القضية الفلسطينية بين خيار الحل العادل أو الاجتياح

حجم الخط
0

د. يوسف نور عوض

مضى ثلاثة وستون عاما والقضية الفلسطينية مازالت تراوح مكانها، ومازال الخطاب حول هذه القضية يتكرر بالأسلوب نفسه، وذلك ما أخذ يفقده الجدية والموضوعية حيث كنا في الماضي نعرف أن إسرائيل قامت على اغتصاب الحقوق الفلسطينية، وأن استعادة هذه الحقوق لا يتم إلا بالمواجهة مع هذا الكيان الغاصب، وكانت تلك هي الذريعة التي استخدمتها معظم النخب الشمولية الانقلابية من أجل الوصول إلى الحكم، ولكن لم يقم أي منها بعمل يؤكد جدية المواجهة مع إسرائيل، وبدأ الحوار يتطور ليأخذ مسارات جديدة. وكان السؤال المهم دائما هو لماذا يقف الغرب وخاصة الولايات المتحدة خلف هذا الكيان الإسرائيلي في وقت نعرف فيه أن المصالح الغربية مع العالم العربي أكبر بكثير من مصالحها مع إسرائيل، كما أن العمق العربي أيضا أكبر قيمة للغرب من العمق الإسرائيلي، وكان التفسير الوحيد لهذا الواقع المزري هو أن العالم العربي يخضع لأنظمة حكم تأتمر بأمر الولايات المتحدة في وقت يعمل اللوبي الصهيوني في داخل الولايات المتحدة لتحقيق المصالح الإسرائيلية، وأذكر أنني فكرت في هذا الأمر في العام الماضي انطلاقا من وجهة نظر تقول إذا كان اللوبي الصهيوني في داخل الولايات المتحدة هو الذي يسعى من أجل تحقيق مصالح إسرائيل فلماذا يفكر هذا اللوبي في إخراج اليهود من الولايات المتحدة ليبحث لهم عن وطن خارجها خاصة في هذه المرحلة التي تقود فيها الولايات المتحدة اقتصادات العالم وسياساته. وقد أجريت بحثا واسعا في هذه المسألة نشرت نتائجه في هذه الصحيفة في العام الماضي، وتأكد لي من خلال تلك الدراسة أن اللوبي الصهيوني لم يقم بأي دور من أجل البحث عن وطن بديل لليهود، وإنما الذي سعى لهذا الوطن هو اليمين المتطرف في الولايات المتحدة، وهو يمين لا يكن مودة لليهود، ويرى أن الخلاص منهم في الولايات المتحدة وغيرها إنما يكون بالبحث لهم عن وطن بديل يلقون فيه مصيرا مظلما، وكان الوطن البديل في نظر هذا اليمين هو أرض الميعاد، حيث سيتم فيه القضاء على الغالبية منهم، أما الذين سيتبقون فسيعتنقون المسيحية، وبالطبع لا نريد أن ننساق وراء مثل هذه الأفكار التي أردنا منها فقط إلقاء الضوء على الأسباب التي جعلت هذا اليمين المتطرف يقف خلف دولة إسرائيل، وليس ذلك مهما في نهاية الأمر إذ المهم هو كيف تحول هذا الموقف إلى سياسة ثابتة لدى الولايات المتحدة لا تقيم من خلالها اعتبارا لمعاناة الشعب الفلسطيني.

وكان هناك أمل عندما تولى الرئيس باراك أوباما الحكم في الولايات المتحدة استنادا على أصوله الأفريقية، والاعتقاد بأن له جذورا إسلامية، ولكن مؤسسة الحكم في الولايات المتحدة أثبتت أنها أقوى من المبادئ التي يسعى إليها الجميع، وعلى الرغم من أن الكثيرين يشكون في إمكان أن ينجح الرئيس أوباما في كسب ثقة الناخب الأمريكي من أجل تجديد دورة حكمه فقد حاول الرئيس أن يلعب ورقة الصراع العربي الإسرائيلي من أجل أن يكسب ود اللوبي الصهيوني عسى أن يساعده ذلك في كسب الجولة الانتخابية، ولكن خطاب الرئيس أوباما جاء غامضا وحمال وجوه عدة وهو ما أثار غضب اللوبي الصهيوني، وخاصة رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو الذي لم يعجبه قول الرئيس أوباما يجب أن تكون هناك دولة فلسطينية على حدود عام 1967، فذلك ما رفضه نتنياهو الذي قال إن هناك أكثر من خمسمئة ألف يهودي يقيمون في مستعمرات تدخل ضمن تلك الحدود، كما أن حدود سبعة وستين يصعب الدفاع عنها دون أن يوضح لماذا يريد حدودا يدافع عنها إذا كان هناك حل للنزاع على أساس الدولتين، ولكن نتنياهو لا يحتاج لأن يذهب أكثر مما قاله بكون الإسرائيليين لا يريدون في الواقع حلا سلميا لهذه المشكلة ولا يريدون تغليب منطق العقل، ويذهب نتنياهو إلى رأي غريب عندما يقول إنه يدرك أن الفلسطينيين قد تزايدوا كثيرا في مناطق الشتات وإنهم لا يمكن أن يعودوا إلى أرض فلسطين، وإنما عليهم أن يبقوا حيث هم دون أن يوضح مشروعية بقائهم حيث هم في وقت لهم فيه وطن يمكن أن يعودوا إليه، وفي السياق ذاته يذهب نتنياهو إلى القول بأنه لا يمكن التوصل إلى حلول مع الفلسطينيين دون اعترافهم بيهودية الدولة الإسرائيلية من غير أن يسأل نفسه هل هناك أي دولة في العالم قامت على أساس العنصر أوالدين؟ وهو في الحقيقة لا يريد أن يسأل نفسه هذا السؤال لأن الهدف من الاعتراف بيهودية الدولة الإسرائيلية يهدف إلى تفريغ إسرائيل من سكانها الفلسطينيين العرب، إذ المعروف أن أكثر من مليون وخمسمئة ألف من هؤلاء مازالوا يعيشون في داخل إسرائيل. وإذا توقفنا عند المنطق الذي مازالت تتبعه إسرائيل ومن خلفها الولايات المتحدة أدركنا أن هؤلاء لا يريدون أن يدركوا أن العالم يتغير وأن تفكير الإنسان نفسه يتغير، فالمشكلة القائمة اليوم بين العرب وإسرائيل لا تدور حول بقاء اليهود على أرض فلسطين بل تدور حول عدم قدرة إسرائيل على رؤية أنه لا يمكنها الاستمرار دون أن تفكر في حل جدي لمشكلة فلسطين، ولا نريد هنا أن نسترسل في وصف تطور الأحداث العربية نتيجة الثورات المتعاقبة، لأننا لا نتوقع أن تنشأ أنظمة حكم هدفها الدخول في مواجهة حاسمة مع إسرائيل كما لا نتوقع أن تفكر الأجيال الجديدة في بناء ترسانات حربية تقليدية أو نووية لمواجهة إسرائيل لأن هذا الأسلوب القديم قد لا يكون مناسبا لمواجهة عصر جديد وعالم يتغير بشكل كبير والمرجح هو أنه مع تكاثر أبناء الشعب الفلسطيني وحاجتهم إلى وطن يلم شتاتهم فإن تفكيرهم المستقبلي سيتركز على فكرة الاجتياح وهي فكرة لا تريد مجهودا كبيرا، إذا قررت الملايين من أبناء فلسطين أن تتوجه إلى أرضها التاريخية سيرا على الأقدام من جميع الجبهات، من الضفة الغربية والجولان ولبنان والأردن ومصر فاتحة صدورها لكل الاحتمالات، وليصل منهم من يصل، ولا شك أن إسرائيل بدأت تتحسب لمثل هذا الموقف وصدرت تعليماتها بإطلاق النار على كل من يقدم على مثل هذا العمل من جبهة الجولان، ولا شك أن مثل هذه السياسة قد عفا عليها الزمن وآن لإسرائيل أن تدرك أن هناك شعبا فلسطينيا له قضية ولا بد أن تحل، وإذا لم تحل هذه القضية فإن الأبواب ستكون مفتوحة على كل الاحتمالات والاحتمال الأكبر هو الاجتياح الذي أصبح الآن اقتناعا لدى كل فرد من أفراد الشباب العربي. وهنا يجب أن ندعو الجانب الفلسطيني إلى التوقف عن تصديق الأكاذيب الإسرائيلية بأن هناك محادثات تسعى إلى تحقيق السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين لأن السلام قي هذه المرحلة ليس مطلبا فلسطينيا بل هو مطلب إسرائيلي، ذلك أن ما يسعى إليه الفلسطينيون هو استعادة أرضهم، ومن السخرية أن نسمع الإسرائيليين يقولون إن السلام غير ممكن مع الرئيس عباس الذي تعاملوا معه في جميع المراحل ولكنهم لا يرونه مناسبا في هذه المرحلة لمجرد أنه تصالح مع حماس، والغريب هو أن هذا هو أيضا موقف الولايات المتحدة، ألم يسأل هؤلاء أنفسهم، أليست حماس جزءا من الشعب الفلسطيني؟ فلماذا يريدون استثناءها من الحل، هل لأنها لا تعترف بالكيان الصهيوني؟ الذي يجب أن تخشاه إسرائيل ليس هو وجود حماس أو المطالبين بإزالتها، بل أسلوبها ونهجها في التفكير الذي لا يريد أن يتغير على الرغم من تغير العالم حولها، فالذي نعرفه أن العالم العربي مر بمرحلة لا يريد أن يعترف فيها بوجود دولة تسمى إسرائيل، ولكنه يريد الآن تسوية، غير أن هذه التسوية لن تكون بأي حال من الأحوال على حساب الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وذلك ما يوجب على إسرائيل أن تختار بين الحل أو الاجتياح. ‘ كاتب من السودان

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية