذ نتعرف أول الأمر علي صور جوية لمدينة دبي، وترافق هذه المشاهد الأولي السياحية الطابع موسيقي عمر خيرت، ولعل من الضروري هنا الإشادة بقدرات خيرت علي تأليف قطع موسيقية معبرة، تناسب الجانب الأدائي للشخصيات، وتنسجم مع أجواء الفيلم، ونتعرف أولا علي المهندس المصري شريف خيري عادل إمام الذي يعمل في شركة نفط، ونتعرف أيضا علي الطفل الفلسطيني إياد، ووالده صديق شريف، حيث يعملان في الشركة نفسها، ويبدو شريف الأعزب زير نساء، وتقوده إحدي مغامراته إلي أن يطرد من العمل ليعود بعدها إلي مصر بعد غياب نحو عشرين سنة في دبي، حيث يكتشف بعد عودته أن شقته الواقعة في إحدي العمارات قد جاورتها السفارة الإسرائيلية، وما بين صدمة وقبول يتعرض شريف إلي مجموعة من الإشكاليات، ويصبح أمام الناس مرة خائنا ومرة بطلا، وخلال كل ما يجري له ينكشف لنا نبض الشارع المصري المناهض للتطبيع، ويحاول الفيلم أن يطرح هذه الإشكالية التي تواجه الجانب الرسمي الممثل بأجهزة الأمن التي تريد أن تؤدي دورها للمحافظة علي مصلحة الدولة العليا، ونبض الناس الحقيقي الذي قد يتمثل في الأحزاب المعارضة والمستقلين والجماهير العريضة والناس البسطاء، ويمثل هذا الجانب الممثلة داليا البحيري المدرسة في الجامعة والمناضلة اليسارية،ولكن القضايا الكبري العادلة قد تقع تحت وطأة تقديمها بشكل ساذج أو ساخر، أو يتم طرحها بشكل غير جدي بحيث تفقد هالتها، وتضع المشاهد في حيرة بين أن يأخذها بشكل جاد أو ينطلق ضاحكا منها أو عليها علي سبيل الترويح أو التسلية، وهذا ما يحصل في هذا الفيلم.وأول المآخذ علي هذا الفيلم إصرار عادل إمام علي أنه ما يزال شابا يتدفق فحولة، وأنه دونجوان تتهافت النساء عليه، فمن المعروف أن الرجل قد تجاوز الستين بكثير، ويبدو عجوزا في ملامح وجهه وتفاصيل جسده، فلماذا كل هذا الإصرار علي أداء هذا الدور المتهافت، ولقد بدا أيضا في فيلمه عريس من جهة أمنية بمثل هذا الأمر، وأيا كانت المبررات الكوميدية فإن مثل هذا الدور المكرر قد أصبح مستهلكا، ومثيرا للسخرية، والشفقة معا.لقد بدت الدوافع النضالية لشريف في هذا الفيلم مقرونة بالجنس، فهو يلاحق المناضلة اليسارية طمعا في قضاء ليلة ساخنة معها لا من أجل الاقتناع بمواقفها، وهو يتعاون مع أمن العمارة التي يقيم فيها من أجل أن يسهلوا له دخول النساء، وتبدو شخصية المرأة في الفيلم عبر نماذجها المطروحة إما أن تكون مناضلة بشعة، ومعقدة، أو بائعة هوي جميلة تنساق إلي وكر شريف بقدميها…!السخرية من أمل دنقلإن مناقشة الشخصيات التي حفل بها الفيلم ودورها سيؤدي بالنتيجة إلي كشف تلك الأخطاء أو الخطايا التي ارتكبت، فالنوايا الحسنة، والوطنية الحماسية لا يمكن أن تكون مغلفة بكل هذا الكم من السخرية، والتسطيح من أجل الإضحاك فقط ولا شيء غيره.. وعلي أن أعترف مرغما أنني كنت أحد الضاحكين من المواقف الطريفة والأداء التعبيري، وبعض الجمل، ولكن ليست العبرة في هذا الأمر الطاريء بل في مجمل الخطاب والشكل التعبيري المفخخ .احدي الشخصيات صحافي حشاش، وهو صديق قديم لشريف، ويبدو الصحافي الذي يعمل في جريدة تدعي لا متوترا طوال الوقت، ومستفزا، لا يتوقف لحظة عن الانتقاد، وكأن صورة المعارض يجب أن تكون بمثل هذا السوء، وفي إحدي المشاهد يقرأ مقاطع من قصيدة أمل دنقل الشهيرة التي كتبها احتجاجا علي زيارة السادات لإسرائيل ومنها: لا تصالح.. ولو منحوك الذهب.. أتري حين أفقأ عينيك.. ثم أثبت جوهرتين مكانهما.. هل تري؟ هي أشياء لا تشتري.. وبالطبع فقد تم تناول هذه القصيدة بطريقة ساخرة، وتبدلت بعض عناصرها، لتدل علي حجارة الشيشة بدل الجواهر، وهذا ما دفع مجموعة من الكتاب والمثقفين المصريين إلي إصدار بيان يستنكر سخرية الفيلم من قصيدة دنقل، ومسخها، وممن وقع علي هذا البيان كما أشارت الصحف صنع الله إبراهيم، محمود الورداني، يوسف أبو رية، محمود القرني، عبد المنعم رمضان وغيرهم.. .أما الشخصيات اليسارية أو المثقفة في الفيلم فقد بدت عصابية الطابع، ومهووسة بالمعارضة، وموتورة بشكل دائم، فالنساء بشعات، عدا مدرسة الجامعة البحيري ، وتمتلأ بيوتهم بالكآبة مع صور ماوتسي تونغ وعبد الناصر، وماركس، ولينين، وينشغل بعضهم بقراءة رواية الحب في زمن الكوليرا لماركيز فيما ينسي نظافته الشخصية، وهكذا بدت الصورة بشعة ومثيرة للتقزز للمناضل والمثقف، كما أن الشخصيات متناقضة مع رأيها الأول، فهي تدين شريف لمجرد أنه يسكن في شقته جارة السفارة الإسرائيلية، ولكنها لا تتورع عن الذهاب إليه في شقته والاحتفال بعيد ميلاده، وقضاء لحظات سعيدة، وهذا التناقض ينطبق علي المناضلين وشلة الأنس كالمحامي والصحافي من الحشاشين، أما صورة رجال الأمن المصريين فقد بدت أيضا غير محمودة، ومثيرة للشكوك، فالضابط يتماشي مع شريف ورغباته، من أجل أن يحتمل جيرانه الإسرائيليين ولا يثير غيظهم، فيما تنتشر عشرات العناصر هنا وهناك في وضع مبالغ فيه من أجل الحماية، ولعل هذا الأمر قد بدا أيضا صارخا في فيلم إمام السابق عريس من جهة أمنية .صورة الفلسطيني والإسرائيليولكن ماذا عن صورة الإسرائيليين والفلسطينيين كما ظهرت في الفيلم ما دام أنه يتناول بشكل أساسي هذا الموضوع الشائك؟ يمكن بوضوح ملاحظة صورة الفلسطيني من خلال الطفل إياد ووالده، حيث يعيشان معا في دبي، ويبدو إياد بسنواته التي تقارب العشرة، ذا وعي سياسي يتجاوز عمره، فهو يتحدث عن كوفي عنان، وخافيير سولانا، ويناقش صديقه المهندس شريف خيري في السياسة ويتفوق عليه، ثم ان المشكلة تكمن في الصورة النمطيــة للطفل الفلســطيني حيث يلبس الحطة السوداء، أو يضعها علي كتفه، وهذا أمر مستغرب أن يحصل دائما، فكل اللقطات التي بدا فيها إياد كان يضع فيها الحطة المرقطة علي كتفه، وكأنه يغدو بدونها غير فلسطيني، ثم ان لهجته مصرية بالكامل، ووالده أيضا، و خلال أيام معدودة من عمر الأحداث في الفيلم نتعرف علي سفر إياد إلي فلسطين، واستشهاده، وتلعب الصدف بشكل واضح في أحداث الفيلم، فمعظم الأحداث تخضع للصدف المثيرة للسخرية، فحين يكتشف شريف استشهاد صديقه الصغير إياد تتبدل مواقفه، ويصبح فجأة مناضلا يطرد السفير الإسرائيلي وضيوفه من بيته، أما صورة هذا السفير الذي قام بدوره الممثل لبيب لطفي، فقد بدت صورة الرجل الواثق من نفسه، المهذب، الذكي، والذي يعرف حق الجار علي جاره، حتي أنه يزوره مع قالب كاتو محتفلا بعيد ميلاده، وعموما فإنه من الظلم التعامل مع هذا الفيلم كحالة فنية تستدعي تحليله، والنظر إلي خطابه بعمق، وربما لولا موضوعه السياسي، وردود الفعل التي صاحبته، لمر تماما بكل هــــدوء مثل أكثر من 100 فيلم قدمها عادل إمام عبر مــــسيرته، ولا تكاد تحفر في وجدان المشـــــاهد العربي فنيا وموضوعيا شيــــــئا مذكورا، ففي معظم أفلامه يصــر إمام إلي العودة إلي حركاته التي تظهــــره غبيا أو أزعر كما في مسرحية مدرسة المشاغبين الشهيرة، وتظل تتكرر قسمات وجهه المندهشة، وعباراته الساخرة، ولهذا يبدو ضحكنا أحيانا كمشاهدين بأثر رجعي، أي أننا نتذكر ذلك الضحك المتواصل الذي انتابنا في تلك المسرحية الفريدة، أما علي صعيد التقنيات، والمؤثرات، وتـوظيف التكنولوجيا الحديثة في هذا الفيلم، فلم يظــــهر لنا شيئا فريدا، رغم أن المخرج قد وظـف لقطات جميلة في بداية الفيلم مصورة من الجـــــو بالطائرة، وكان استخـدامه للمجاميع في المظاهرات موفقا أيضا، إضافة إلي لقطة انطلاق الصواريخ علي شقة شريف رغم أنها تحولت بعد ذلك للقطة كرتونية الطابع، إذ نال الدخان فقط من شريف ورفيقته رغم أن المكان قد بدا مدمرا بالكامل، والطريف في الموضوع أن غياب شريف عن شقته لبضعة ساعات، جعلت المكان يعود من جديد إلي عهده بقدرة قادر. وعلي كل حال أجدني غالبا ما أصاب بالندم بعد مشاهدتي لفيلم عربي، ولا سيما إذا بدأت بمقارنته مع فيلم غربي، من ناحية القصة وحبكتها، وأداء الممثلين، والمشهدية البصرية، والمؤثرات، والقدرة علي الإقناع، والمواقف الكوميدية الأصيلة، ولهذا لا ينبغي لنا الاستمرار في الشكوي من تجاهل الآخرين لفننا السينمائي ما دمنا لا نحترم المباديء الأساسية التي تحكم تقديم الفن للناس وأهمها النوعية الجادة، والابتكار، والبعد عن التهريج، والأداء العالي، والقدرة علي الإقناع، والكرم في الإنتاج، والمنافسة مع العالم كله لا الاكتفاء بالرقص في العتمة.كاتب وصحافي أردني [email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية