تقاليد الحرب الباردة بثوب جديد
القضية السورية تخفي صراعات تخوضها محاور عالمية كلاسيكية. وكالعادة فإن شعارات حقوق الإنسان والديمقراطية هي غطاءات وأدوات في هذه المعارك. فالحشد العسكري والنشاط الدبلوماسي الأمريكي المكثف يهدف إلى كسب نقاط استراتيجية في المنطقة، فكان الهجوم الكيماوي الأخير فرصة حتى تكسب الولايات المتحدة موافقة الرأي العام العالمي، على المستويين الشعبي والدبلوماسي، وحتى تساهم في تعزيز ذلك المحور الكلاسيكي الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها، والذي وقع التسويق له أثناء الحرب الباردة على أنه (محور الخير الغربي) في مواجهة المحور الثاني الذي تقوده روسيا وحلفاؤها والذي وقع التسويق له أثناء الحرب الباردة على أنه (محور الشر الشرقي)، على الرغم من أن المحور الشرقي استغنى عن شيوعيته، إلا أن تقاليد الحرب الباردة مازالت متواصلة، لكن مع عديد التغييرات التي فرضتها العولمة وموازين القوى الجديدة، إذ لم يعد خافيا أن الصين خرجت من تقوقعها وبدأت بالزحف في آسيا والشرق الأوسط وافريقيا، كما أن روسيا تستعيد ثقلها العالمي يوما بعد يوم، هذا بالإضافة إلى وجود مجموعة البريكس التي تضم اقتصاديات صاعدة، من دون أن ننسى خروج مصر من المحور الإخواني الأطلسي الذي يدور في فلك الولايات المتحدة واللوبي الصهيوني، ورجوعها ولو نسبيا إلى تقاليدها الناصرية، التي قد تتبلور على المستوى المتوسط والبعيد بانتهاج سياسات وطنية متوازنة بين الشرق والغرب، ما قد يحول مصر إلى مركز ثقل ونموذج يحتذى في افريقيا والعالم العربي. فالولايات المتحدة وجدت الفرصة مناسبة للعب دور الملاك المنقذ الحريص على السلام والديمقراطية وحقوق الإنسان، مقابل تقديم روسيا وكل من يدور في فلكها في ثوب ‘الشر’. وبالتالي وجدت الولايات المتحدة المجال للانقضاض عسكريا واستراتيجيا على القلب النابض في الشرق الأوسط، حتى تكون جاهزة وناضجة للعب دور أعمق في المنطقة.
‘ كاتب من المغرب العربي